رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استمراراً لمعالجتنا ومناقشتنا لموضوع التأمين الطبي أو الصحي (المشاكل والحلول) الذي تناولنا في مقالنا السابق، في محاولة لتعريف الجمهور والمهتمين بمفهوم هذا النوع من التأمين، نواصل اليوم تسليط الضوء على التأمين الطبي أو الصحي بالدولة، خصوصاً أننا حينما نعود إلى وطننا الحبيب نجد أن المسئولين بالدولة لم يألوا جهداً في توفير المظلة الطبية الكاملة والمثالية لمواطنيها من خلال ذراعها الطبية ألا وهو مستشفى حمد ومراكز خدماته الطبية المنتشرة في أرجاء الدولة مع العمل على دعم مواطنيها في العلاج بخارج الدولة في أي مستشفيات أو مراكز طبية متخصصة في أرجاء المعمورة لو ارتأت الضرورة الطبية ذلك..
والحقيقة، هذا الجهد لا يستطيع أي محايد أن ينكره أو يشكك فيه بل هو جهد ملموس ومقدر من الجميع في المجتمع باختلاف الأعمار، حيث احتلت دولة قطر المرتبة الأولى من بين الدول العشر الأكثر اهتماماً بالصحة حيث يوجد 8 أطباء لكل ألف مواطن مع تراجع معدل الوفيات في البلد متقدماً بذلك على جميع دول العالم مما يعكس مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع الحيوي في تقديم الخدمات، بل أن الدولة وسعت من تلك المظلة أيضاً لتغطي إخواننا المقيمين والمشاركين في مجالات النهضة الاقتصادية القطرية في كافة المجالات إضافة بالطبع إلى ما تقوم به المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة من تقديم تلك الخدمات للكثير من المقيمين عن طريق تعاقدات مع أرباب العمل والمسؤولين عنهم قانونياً.
ولكن في الفترة الأخيرة ومع ارتفاع تكلفة الخدمة المضطردة وفقاً لمعايير التضخم المعروفة وللأسباب السابق ذكرها مع الزيادة السكانية المستمرة سواء للمواطنين أو المقيمين فقد ارتأت الدولة والمجلس الأعلى للصحة ضماناً لاستمرارية توفير الخدمة المميزة لمواطنيها في المقام الأول واستفادة من تجارب الدول الشقيقة في هذا المضمار أن تؤسس كما أسلفنا شركة للتأمين الصحي مملوكة للدولة وتعمل على توفير الخدمات الطبية والصحية لمواطنيها في الدرجة الأولى مع تكليف إحدى الشركات الوطنية للتأمين بالقيام بدور شركة إدارة النفقات الطبية (TAP) مستفيدة من شبكة خدمات صحية واسعة تكون مستشفى حمد وأذرعها الطبية أحد مكونات تلك الشبكة إضافة إلى مقدمي الخدمة الطبية الآخرين الممثلين في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة تشجيعاً للقطاع الخاص الوطني العامل في حقل الخدمات الطبية على أن تبدأ شركة التأمين الصحي بتوفير الخدمة الطبية للمواطنين القطريين وأسرهم وهو ما شرعت به بالفعل ثم تبدأ بدراسة الكيفية اللازمة لمد تلك التغطيات الطبية للمقيمين بالدولة وأسرهم.. وفي الحقيقة إن هذا الدور الذي تقوم به حكومتنا الرشيدة يستحق الإشادة لتمسكها بدورها الاجتماعي ومسئولياتها تجاه مواطنيها والمقيمين على أرضها رغماً عن الكلفة المتزايدة التي تتكبدها ميزانية الدولة لقاء ذلك..
ولكن لو نظرنا إلى الأسواق المجاورة بدول مجلس التعاون الخليجي كدراسة مقارنة نجد أن المملكة العربية السعودية تمثل السوق الأكبر في المنطقة أي حوالي 52,3% من أسواق دول مجلس التعاون وهي الأكثر إنفاقاً على الرعاية الصحية بما يمثل 24,7 بليون دولار، وهو يمثل الانعكاس الطبيعي لعدد السكان والإنفاق الحكومي مع معدل نمو في مصاريف الرعاية الطبية يبلغ 12% ويليها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تعد السوق الثاني بالمجلس بإجمالي 11,7 بليون دولار في مصاريف الرعاية الطبية أي بما يمثل 17,7% من إجمالي النفقات ممثلة بذلك الشريحة الأعلى من الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية ومع ذلك تعد قطر السوق الأكثر والأسرع نمواً في مجال الرعاية الصحية بما يمثله ذلك من 23% من إجمالي الإنفاق الحكومي ولكن تمثل 2,1% من سوق الرعاية الصحية بدول مجلس التعاون الخليجي، وتأتي البحرين كأقل الدول بالمجلس بما إجماليه 728 مليون دولار أي حوالي 11,4% وترشح قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة للدول الأكثر والأسرع نمواً في مجال الخدمة الصحية حتى 2018 ..
والآن لننظر إلى تجربة سوق التأمين الصحي بدولة الإمارات العربية المتحدة كسوق مرشح مع السوق القطري كالأسرع نمواً في تقديم الخدمة الصحية حتى 2018 وهنا سنجد أن حكومة إمارة أبوظبي أسست هيئة حكومية تسمى هيئة الصحة، وهي تشرف قانوناً على شركة ضمان وهي شركة تأمين صحي مدعمة من الحكومة تعمل جنباً إلى جنب مع أقسام التأمين الصحي بشركات التأمين العاملة بالدولة وأيضاً جميع مقدمي الخدمة الطبية من مستشفيات أو مجمعات أو مراكز طبية لتقديم الخدمة الصحية وبدون احتكار لأي جهة لكون الاحتكار في أي مجال يقتل أي نمو في الخدمة أو إمكانية التطوير..
وقد حددت الحكومة شريحة إجبارية للعاملين الأقل دخلاً باشتراك سنوي أقل ولكن أيضاً بسقف خدمات أقل يتناسب مع معدل الاشتراك تاركة لجميع شركات التأمين التنافس الحر في تقديم الشرائح الأخرى الأعلى سقفاً والأعلى اشتراكاً على أساس الروح التنافسية التي تفرضها روح السوق، ومن ثم فإن دور هيئة التأمين في إمارة أبوظبي تقوم بدور الإشراف والرقابة على شركات التأمين التي تمارس التأمين الطبي مع الشركة ضمان مع شبكة مقدمي الخدمة من مستشفيات ومراكز طبية وبالطبع انعكس ذلك على حجم الاستثمارات التي ضخت في مجال بناء المستشفيات والمراكز الطبية والتي انعكس نمو معدلات التأمين الطبي على معدلات نموها واتساع شبكتها والحقيقة أن تجربة إمارة أبوظبي استفادت من القول المأثور "إن أهل مكة أدرى بشعابها" فتركت الباب مفتوحاً لشركات التأمين بأن تشارك في نمو ذلك القطاع والاستفادة من الخبرات التراكمية التي كونتها تلك الشركات من خلال ممارستها للتأمين الصحي عقوداً كأحد أفرع التأمين الممارسة بنشاطها التأميني المختلفة فروعة.. وبالطبع اطمأنت الهيئة على سلامة العملية التأمينية وبتوفر الكوادر الفنية التأمينية مع سلامة اتفاقيات الإعادة التي تبرمها شركات التأمين في هذا المجال مع معيدي تأمين عالميين تضمن بها سلامة الاكتتاب وحماية حقوق المؤمنين أو المشاركين في العملية التأمينية الصحية.
وفي المملكة العربية السعودية نجد أن التأمين الطبي حقق لشركات التأمين العاملة بالسوق السعودي خسائر فادحة أدت إلى خروج البعض من السوق أو تأثر المراكز المالية لتلك الشركات، مما أدى إلى تدخل ساما أو البنك المركزي السعودي الذي يشرف على صناعة التأمين بالدولة وفرضت تعديلات تشريعية في مجال التأمين الطبي بضرورة وجود خبير إكتواري يتناول وفقاً لمعايير حساباته الإكتوارية كل ما يتعلق بالتسعير ليكون سعر الخدمة متوافقاً مع طبيعة الخدمة المقدمة ولصالح جميع الأطراف وبالتالي بدأت شركات التأمين تصلح من حالة محافظها التأمينية في مجال التأمين الصحي.
وهنا في قطر فإننا نرى أن المجلس الأعلى للصحة أسس شركة التأمين الصحي (صحة) لتقوم بالدور الحكومي الإجباري لتوفير الخدمات الصحية أولاً للشريحة الأولى وهي للمواطنين والمواطنات بالدولة، وقد أتمت الشركة للإنصاف هذة الخطوة منفردة دون دعوة شركات التأمين الوطنية لدعمها والتعاون معها في تنفيذ تلك المظلة وحالياً تقوم بدراسة المرحلة الثانية ألا وهي بسط المظلة الخاصة بتأمين الخدمات الطبية إلى شريحة المقيمين بالدولة وهم حوالي 2,200,000 نسمة على أساس آخر إحصاء للسكان بالدولة وهنا فقط نتساءل هل شركة صحة قادرة على توفير تلك الخدمة منفردة أيضاً لتلك الشريحة الأكبر من مستخدمي الخدمة ؟! أم أن عليها الاستفادة من تجربة إمارة أبوظبي مثلاً بدعوة شركات التأمين الوطنية للمشاركة معها في توفير تلك الخدمة للشريحة الأكبر وهي المقيمون بالدولة مستفيدة من خبراتهم لتوفير الجهد والمال على الدولة ولذلك فإننا نحتاج هنا من المشرع أن ينظر بعين الاهتمام حينما يبدأ في تطبيق المرحلة الثانية من مشروع التأمين الصحي للمقيمين إلى الحقائق الآتية:
1- الاستفادة من الخبرات التراكمية التي تكونت لدى شركات التأمين الوطنية والتي مارست التأمين الصحي عقوداً طويلة كأحد أفرع التأمينات العامة لديها وتكونت لديها محافظ كبيرة وشبكة عملاء بأعداد متنامية وتكونت لديها الخبرة القوية في كيفية التعامل مع هذا الحقل الهام من حقول التأمين الطبي بما في ذلك كوادر فنية متمرسة واتفاقيات إعادة تأمين قوية واتفاقيات طويلة المدى مع شركات إدارة الخدمات الطبية TPA مع علاقات قوية مع جميع مقدمي الخدمة الطبية بالدولة سواءً مستشفيات أو مراكز طبية.
2- ضرورة دعم مستشفى حمد ومراكزها الطبية بأن تكون إحدى أذرع شبكة مقدمي الخدمة على أساس روح السوق التنافسية في طبيعة الخدمة ونوعيتها والتي تتميز بها مستشفى حمد عن الجميع بخبرتها الطويلة التراكمية والأطقم الطبية ذات الخبرة المهنية العالية والمشهود بها على مستوى المراكز الطبية العالمية.
3- أن تبادر الدولة إلى تشجيع الاستثمار في مجال مقدمي الخدمة للحيلولة دون الزيادة التي يشهدها هذا المجال مما أدى إلى أن تكون قطر أعلى من مثيلاتها في قيمة الخدمة المقدمة مما ينعكس سلباً على السوق ولكن بدعم الدولة للمستثمرين الراغبين في المشاركة في حقل مقدمي الخدمة بمنح أراض تُخصص لإنشاء مستشفيات أو مراكز طبية تؤدي إلى زيادة مضطردة في عدد وحجم مقدمي الخدمة مما سيؤدي بالتالي إلى خفض المعدلات المرتفعة التي يفرضها مقدمو الخدمة حالياً مما سيكون في صالح جموع المنتفعين من خدمات التأمين الطبي.
4- دعم الدولة لصناعة الدواء بالسوق المحلي وذلك للتغلب على مشاكل الاستيراد دوماً وما يستتبعه من ارتفاع في التكلفة بزيادة هامش الربح الذي يفرضه المستوردون مما سينمي الصناعة والخدمة وبالطبع متلقي الخدمة في نهاية الأمر.
5- وضع معايير طبية ثابتة تسمى مثلا معايير قطر الطبية تلتزم بها جميع أطراف العملية الطبية سواءً من شركات تأمين أو مقدمي الخدمة أو شركات إدارة الخدمة وبالطبع سيكون ذلك في مصلحة ارتقاء العمل والخدمة الطبية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
6- مراعاة أن جميع أسعار الخدمة أو الأدوية المصاحبة لتلك الخدمة الطبية تتأثر دائماً بمعدلات التضخم والتطورات الاقتصادية المختلفة سواءً ارتفاع أسعار المواد الخام أو ارتفاع مستوى المعيشة، وبالتالي بجب النظر سنوياً في جدول الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة سنوياً على ضوء كل تلك المتغيرات.
وهنا في الحقيقة جدير بنا أن نوضح بجلاء حتى لا يساء فهمنا أو نتهم بأننا في موقع النقد أن هدفنا من هذه السلسلة من المقالات مجرد نشر الوعي التأميني في مجتمعنا وبين جمهورنا الحبيب للتعرف على جميع جوانب صناعة التأمين ونحن هنا في تجربة التأمين الصحي بالدولة لانتعرض لتجربة التأمين الصحي بإيجابياته وسلبياته لكوننا من منطلق الإنصاف ندعو للتريث وتقييم العملية على قاعدة المراجعة والتصحيح ولذلك فمن موقعي كمسئول في شركة تأمين وطنية فإنني أدعو القائمين على المجلس الأعلى للصحة والمسؤولين عن شركة التأمين الصحي (صحة) لمراجعة نتائج المرحلة الأولى والاستماع إلى شركات التأمين الوطنية من باب التشاور وتبادل الآراء لما لهذه الشركات الوطنية من خبرة طويلة تراكمية في مجال تقديم الخدمة الطبية ولها من الكوادر وشبكة العملاء ما يؤهلها لدعم مسيرة شركة التأمين الصحي (صحة).
وإننا نثق أن الدولة والمشرع لا يألوون جهداً في سبيل توفير كل سبل الرفاهية والراحة لمواطنيها بل والمقيمين على أرضها وهي الجهود والحمد لله التي يشهد بها القاصي والداني ولذلك نرى أن الدولة والمشرع يضع دائماً نصب عينية توفير السبل التي يمكن بها تطوير كل الخدمات وطرق الدعم لجميع المواطنين والمقيمين على أرض وطننا الحبيب تحقيقاً لتوجيهات ورؤية صاحب السموً أمير البلاد المفدى وحكومته الرشيدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
5028
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
2427
| 05 أبريل 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى أفعالاً عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية - 5290 صاروخاً ومسيّرة إيرانية على الخليج مقابل 980 على إسرائيل بنسبة 15 % ! - العالم صُدِم من نقل المعركة من العمق الإسرائيلي إلى العمق الخليجي بكل من فيه وما فيه - قطر استنكرت قصف الكيان الإسرائيلي حقل «بارس» الإيراني.. فماذا كان رد طهران؟! - لولا الله ثم كفاءة دفاعاتنا لرأينا دماء سالت وضحايا سقطوا ومرافق هدمت ومنشآت دمرت - جهود دبلوماسية مكثفة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية بين إيران والاتحاد الأوروبي - إيران تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي -الاعتداءات الإيرانية على الخليج بعد أقل من ساعة من الضربات الإسرائيلية الأمريكية وكأن القائمة محضّرة مسبقاً بداية.. وقبل كل شيء.. لا أحد في دول الخليج رحب بالضربة الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. بل إن الخليج لم يكن على علم بالضربة الأمريكية الإسرائيلية التي حدثت يوم 28 فبراير.. الذي حدث أن إيران لم تترك مساحة لهذه الإدانة والرفض بصوت مرتفع.. ولم تترك فرصة للخليج لكي «يتنفس».. فقد أحرقت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية بيان التنديد والرفض الذي كان سياسيو الخليج عاكفين على صياغته.. إيران بعد ساعة من الضربة الإسرائيلية الأمريكية وجّهت صواريخها لدول الخليج العربي قبل أن توجهها للكيان الإسرائيلي، منتهكة بذلك حرمة الإسلام والدين والجوار، قبل أن تنتهك السيادة الوطنية للدول الخليجية، وكأن قائمة الاستهداف لدول الخليج جاهزة ومحضّرة من قِبَل إيران قبل أن تبدأ الضربات الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعلم بها دول الخليج أصلا..!! قطر والخليج كله - شعوبا وحكومات - صدم من هذه الخطوة الإيرانية التي نقلت المعركة من استهداف عمق الكيان الصهيوني إلى استهداف عمق دول الخليج بكل ما فيها ومن فيها.. الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وصلت إلى عواصم الخليج.. الدوحة والرياض والكويت والمنامة وأبوظبي ودبي.. قبل أن تصل إلى العمق الصهيوني.. فمن ضرب إيران هو الكيان الإسرائيلي وأمريكا وليست دول الخليج. نددت قطر واستنكرت في صباح يوم 18 مارس بعد أقل من ساعة من قيام الكيان الإسرائيلي بقصف حقل «بارس» الإيراني للغاز، فماذا كان الرد الإيراني وكيف كافأت إيران دولة قطر؟ الرد الإيراني لم يكن على الكيان الإسرائيلي الذي ضرب منشآتها للغاز، بل كان على قطر.. إيران كافأت قطر قبل المساء في نفس يوم 18 مارس بعد أقل من 8 ساعات بقصف مدينة راس لفان وحقل الشمال للغاز، مما أدى إلى إعلان قطر للطاقة عن القوة القاهرة بعد توقف إنتاج الغاز من حقل الشمال. هكذا ردت إيران على موقف قطر المندد للعدوان الإسرائيلي على منشآتها الحيوية.. والأغرب أن قطر والشقيقة سلطنة عمان كانتا منخرطتين حتى اللحظات الأخيرة - قبل بدء الضربات - لإيجاد حل دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من ذلك أمطرت إيران سماء قطر بالصواريخ والمسيّرات، بعد لحظات من قيام الكيان الإسرائيلي وأمريكا بتوجيه ضربات لإيران، بل حتى الشقيقة عمان لم تسلم من رشقات لطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي العمانية.. ! ولولا الله أولا، ثم الكفاءة العالية لرجال الدفاع والأمن وجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية في قطر والخليج عموما لرأينا دماء سالت بغزارة، وضحايا سقطوا بكثرة، ومرافق حيوية هدمت، ومنشآت دمرت، وبنى تحتية خربت، ومطارات ومحطات مياه وكهرباء وغاز استهدفت، وأرزاق الناس قطعت... كلا لا أبالغ في ذلك.. هل تعلمون أن عدد الصواريخ والمسيرات التي أطلقت على دول الخليج حتى يوم 31 مارس بلغ 5290 صاروخا ومسيرة بنسبة 85%. فيما عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل حتى يوم 31 مارس بلغ 980 صاروخا ومسيرة بنسبة 15%. بل حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، والمصلون يؤدون صلاة العيد بالمساجد في عواصم خليجية، كانت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تنهمر عليهم.. لم تراعِ إيران حتى قدسية هذا اليوم، الذي هو عيد ويوم فرح عند المسلمين، وهي الدولة المسلمة والجارة.. إيران تقلص - وتكاد تنفد - مخزونها من الصواريخ والمسيرات باستهداف دول الخليج العربي وليس الكيان الإسرائيلي، وهذه حقيقة. ماذا لو صححت إيران بوصلتها باتجاه الكيان الإسرائيلي، وحوّلت ما ترسله للخليج من صواريخ إلى هناك، أليس هذا هو المنطق؟، خاصة أن دول الخليج أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها وتنأى بنفسها عن أي صراع. الجميع يتذكر جيدا الموقف الخليجي من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في يونيو 2025 - ما عرف بحرب 12 يوما - فقد اتسم موقف دول الخليج بالرفض الصريح والإدانة للضربات، وتمسكت بمسار التهدئة والحوار وعدم التصعيد، وحذرت من انزلاق المنطقة لحرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها، وأعلنت - كما حصل مع هذه الحرب - أنها لن تسمح باستخدام أراضيها، أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران. والأكثر من ذلك أن من قام بالوساطة لوقف الحرب على إيران هي قطر، رغم ما لحقها من أذى واستهداف من إيران آنذاك إلا أنها تسامت على كل ذلك من أجل المصلحة العليا للمنطقة وشعوبها، والحفاظ على الأمن والاستقرار، قبل أن تتهاوى المنطقة برمتها في أتون صراع لا آخر له. إيران خسرت ليس فقط الدول الخليجية، بل قبل ذلك خسرت تعاطف شعوب المنطقة ، ففي حرب «12» يوما التي شنت عليها في يونيو 2025 كان هناك تعاطف شعبي عربي معها بدرجة كبيرة، لأنها حصرت معركتها مع الكيان الاسرائيلي، بينما اليوم للأسف «تاهت» بوصلتها، فخسرت شعبيتها. إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا فادحا باستهداف دول الخليج العربي، التي كان يشكّل البعض منها «رئة» تنفست منها طهران عقودا من الزمن، فيما دول أخرى حملت ملفات إيران وأزماتها السياسية مع المجتمع الدولي، كما قطر وعمان، وعملت على حلحلة هذه الأزمات، وحققت نجاحات في محطات عدة، أبرزها الاتفاق النووي بين أمريكا وإيران في 2015 بوساطة عمانية، والإفراج عن ودائع مالية إيرانية من قبل أمريكا قدرت بـ 6 مليارات دولار وتبادل سجناء في 2023 بين واشنطن وطهران بوساطة قطرية، إضافة إلى جهود دبلوماسية متعددة قامت بها قطر لإيجاد بيئة تفاوضية وفتح نوافذ حوار بين إيران والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، بهدف إبعاد المنطقة عن الأزمات وترسيخ الأمن والاستقرار فيها، والعمل للحفاظ على مقدرات المنطقة وشعوبها من الضياع في حروب لا طائل منها، لطالما كانت المنطقة ساحة لها، وأحرقت كل ثروات المنطقة، التي هي أولى بالتنمية من الدخول في حروب وصراعات تستنزف هذه الثروات، التي لو صرف «عُشرُها» لكانت المنطقة «جنة» وعاشت شعوبها برفاهية عالية وحياة رغيدة كريمة. إيران باستمرارها للشهر الثاني باستهداف دول الخليج هي تحرق «سفن» العودة لعلاقات مستقرة بينها وبين جوارها العربي. دول الخليج لا تريد الانجرار للوقوع في «فخ» الدخول بالحرب، وهي متماسكة ومحافظة على ذلك، لكن إيران للأسف الشديد بتصرفاتها الرعناء والطائشة واللامسؤولة تدفع نحو توسيع رقعة الصراع، وتحقيق هدف «إسرائيل» بالزج بدول الخليج في هذه الحرب. نريد وقفا فوريا لهذه الاعتداءات العسكرية على الدول الخليجية إذا كانت إيران - حسب التصريحات الشفوية - تريد علاقات حسن جوار مع جيرانها، لكن للأسف نسمع كلاما «منمقا» من إيران، ونرى أفعالا عسكرية تستهدف عواصمنا الخليجية. خلال الأعوام القليلة الماضية تحسنت نوعا ما العلاقات الخليجية الإيرانية، وظهرت حسن نوايا من الجانبين، وكنا نتطلع لبناء المزيد من الجسور، بدلا من هدمها بهذا التصرف الأهوج، الذي يحتاج لسنوات طوال لإعادة بناء الثقة بينها وبين جيرانها. إننا لم نختر الجغرافيا التي نتواجد فيها، ولا يمكن لأي طرف - العرب أو إيران - أن يغيّر الجغرافيا، أو يقصي أحدهما الآخر ويبعده لقارة أخرى، وهو ما يفرض علينا جميعا البحث عن السبل الكفيلة بالتعايش معا في جغرافيا محددة، بحسن الجوار، بعيدا عن التقاتل والصراع. لأكثر من 45 عاما - منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979 - لم تستقر علاقات إيران مع دول الخليج، بعضها وفي فترات معظمها، رغم رسائل إيجابية بادرت بها دول مجلس التعاون الخليجي، ومحاولات لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين في محطات مختلفة، وصل الأمر بدعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لحضور قمة مجلس التعاون الخليجي بالدوحة في 2007، أملا في بناء علاقات قوية، وفتح صفحة جديدة. إلى هذه اللحظة، ونحن بالشهر الثاني من الحرب، وصواريخ إيران ومسيراتها تنهمر على العواصم الخليجية، إلا أن دول الخليج لازالت متمسكة وحريصة على حسن الجوار، فلم تنجر للرد على ذلك، ولازالت تتحلى بضبط النفس، وتدير الأمور بحكمة، وتفكّر بمستقبل المنطقة وشعوبها، على أمل أن تسترجع إيران رشدها، ويفكّر قادتها كذلك بمستقبل المنطقة، وكيفية التعايش بين شعوبها، بعيداً عن الحروب والصراعات والفتن، التي طحنت المنطقة لسنوات، وأدخلتنا في أزمات.
2061
| 02 أبريل 2026