رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استمراراً لمعالجتنا ومناقشتنا لموضوع التأمين الطبي أو الصحي (المشاكل والحلول) الذي تناولنا في مقالنا السابق، في محاولة لتعريف الجمهور والمهتمين بمفهوم هذا النوع من التأمين، نواصل اليوم تسليط الضوء على التأمين الطبي أو الصحي بالدولة، خصوصاً أننا حينما نعود إلى وطننا الحبيب نجد أن المسئولين بالدولة لم يألوا جهداً في توفير المظلة الطبية الكاملة والمثالية لمواطنيها من خلال ذراعها الطبية ألا وهو مستشفى حمد ومراكز خدماته الطبية المنتشرة في أرجاء الدولة مع العمل على دعم مواطنيها في العلاج بخارج الدولة في أي مستشفيات أو مراكز طبية متخصصة في أرجاء المعمورة لو ارتأت الضرورة الطبية ذلك..
والحقيقة، هذا الجهد لا يستطيع أي محايد أن ينكره أو يشكك فيه بل هو جهد ملموس ومقدر من الجميع في المجتمع باختلاف الأعمار، حيث احتلت دولة قطر المرتبة الأولى من بين الدول العشر الأكثر اهتماماً بالصحة حيث يوجد 8 أطباء لكل ألف مواطن مع تراجع معدل الوفيات في البلد متقدماً بذلك على جميع دول العالم مما يعكس مدى اهتمام الدولة بهذا القطاع الحيوي في تقديم الخدمات، بل أن الدولة وسعت من تلك المظلة أيضاً لتغطي إخواننا المقيمين والمشاركين في مجالات النهضة الاقتصادية القطرية في كافة المجالات إضافة بالطبع إلى ما تقوم به المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة من تقديم تلك الخدمات للكثير من المقيمين عن طريق تعاقدات مع أرباب العمل والمسؤولين عنهم قانونياً.
ولكن في الفترة الأخيرة ومع ارتفاع تكلفة الخدمة المضطردة وفقاً لمعايير التضخم المعروفة وللأسباب السابق ذكرها مع الزيادة السكانية المستمرة سواء للمواطنين أو المقيمين فقد ارتأت الدولة والمجلس الأعلى للصحة ضماناً لاستمرارية توفير الخدمة المميزة لمواطنيها في المقام الأول واستفادة من تجارب الدول الشقيقة في هذا المضمار أن تؤسس كما أسلفنا شركة للتأمين الصحي مملوكة للدولة وتعمل على توفير الخدمات الطبية والصحية لمواطنيها في الدرجة الأولى مع تكليف إحدى الشركات الوطنية للتأمين بالقيام بدور شركة إدارة النفقات الطبية (TAP) مستفيدة من شبكة خدمات صحية واسعة تكون مستشفى حمد وأذرعها الطبية أحد مكونات تلك الشبكة إضافة إلى مقدمي الخدمة الطبية الآخرين الممثلين في المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة تشجيعاً للقطاع الخاص الوطني العامل في حقل الخدمات الطبية على أن تبدأ شركة التأمين الصحي بتوفير الخدمة الطبية للمواطنين القطريين وأسرهم وهو ما شرعت به بالفعل ثم تبدأ بدراسة الكيفية اللازمة لمد تلك التغطيات الطبية للمقيمين بالدولة وأسرهم.. وفي الحقيقة إن هذا الدور الذي تقوم به حكومتنا الرشيدة يستحق الإشادة لتمسكها بدورها الاجتماعي ومسئولياتها تجاه مواطنيها والمقيمين على أرضها رغماً عن الكلفة المتزايدة التي تتكبدها ميزانية الدولة لقاء ذلك..
ولكن لو نظرنا إلى الأسواق المجاورة بدول مجلس التعاون الخليجي كدراسة مقارنة نجد أن المملكة العربية السعودية تمثل السوق الأكبر في المنطقة أي حوالي 52,3% من أسواق دول مجلس التعاون وهي الأكثر إنفاقاً على الرعاية الصحية بما يمثل 24,7 بليون دولار، وهو يمثل الانعكاس الطبيعي لعدد السكان والإنفاق الحكومي مع معدل نمو في مصاريف الرعاية الطبية يبلغ 12% ويليها دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تعد السوق الثاني بالمجلس بإجمالي 11,7 بليون دولار في مصاريف الرعاية الطبية أي بما يمثل 17,7% من إجمالي النفقات ممثلة بذلك الشريحة الأعلى من الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية ومع ذلك تعد قطر السوق الأكثر والأسرع نمواً في مجال الرعاية الصحية بما يمثله ذلك من 23% من إجمالي الإنفاق الحكومي ولكن تمثل 2,1% من سوق الرعاية الصحية بدول مجلس التعاون الخليجي، وتأتي البحرين كأقل الدول بالمجلس بما إجماليه 728 مليون دولار أي حوالي 11,4% وترشح قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة للدول الأكثر والأسرع نمواً في مجال الخدمة الصحية حتى 2018 ..
والآن لننظر إلى تجربة سوق التأمين الصحي بدولة الإمارات العربية المتحدة كسوق مرشح مع السوق القطري كالأسرع نمواً في تقديم الخدمة الصحية حتى 2018 وهنا سنجد أن حكومة إمارة أبوظبي أسست هيئة حكومية تسمى هيئة الصحة، وهي تشرف قانوناً على شركة ضمان وهي شركة تأمين صحي مدعمة من الحكومة تعمل جنباً إلى جنب مع أقسام التأمين الصحي بشركات التأمين العاملة بالدولة وأيضاً جميع مقدمي الخدمة الطبية من مستشفيات أو مجمعات أو مراكز طبية لتقديم الخدمة الصحية وبدون احتكار لأي جهة لكون الاحتكار في أي مجال يقتل أي نمو في الخدمة أو إمكانية التطوير..
وقد حددت الحكومة شريحة إجبارية للعاملين الأقل دخلاً باشتراك سنوي أقل ولكن أيضاً بسقف خدمات أقل يتناسب مع معدل الاشتراك تاركة لجميع شركات التأمين التنافس الحر في تقديم الشرائح الأخرى الأعلى سقفاً والأعلى اشتراكاً على أساس الروح التنافسية التي تفرضها روح السوق، ومن ثم فإن دور هيئة التأمين في إمارة أبوظبي تقوم بدور الإشراف والرقابة على شركات التأمين التي تمارس التأمين الطبي مع الشركة ضمان مع شبكة مقدمي الخدمة من مستشفيات ومراكز طبية وبالطبع انعكس ذلك على حجم الاستثمارات التي ضخت في مجال بناء المستشفيات والمراكز الطبية والتي انعكس نمو معدلات التأمين الطبي على معدلات نموها واتساع شبكتها والحقيقة أن تجربة إمارة أبوظبي استفادت من القول المأثور "إن أهل مكة أدرى بشعابها" فتركت الباب مفتوحاً لشركات التأمين بأن تشارك في نمو ذلك القطاع والاستفادة من الخبرات التراكمية التي كونتها تلك الشركات من خلال ممارستها للتأمين الصحي عقوداً كأحد أفرع التأمين الممارسة بنشاطها التأميني المختلفة فروعة.. وبالطبع اطمأنت الهيئة على سلامة العملية التأمينية وبتوفر الكوادر الفنية التأمينية مع سلامة اتفاقيات الإعادة التي تبرمها شركات التأمين في هذا المجال مع معيدي تأمين عالميين تضمن بها سلامة الاكتتاب وحماية حقوق المؤمنين أو المشاركين في العملية التأمينية الصحية.
وفي المملكة العربية السعودية نجد أن التأمين الطبي حقق لشركات التأمين العاملة بالسوق السعودي خسائر فادحة أدت إلى خروج البعض من السوق أو تأثر المراكز المالية لتلك الشركات، مما أدى إلى تدخل ساما أو البنك المركزي السعودي الذي يشرف على صناعة التأمين بالدولة وفرضت تعديلات تشريعية في مجال التأمين الطبي بضرورة وجود خبير إكتواري يتناول وفقاً لمعايير حساباته الإكتوارية كل ما يتعلق بالتسعير ليكون سعر الخدمة متوافقاً مع طبيعة الخدمة المقدمة ولصالح جميع الأطراف وبالتالي بدأت شركات التأمين تصلح من حالة محافظها التأمينية في مجال التأمين الصحي.
وهنا في قطر فإننا نرى أن المجلس الأعلى للصحة أسس شركة التأمين الصحي (صحة) لتقوم بالدور الحكومي الإجباري لتوفير الخدمات الصحية أولاً للشريحة الأولى وهي للمواطنين والمواطنات بالدولة، وقد أتمت الشركة للإنصاف هذة الخطوة منفردة دون دعوة شركات التأمين الوطنية لدعمها والتعاون معها في تنفيذ تلك المظلة وحالياً تقوم بدراسة المرحلة الثانية ألا وهي بسط المظلة الخاصة بتأمين الخدمات الطبية إلى شريحة المقيمين بالدولة وهم حوالي 2,200,000 نسمة على أساس آخر إحصاء للسكان بالدولة وهنا فقط نتساءل هل شركة صحة قادرة على توفير تلك الخدمة منفردة أيضاً لتلك الشريحة الأكبر من مستخدمي الخدمة ؟! أم أن عليها الاستفادة من تجربة إمارة أبوظبي مثلاً بدعوة شركات التأمين الوطنية للمشاركة معها في توفير تلك الخدمة للشريحة الأكبر وهي المقيمون بالدولة مستفيدة من خبراتهم لتوفير الجهد والمال على الدولة ولذلك فإننا نحتاج هنا من المشرع أن ينظر بعين الاهتمام حينما يبدأ في تطبيق المرحلة الثانية من مشروع التأمين الصحي للمقيمين إلى الحقائق الآتية:
1- الاستفادة من الخبرات التراكمية التي تكونت لدى شركات التأمين الوطنية والتي مارست التأمين الصحي عقوداً طويلة كأحد أفرع التأمينات العامة لديها وتكونت لديها محافظ كبيرة وشبكة عملاء بأعداد متنامية وتكونت لديها الخبرة القوية في كيفية التعامل مع هذا الحقل الهام من حقول التأمين الطبي بما في ذلك كوادر فنية متمرسة واتفاقيات إعادة تأمين قوية واتفاقيات طويلة المدى مع شركات إدارة الخدمات الطبية TPA مع علاقات قوية مع جميع مقدمي الخدمة الطبية بالدولة سواءً مستشفيات أو مراكز طبية.
2- ضرورة دعم مستشفى حمد ومراكزها الطبية بأن تكون إحدى أذرع شبكة مقدمي الخدمة على أساس روح السوق التنافسية في طبيعة الخدمة ونوعيتها والتي تتميز بها مستشفى حمد عن الجميع بخبرتها الطويلة التراكمية والأطقم الطبية ذات الخبرة المهنية العالية والمشهود بها على مستوى المراكز الطبية العالمية.
3- أن تبادر الدولة إلى تشجيع الاستثمار في مجال مقدمي الخدمة للحيلولة دون الزيادة التي يشهدها هذا المجال مما أدى إلى أن تكون قطر أعلى من مثيلاتها في قيمة الخدمة المقدمة مما ينعكس سلباً على السوق ولكن بدعم الدولة للمستثمرين الراغبين في المشاركة في حقل مقدمي الخدمة بمنح أراض تُخصص لإنشاء مستشفيات أو مراكز طبية تؤدي إلى زيادة مضطردة في عدد وحجم مقدمي الخدمة مما سيؤدي بالتالي إلى خفض المعدلات المرتفعة التي يفرضها مقدمو الخدمة حالياً مما سيكون في صالح جموع المنتفعين من خدمات التأمين الطبي.
4- دعم الدولة لصناعة الدواء بالسوق المحلي وذلك للتغلب على مشاكل الاستيراد دوماً وما يستتبعه من ارتفاع في التكلفة بزيادة هامش الربح الذي يفرضه المستوردون مما سينمي الصناعة والخدمة وبالطبع متلقي الخدمة في نهاية الأمر.
5- وضع معايير طبية ثابتة تسمى مثلا معايير قطر الطبية تلتزم بها جميع أطراف العملية الطبية سواءً من شركات تأمين أو مقدمي الخدمة أو شركات إدارة الخدمة وبالطبع سيكون ذلك في مصلحة ارتقاء العمل والخدمة الطبية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
6- مراعاة أن جميع أسعار الخدمة أو الأدوية المصاحبة لتلك الخدمة الطبية تتأثر دائماً بمعدلات التضخم والتطورات الاقتصادية المختلفة سواءً ارتفاع أسعار المواد الخام أو ارتفاع مستوى المعيشة، وبالتالي بجب النظر سنوياً في جدول الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة سنوياً على ضوء كل تلك المتغيرات.
وهنا في الحقيقة جدير بنا أن نوضح بجلاء حتى لا يساء فهمنا أو نتهم بأننا في موقع النقد أن هدفنا من هذه السلسلة من المقالات مجرد نشر الوعي التأميني في مجتمعنا وبين جمهورنا الحبيب للتعرف على جميع جوانب صناعة التأمين ونحن هنا في تجربة التأمين الصحي بالدولة لانتعرض لتجربة التأمين الصحي بإيجابياته وسلبياته لكوننا من منطلق الإنصاف ندعو للتريث وتقييم العملية على قاعدة المراجعة والتصحيح ولذلك فمن موقعي كمسئول في شركة تأمين وطنية فإنني أدعو القائمين على المجلس الأعلى للصحة والمسؤولين عن شركة التأمين الصحي (صحة) لمراجعة نتائج المرحلة الأولى والاستماع إلى شركات التأمين الوطنية من باب التشاور وتبادل الآراء لما لهذه الشركات الوطنية من خبرة طويلة تراكمية في مجال تقديم الخدمة الطبية ولها من الكوادر وشبكة العملاء ما يؤهلها لدعم مسيرة شركة التأمين الصحي (صحة).
وإننا نثق أن الدولة والمشرع لا يألوون جهداً في سبيل توفير كل سبل الرفاهية والراحة لمواطنيها بل والمقيمين على أرضها وهي الجهود والحمد لله التي يشهد بها القاصي والداني ولذلك نرى أن الدولة والمشرع يضع دائماً نصب عينية توفير السبل التي يمكن بها تطوير كل الخدمات وطرق الدعم لجميع المواطنين والمقيمين على أرض وطننا الحبيب تحقيقاً لتوجيهات ورؤية صاحب السموً أمير البلاد المفدى وحكومته الرشيدة.
الاتحادات المهنية وأهميتها لمجتمع الأعمال
الاتحادات المهنية الجهة الأكثر فعالية لتأسيس خطوط اتصال بين الحكومة والجهات التنفيذية مع تشكل المجموعات البشرية وتكوينها للجماعات... اقرأ المزيد
5410
| 11 ديسمبر 2019
التأمين الصحي .. المشاكل والحلول
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); المشرع أو من يمثل سلطة التشريع في أي مجتمع يعمل على توفير مظلة... اقرأ المزيد
8467
| 02 أكتوبر 2016
ومــاذا بــعــد؟!!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كانت المقالات السابقة محاولة متواضعة منا لنشر الوعي التأميني بين أفراد المجتمع لخلق... اقرأ المزيد
1327
| 16 أغسطس 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- رئيــس مجموعة الإسلامية القطرية للتأمين
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026