رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يختلف توضيح المقاصد لدى الأشخاص، فبعضهم يتحدث بالتفاصيل، والبعض الآخر يتجه للمختصر المفيد من الكلام، وهنا وجب علينا فهم تلك الشخصيات في حال أردنا التعامل معها، والمهم هنا أن نفهم أنفسنا أولاً، لكي نعرفها للآخرين، يسمَّى ذلك بالهوية الشخصية للأفراد.
ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الأمم، فبعد انفتاح العالم، فهمت الدول الرائدة ثقافيا احتياجاتها، وقدرات أفرادها، تضافرت جهود القيادة مع الشعب ليحقق ذلك انسجاماً، وقبل ذلك كله أن تكون لها هوية ثقافية واضحة، وكلما زاد تمسُّكهما بتلك الهوية، كلما كان المجتمع راسخاً في معتقداته، واضحاً في خطواته.
لطالما اعتبر العالم الإسلامي حصانة للفرد، الذي يعتبر نفسه جزءًا من منظومة كبيرة، أساسها المعتقد الديني المشترك، والإيمان بالخالق، وبالنبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ وعليه فإن اتحاد المسلمين حول العالم يشكل نسيجاً عالمياً مشتركاً بينهم، ويشكل مورداً ثقافياً لأجيالهم القادمة، حيث تعد الحضارة الإسلامية مصدرا لكل المقومات المشتركة بين مجتمعات العالم الإسلامي، وأصبحت النسيج الحقيقي المتفاعل من غرب المحيط الأطلسي، حتى آسيا الشرقية، لها طابعها الواضح في شتى المجالات الثقافية كالعمارة، والفنون، والأدب.
كما قد تألق الخط العربي المندفق عبر العصور من قمم راسخة لأصول اللغة العربية، التي أصبحت شامخة بجمال حروفها، التي لا تشابه في سرد مفاهيمها أي لغة أخرى، فلكل جملة قاعدة، تستند على علم النحو الدال على رونق اللغة، وأصلها النابع من سلامة القرآن الكريم الأبدية.
على الرغم من أن الدول التابعة للعالم الإسلامي كثيرة، إلا أن تعبيرها عن هويتها يختلف من دولة لأخرى، تعتمد في معيار اختلافها، وتحديد مستوى تأصل الهوية بين أفرادها في مواءمة المجتمع نفسه على المسؤولية في نقل الماضي، والقدرة على مواكبة التغيرات الثقافية في الحاضر، ومدى تمكنها من وضع خطط إستراتيجية لمستقبلها الثقافي.
ينطبق معيار عملية رصد الحركة الدائمة للمتغيرات الثقافية على سائر المجتمعات الحديثة، التي تتراكم المعارف بها عبر الزمن لتشكل إرثاً حضارياً، ويأتي دور الأجيال اللاحقة في إنتاج معرفة جديدة تربطها من جديد بذلك الموروث الثقافي، ومع الوقت وأمام ظهور العولمة الثقافية، وتطور أنظمة الاتصالات، وجب العثور على طرق تتكفل بالحفاظ على الموروث الثقافي لتلك المجتمعات، لتحفظ بذلك ما تم رصده يدويا، وأرشفته إلكترونيا من تراثها المادي وغير المادي.
على الرغم من مزايا العولمة الثقافية، إلا أنها قد أدت فعلياً، شئنا أم أبينا إلى تهميش العديد من الأفكار التي طالما حافظت على الموروث الثقافي، وغيرت لفظ العديد من اللهجات، وألغت الكثير من قاموس الكلمات، بالتالي طمست بعض الأنماط الثقافية التي تمثل تراث الأجداد.
هؤلاء الأبناء المغمورون بطفرة الانبهار بعالم آخر، مغاير للحضارة الإسلامية في تعبيره عن تراثه، وهويته، بدأ منذ مطلع القرن العشرين، له مناهجه وتحركاته التي اقتلعت جذور مدن تراثية، لتحولها إلى مدن حديثة الطراز مواكبة لعصر التكنولوجيا، الأمر الذي استدعى تدخل العديد من المجتمعات الإسلامية، وجعلها تعيد النظر في إستراتيجياتها الثقافية، وإضافة العديد من البرامج، والفعاليات التي من شأنها أن توجه أبناءها إلى الموروث الثقافي، واعتبرته إرثاً حضارياً، افتخرت به، ووثقت إنجازاته على جدران أروقتها الثقافية، ومناهج مؤسساتها التعليمية.
خيوط الدانتيل تعني باللغة العربية النسيج، وهو تداخل مجموعتين من الخيوط، يعتبر أطلس، وهو نوع من أنواع النسيج المستخدمة، للحصول على الأقمشة ذات السطح اللامع إبداعاً في حد ذاته، ويتم فصل الخيوط عن بعضها بأبعاد معينة، يكون النسيج في مجمله صورة جميلة تمثل منظرًا خلاباً إضافة لصلابة المحتوى، وذلك للإتقان والدقة اللتين تأسس عليهما العمل في حياكة النسيج.
يمثل عالمنا الإسلامي نسيجاً في حد ذاته، حيث قام المسلمون بحياكة خيوطه مؤسسين حضارة إسلامية سميكة المحتوى، قوية الخيوط، لامعة في رونقها، متألقة على مر الأزمنة والعصور، وقد شكلت إرثاً قد ساهم البعض في الحفاظ عليه، باعتباره أمانة للأجيال القادمة، يهتم النسيج بكل خيط من خيوطه، فلا يعتبر النسيج نسيجا إذا حل به ارتخاء بأحد خيوطه، إذ يؤدي تدافع الارتخاء إلى انفكاك بقية الخيوط، وتهاون وضياع معالم الزخرفة به، ناهيك عن خيبة الأمل في نفس صاحبها الذي قام بحياكتها.
بيد أنه حين يظل متماسكاً خلاباً فهو يمثل الأطلس الخالد بين الأنسجة الأخرى، قد تختلف الأنسجة الأخرى عنه في اللون، وأنواع الخيوط، إلا أن نسيج الحضارة الإسلامية يعتبر تماما كما هو النسيج الأطلس الفاخر السرمدي، قد تم غرزه على أيادٍ علت، ببيارق من ضياء أنار العصور، وبأنامل قد تعالت بأجمل الخطوط.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3942
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026