رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما يكرم "بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة، غدا الثلاثاء، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت في احتفالية ضخمة بمقر المنظمة الدولية بنيويورك، فذلك ينطوي على دلالات بالغة الأهمية تتجاوز الشخص إلى الدولة والوطن والأمة، فضلا عن تجسيد قيمة، ربما تكون جديدة في النظام الدولي تتمثل في الاهتمام بشخصيات تنتمي للعالم الثالث فرضت حضورها على المعادلة الدولية بفعل ما أسهمت به من" قيمة مضافة" على صعيد تكريس القيم الإنسانية العليا،
وستتم في هذا التكريم تسمية الشيخ صباح "قائدا إنسانيا عالميا"، وتتويج دولة الكويت مركزا إنسانيا عالميا، وذلك تقديرا لسجلها الإنساني الحافل بالمؤتمرات والقمم الإنسانية والتنموية التي حشدت الجهود الإقليمية والدولة لدعم الفقراء والمنكوبين في مختلف أنحاء العالم، ولا ينفصل البعد الإنساني في شخصية أمير الكويت عن الأبعاد والأخرى، والتي تشكل المرتكزات التي دفعت به إلى صدارة المشهد الدولي كواحد من الرموز السياسية التي تؤدي دورا إنسانيا يصب في حصيلته في اتجاه يخدم متطلبات الأمن والاستقرار والسلام، وصياغة روح جديدة في منظومة العلاقات الدولية التي أضحت تفتقر إلى هذا النمط القيادي الذي يمنح الأولوية لإطفاء حرائق الأزمات والتصدي لتداعيات الحروب، سواء أكانت أهلية أو بين دول، والوقوف إلى جانب مخرجاتها من اللاجئين الذين يفرون إلى دول الجوار أو النازحين الذين يهربون إلى مناطق يظنونها آمنة بالداخل، ولكنها سرعان ما يطالها القصف والرصاص، فينتقلون إلى أخرى لات صمد طويلا.
ولاشك أن مواقف الشيخ صباح في الأعوام القليلة المنصرمة والتي فتح فيها أبواب بلاده، لاستضافة المؤتمر الدولي للمانحين لإنقاذ الشعب السوري مرتين على مدى عامي 2013 و2014 على التوالي، مما أسفر عن حشد أكثر من 5ر1 مليار دولار وإعلانه تبرع الكويت بمبلغ 500 مليون دولار خلالهما، كانت العامل الأهم في ترشيحه لهذا التكريم الإنساني، بيد أن له رصيدا هائلا، يؤهله باقتدار لتبوؤ هذه المكانة الإنسانية العالمية وهو ما تمكن الإشارة إليه تاليا:
أولا: على الصعيد الوطني: بدت واضحة حيويته وديناميته، منذ أن تم تكليفه بحقيبة الخارجية في عام 1963، فقد شارك في رفع علم الكويت في وسط نيويورك، معلناً انضمام بلاده إلى منظمة الأمم المتحدة وانتهج في حركته الدبلوماسية معادلة تقوم على التوازن والوسطية والتي أثمرت ثمارها في أحلك الظروف، وهو احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في الثاني من أغسطس عام 1990، وكان من أبرز نتائجها حزمة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والقاضي باستخدام القوة لضمان تطبيق قراراته، والتي أعقبها تشكيل تحالف دولي شاركت فيه مصر بفعالية، مكون من أكثر من 32 دولة، أسهم في تحرير الكويت في العام 1991.
وأثبت الشيخ صباح الأحمد على مدى سنوات عمله وزيرا للخارجية جدارته للقب رجل السياسة الكويتية وعميد الدبلوماسيين في العالم، بعد أن نجح في ربط الكويت دبلوماسياً وإستراتيجياً بالعالم الخارجي، من خلال استضافة أكثر من 95 ممثلية، ما بين سفارة وقنصلية ومنظمة دولية وإقليمية، على أراضيها وتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي معها، وحقق في هذا الموقع الكثير من النجاح الدبلوماسي، حيث قطعت الكويت الحديثة شوطا كبيرا في مجال الدبلوماسية الخارجية القائمة على نكران الذات والنظر إلى المصلحة العامة قبل المصلحة المحلية أو الإقليمية، ومن ثم اعتبر بحق أستاذا للسياسة الخارجية.
وعندما تولى منصب رئيس مجلس الوزراء في 13 يوليو 2003، جمع في نهجه الجديد بين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية الاقتصادية في آن واحد، مكرسا جهوده في هذا المنصب، الذي استمر فيه أكثر من ثلاث سنوات، لدفع عملية التنمية الشاملة والإصلاح السياسي والاقتصادي، والرعاية الاجتماعية بمختلف جوانبها لجميع المواطنين.
وعقب مبايعته أميرا للبلاد في 29 من يناير 2006 بدأت الكويت تخطو بثقة وعزم واقتدار إلى الأمام، إلى زمن جديد، لا يعرف التوقف أو الانتظار، على حد تعبير الشيخ صباح، في خطابه أمام مجلس الأمة في ذلك الوقت.
ثانيا: على الصعيد الخليجي: فقد كان- وما زال - حريصا على رفد منظومة مجلس التعاون بكل عناصر القوة والتوحد والتفعيل منذ أن كان وزيرا لخارجية الكويت وأسهم بجهوده واتصالاته وتحركاته النشطة حتى بعد أن تولى منصب رئيس الوزراء ثم تولى إمارة البلاد، في العمل على تجاوز الخلافات والدفع باتجاه القفز على المعوقات والتحديات والتي كانت، وما زالت، ضخمة لترسيخ نجاح المنظومة سياسيا واقتصاديا وعسكريا ودفاعيا، وبناء تكتل خليجي قوي بات يلعب دورا مهما، سواء على صعيد النظام الإقليمي العربي أو المحيط الإقليمي أو على المستوى الدولي، بحكم ما يحظى به من أهمية إستراتيجية شديدة الحيوية لاستقرار المنطقة والعالم، ولعل آخر تجليات ذلك نجاحه، عبر قيادته وساطة هادئة، في وقف الاحتقان في العلاقات الخليجية خلال الأشهر القليلة الماضية، والذي نجم عن خلافات كل من السعودية والإمارات والبحرين مع قطر، الأمر الذي وصل إلى حد سحب سفراء الدول الثلاث من الدوحة ، والتوصل مؤخرا إلى معايير وأسس لإنهاء الخلاف وطي صفحته للأبد ، على نحو يمهد لعودة السفراء إلى العاصمة القطرية في وقت قريب، وفق ما أعلنه الشيخ صباح الخالد، النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي، عقب ترؤسه الاجتماع الذي عقد بجدة لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الست قبل أيام.
وقبل ذلك بسنوات لعب الشيخ صباح دورا في رأب الصدع بالعلاقات السعودية ـ القطرية، والتحرك لوأد الخلاف مع سلطنة عمان بشأن الاتحاد الخليجي وهو ما جعله موضع ثقة كمرجعية في احتواء الأزمات الخليجية.
ثانيا: على الصعيد العربي: عمل الشيخ صباح طوال السنوات المنصرمة على بناء رؤية تهدف إلى تأسيس مفهوم جديد للمواطنة العربية، القائمة على التآخي بين كل الأطياف وعلى أساس أن كل عمل ناجح يقوم على توحد كل المواطنين بكل فئاتهم، سواء في الكويت أو في كل الوطن العربي، وهو من يرى أن في التوحد يكمن استمرار السلام الاجتماعي والازدهار، وأن الحرية والديمقراطية، كما ينادي بهما دائما، هما المتنفس الأمثل للمواطن، لكي يعمل بإخلاص وإيمان صادق لأجل رقي وأمن وطنه ويذود عنه ضد كل معتد.
وفي مارس الماضي استضافت الكويت القمة العربية الخامسة والعشرين وتميزت بأنها واحدة من أنجح القمم العربية بفعل ما بلورته من قرارات وخطوات، عززت مسار العمل العربي المشترك وشكلت اندفاعة باتجاه وضع أسس تطوير النظام الإقليمي العربي، ممثلا في الجامعة العربية بما يجعلها قادرة على تلبية طموحات المواطن العربي وتجاوز الأساليب القديمة في التعاطي مع المشكلات والقضايا العربية.
وفي يناير من العام 2009 استضافت الكويت أول قمة عربية اقتصادية، وضعت الأساس للتعاون العربي في هذا السياق الحيوي والذي تأخر فيه العرب كثيرا وتركوه نهبا لتداعيات الاحتقانات السياسية، وفي نوفمبر من العام الماضي استضافت القمة العربية الإفريقية الثالثة بعد قمة سرت في العام 2010 بعد سنوات من الجمود إثر استضافة القاهرة لأول قمة بين الجانبين في العام 1977.
وفي كل تحركاته العربية يعطي الشيخ صباح الأولوية للمحافظة على الوحدة الوطنية، والمسارعة لمد العون ونبذ العنف، ودعم وضمان استمرار الديمقراطية، والسلام والتآخي، والمصالحة والانحياز للمصالح العليا للأمة ولشعوبها وخياراتها في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، مع المحافظة على مرتكزات الدولة الوطنية، وحماية محددات الأمن القومي العربي والوقوف بقوة ضد التمدد الإرهابي والتطرف الديني.
خامسا: ثمة جهود استثنائية قام - وما زال يقوم بها -على صعيد تقديم العون والمساعدات والإغاثة طالت كل العالم ومثلت مساعدة الشعب السوري صورة ناصعة جديدة في هذا الشأن، متكئا في ذلك على رؤية مؤداها أن المجتمع الدولي يقف أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية وإنسانية وقانونية، تتطلب تضافر الجهود والعمل الدءوب للوصول إلى حل ينهي هذه الكارثة ويحقن دماء شعب بأكمله ويحفظ كيان بلد ونصون فيه الأمن والسلام الدوليين.
كما امتدت المساعدات الكويتية لدول عديدة في إفريقيا وآسيا، وغيرها من قارات العالم، وكان آخرها في القمة العربية الإفريقية الثالثة تقديم ملياري دولار للدول الإفريقية التي تكابد من تداعيات الحروب الأهلية والانقسامات العرقية، فضلا عن نقص في الموارد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
3309
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
3036
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1410
| 13 مايو 2026