رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعلق البعض أمالا على دور أمريكي أكثر نشاطا في المنطقة في مرحلة ما بعد أوباما (والتي بدأ التحضير لها داخل الولايات المتحدة منذ فترة)، على اعتبار أنه إذا كانت الإدارات الديموقراطية يغلب عليها بشكل عام طابع الإحجام والتردد والنزعة الانسحابية، فإن الجمهوريين، الذين يتوقع الكثيرون أنهم سيخلفون أوباما فى البيت الأبيض، لابد وأنهم سيتبعون نهجا أكثر تدخلية، يخرج المنطقة عن جمودها، ويقلق أنظمة الوضع الراهن التي تستثمر في ملف الإرهاب للإبقاء على الدعم الأمريكي الموجه لها.
ولكن على العكس مما يتخيل الكثيرون ليست الإدارة الديموقراطية وحدها هي من يتبنى نموذج الاستقرار، وليست وحدها من ينتهج سياسات الحفاظ على الأوضاع الراهنة، فهناك من الدوائر القريبة من المعسكر الجمهوري، وتحديدا من داخل التيار المحافظ من يؤيدون نهج العزلة، وبدرجة أكبر مما تفعل الإدارة الحالية التي يتهمها البعض بمهادنة الأنظمة المستبدة في المنطقة العربية.
فثمة تيار عريض من المحافظين يرى أن الولايات المتحدة عليها أن تحجم عن التدخل في كافة الصراعات العالمية. فالحفاظ على الهيمنة الأمريكية يستلزم من وجهة نظرهم تدخلاً أقل وليس تدخلاً أكثر في شئون العالم، على اعتبار أن إنفاق المزيد من الأموال واستنزاف المزيد من القوة نادرا ما أسهم في تحقيق المصلحة القومية الأمريكية وإنما على العكس أضر بها في الكثير من الأحيان. وعليه فإن الولايات المتحدة وفقا لهم عليها أن تلتزم استراتيجيات دفاعية في المقام الأول وألا تتورط في المزيد من الصراعات غير المجدية.
من أهم رموز هذا التيار باتريك بوكانان، المسؤول السابق في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، فضلاً عن طيف واسع من السياسيين يطلق عليهم اسم المحافظين التقليديين أو الـ Paleoconservatives. ومن أشهر المحسوبين على هذا التيار أيضا الأكاديمي الشهير "صامويل هانتنجتون، صاحب كتاب صراع الحضارات، والذي سعى لتحديد خطوط التماس بين الحضارات، منعا للانخراط في مشاكلها أو الصراع معها وتركيزا على الشأن الأمريكي الداخلي، ولذا كان من اللافت أن يأتي الكتاب الأخير لهانتنجتون قبل وفاته مباشرة تحت عنوان "من نحن؟".
هذا ويقف المحافظون التقليديون موقف المعارضة والنقد من "الـمحافظين الجدد"، المشهورين في العالم العربي منذ فترة حكم ريجان بنزعتهم التدخلية، والذين يسعون من وجهة نظر ناقديهم إلى بناء إمبراطورية أمريكية عبر شن الحروب والتدخل في شئون الآخرين، في الوقت الذي يحدد المحافظون التقليديون لأنفسهم دورا أقل انفتاحا على العالم يتمثل في الحفاظ على قيم الجمهورية، والتأكد من تحقيق التمازج بين قيم المسيحية والثقافة الأمريكية، من خلال معارضة التعدد الثقافي، حفاظا على التقاليد والشخصية الدينية الأمريكية.
المدهش أن "المحافظين غير الجدد" هؤلاء هم المطورون الأساسيون لنظرية "حروب الجيل الرابع" التي أضحت شهيرة في عالمنا العربي بعد انحسار ربيع الثورات، وقد ابتدعوها بدافع من حرصهم على تحذير الإدارات الأمريكية من مغبة التدخل في شؤون الغير، وبخاصة في الشرق الأوسط، الذي يرون أن معظم الإخفاقات التي حلت بالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة حدثت نتيجة تدخلها في شؤونه، ومن أبرز هذه الإخفاقات من وجهة نظرهم أحداث 11 سبتمبر، ثم الفشل الأمريكي في كل من أفغانستان والعراق، وأخيرا التعثر الأمريكي الواضح في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وبناء عليه فقد جاء تطويرهم لنظرية حروب الجيل الرابع لتأكيد موقفهم غير التدخلي. (ولكن المدهش أن مقتبسي النظرية، من الساسة والإعلاميين العرب، قد أغفلوا هذا السياق، واعتبروا أن نظرية "حروب الجيل الرابع" إنما تم تطويرها لكي تعبر عن الخطط الأمريكية للتدخل في شؤون المنطقة لتفكيك دولها ودفعها إلى حافة الهاوية والفوضى.)
مراجعة مقولات "المحافظين غير الجدد"، تظهر أيضا رفضهم لسياسات فرض الديموقراطية، التي يرون أن الكثير من شعوب الشرق الأوسط غير مؤهلين لممارستها، ومن ثم فإنهم يرون عبث محاولة فرضها عليهم بالقوة كما يؤمن نظراؤهم من المحافظين الجدد، ولكنهم في ذلك الوقت لا يحبذون دعم الأنظمة المستبدة، على اعتبار أن مثل هذه الأنظمة هي التي تدفع الأفراد إلى التمرد والإرهاب، ومن ثم تجعل منهم خطرا يتهدد المصالح الأمريكية عبر العالم.
أما فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل، يدين المحافظين التقليديين موقف نظرائهم من "المحافظين الجدد" الذي يصل في درجة موالاته للدولة العبرية إلى حد اعتبار "تل أبيب" عاصمة للولايات المتحدة وليس لإسرائيل. كما أن كثيرا من هؤلاء المحافظين (غير الجدد) يعتبرون أن الدعم غير المشروط الذي تقدمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة لإسرائيل مسؤول بدرجة كبيرة عن معظم الهجمات "الإرهابية" التي تعرضت لها أمريكا، كما يتحدثون بكل وضوح عن أن المحافظين الجدد إنما يدفعون أمريكا باتجاه الحرب دفاعا عن إسرائيل وليس عن المصالح الأمريكية بالخارج.
وفيما يتعلق بموقف هذا التيار من الإسلام، فإنه يعتبر أن ثمة عقدة تاريخية وتكوينية تحول بينه وبين الانفتاح عليه، فالمحافظون التقليديون يرون أن الإسلام يمتلك كافة مقومات الصراع مع الغرب، وهذا لا يقتصر على النسخة السياسية منه وإنما أيضاً على النسخة الثقافية، فالإسلام الثقافي وفقا لهم لا يبدو متوافقا مع قيم الحضارة الحديثة، ويستحسن أن يظل داخل حدوده، ولا يتمدد داخل الأراضي الأمريكية بأى شكل، وهم يعتبرون أن الثقافة الإسلامية تشكل المعين الذين تغترف منه معظم حركات الاحتجاج السياسي من غير الدول، مثل القاعدة وطالبان وحماس وحزب الله وتنظيم الدولة الإسلامية، وهم يعتبرون أن هذه الحالة من المواجهة لن تتوقف، فطالما أن الشكل الحالي للدولة الحديثة شكل علماني، فسيظل مجال الحركة الأساسي أمام الإسلاميين هو المقاومة غير النظامية والتي ستشكل التهديد الأساسي للغرب والولايات المتحدة في المستقبل.
الشاهد من استعراض خصائص ومقولات تيار المحافظين "غير الجدد" التأكيد على أن التعويل على أمريكا بكافة أطيافها السياسية لا يحمل في طياته حلا من أي نوع لأزمات ومشاكل المنطقة، فقط مبادرات الداخل وحراك الداخل وسياسات الداخل هي ما يمكن أن يحمل أملا للمنطقة للخروج من حالة الانغلاق التي تعيشها. وأيا ما كانت التوجهات السياسية لساكنى البيت الأبيض المقبلين، وسواء كان نهجهم انسحابيا أو تدخليا، فإن هذا شأن يخص الداخل الأمريكي ويستهدف تحقيق المصلحة الأمريكية وليس مصلحة المنطقة العربية والإسلامية بأي حال. مسلمات لا بأس من التذكير بها من حين لآخر.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
150
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
105
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
99
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4704
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4425
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1518
| 13 مايو 2026