رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على قدر ما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الوسيلة والرسالة في نفس الوقت، على قدر ما أصبحنا نشعر بأنها أصبحت أيضاً وسيلة أي رسالة من دون أن تكون رسالة لها بعد أعمق أو أبعد، فلا تتفصل منه المواضيع وتتفرع منه الحلول. بل إن ساء وضع الرسالة من وجهة نظري لأنها أصبحت رسالة اللحظة ورسالة الموقف، وهذا بحد ذاته يحد من البعد في الطرح والامكانية في تطوير الصورة الكاملة ومعالجة الخلل الذي يعاني من عدة ثقوب. فهي ثقافة تخترق الواقع من دون قيود الزمان أو المكان. بل تعتبر ثقافة العابر، ترمي الخبر ويتناوله من يرتبط فيه من كل زاوية ومن كل منظور سواء كان على مستوى البناء أو التذمر. والتذمر يغلب البناء في هذه الحال.
الوضع باختصار تلاحظه من رسالة لحظوية تهيج الموقف. فعلى سبيل المثال ملاحظة هدوء الأجواء بعد كأس العالم، وتلاحظ تذمرات اللحظة لفعالية بلا حضور، أو تقرأ عن معاناة ارتفاع سعر العقار الذي يكون سبباً في اغلاق المشاريع الصغيرة. جميعها رسائل صالحة وسارية ولكنها لا تستجيب للحل السريع الذي يلبي طلب الرسالة اللحظوية بحسب حاجتها في تلك اللحظة من ذاك اليوم ومن تلك المعاناة ومن ذلك الموقف، إنما يتطلب النظر الجذري لحلول بعيدة المدى تساهم في الحد من تلك الإشكاليات التي تأثر في اللحظة التي تربك الفرد على مختلف الأصعدة، سواء اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية وغيرها. فارتباك الفرد ليس لحظوياً بالتأكيد، ولكن معالجة الارتباط يتطلب أكثر من الوسيلة الافتراضية التي تتشعب فيها الرغبات. لذلك، على قدر أهمية الوسيلة الافتراضية اليوم، إلا إني أجدها عاجزة عن فتح باب أبعد من كونها مجلساً اجتماعيا متمرس في الشكوى على الشيء ومتوقع الرد المباشر ولو بشكله الخجول. من هنا من المفترض أن يظهر دور المثقف التخصصي بشكله الفاعل. من المفترض!
الإشكالية لا تكمن في الأدوار، إنما في الوسط الثقافي الشعبوي الذي أصبح له ظهور بارز اليوم بالتزامن مع دور المثقف التخصصي، وهذا تحد بحد ذاته، لأنه يحد من دور التخصصي في نفس الوسيلة التي يسيطر على أدواتها الشعبوي بحسب طريقته في صناعته للرسالة، حيث يصبح التخصصي في هذه الحال مستجيبا ومهيأً للرد على الشعبوي بدلاً من أن يؤدي دوره التخصصي بشكله الواقعي المطلوب بعمق أبعد من الاستجابة لتذمرات اللحظة.
الوسيلة وإن كانت قوة حديثة ومعاصرة للمجتمع، إلا إنها لا تزال أداة تتطلب إلى التدخل الفوقي من ناحية مدى الاسهام في مسيرة التغيير على المستوى التنموي خاصة. فلا تتشكل النخب من منصات افتراضية، ولا ينجح حراك ثقافي من وسيلة واحدة. إنما تظل كل هذه الأساسيات خطى واقعية جادة جداً تلزمها ملفات المصلحة العامة التي تسعى للحد من التذمرات اللحظوية وزيادة التنمية الاجتماعية الفعالة. فالوسيلة الحديثة وإن كانت ذات صدى اجتماعي مسموع، إلا إنها لا تزال تعجز عن طرق جميع أبواب التحسينات من مكان واحد. فوسيلة تويتر على سبيل المثال تعتبر وسيطاً لا يكفي إلا أن يكون جعبة لكل شيء، وغير قادر على أن يصنف كل شيء بأشكاله النظامية التي ينظر لها كخطط استراتيجية مطلوبة. لذلك، لا يزال المجتمع في حاجة للتفاعل الواقعي متضمناً التفاعل النخبوي، والحضور النقدي. ما بين ورقة بحثية تسعى لتقديم التوصيات، وما بين حدث وآخر يشهد الواقع، وحتى ما بين أدوات ومنصات تعبر وتجسد الواقع بكافة صوره الدرامية والنصية والابداعية بصورها المختلفة.
المسألة عمق وليست لحظة. والحاجة للاستجابة خطوة تتبعها معايير. والمعايير تعمق في المجتمع يتبعه حضور المشهد بفاعلية. وحضور المشهد يتطلب توسعا في الفرص وليس احتكاراً له، ومن ثم يتبعه التفاعل ما بين الوسيلة التي أصبحت اليوم الرسالة، وما بين الواقع الذي سيظل دائما أساس تعود له كافة الوسائل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
10140
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1164
| 10 فبراير 2026