رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الركون في اللغة هو الميل أو السكون إلى الشيء بعد القبول والرضا به. لكن بعيداً عن اللغة، نجد أن القرآن ينهى عن فعل الركون إن كان مع الظلم وأهله، أو الكفر وأهله، لكن لا شيء أن تركن إلى جهة ما لا ظلم يصدر عنها أو أعمال كفر، بدليل نبي الله لوط عليه السلام حين شعر بضعفه في مواجهة مطالب الناس في قريته، وهو يحاول الدفاع عن ضيوفه، قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) أي تمنى لو يجد من عنده القوة والبأس والسلطة ليركن إليه، ويستقوي به أمام من يستضعفونه، فرداً كان أم قبيلة أم ما شابه، وهذا يعني أن الركون إلى الحق وأهله، فعل محمود مطلوب، وعلى هذا يمكن قياس الأمور. عودة إلى موضوعنا مدار البحث وهو الركون إلى الظلم وأهله، نجد الآية صريحة في النهي عن ذلك. لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى الظلم والظلمة، والباطل وأهله، بحجة الاستقواء على فعل خير، أو بحثاً عن حماية، أوغير ذلك من معان شبيهة قد تطرأ على البال في هذا السياق.
الباطل بشكل عام قد يكون صاحب سطوة وبأس وقوة، وعنده من المغريات الكثير الكثير تجعل الآخر يتطلع إلى مسألة اللجوء إليه حال ضعفه، أو حالما يشعر بدنو مشكلات وأزمات بالطريق قادمة إليه، فتجده تبعاً لذلك يبحث في مسألة الركون والميل إليه، بعد أن يكون الباطل، أو الظالم قد استخدم وسائل ومؤثرات متنوعة يزين بها أعماله أمام الآخرين، وتجعل المفاهيم في الوقت نفسه تختلط عليهم، وبالتالي لا يجدون بأساً أو حرجاً من اللجوء والركون إليه بحجج وتبريرات هشة واهية.
متى يحدث الركون؟
الركون إلى الظالمين والكافرين عادة لا يحدث إلا في حالات من الضعف والشعور باليأس والإحباط، أو بدافع من نية حسنة يأمل من ورائها صاحب تلكم النية أمراً محموداً، وأحياناً أخرى يقع الركون كنوع من سذاجة أو حماقة في التفكير.
النوع الأول لا يحتاج لكثير شروحات، فاليائس المحبط، أو المهزوم داخلياً عادة يكون ضعيف إيمان ويقين بالله، فتجده لا يتردد من أجل تحقيق مراده وتطلعاته، إلى الركون إلى أي شيطان، وليس ظالماً وفاسداً فحسب. أما الذي تدفعه نياته الطيبة إلى اللجوء وملاطفة الظلمة والفاسدين، أو مداهنتهم ومجاملتهم رغبة في إصلاحهم التدريجي الذي ربما يأتي بخير كثير على الآخرين، فهذا رغم مقصده الطيب الحسن، إلا أن استراتيجيته خطرة غير مقبولة، وقد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، أقلها احتمالية استشعار الظالم أنه صاحب الرأي الأوحد، الذي يتجمع تحت رايته الصالحون قبل الطالحين. أبرز نموذج للنوع الثاني هو نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو يتودد إلى عظماء ووجهاء قريش، رغبة في إسلامهم الذي به ستتعزز قوة الدعوة، او هكذا كانت نيته عليه الصلاة والسلام، حتى وإن كان توجهه الطيب ذاك على حساب التقليل من وقته صلى الله عليه وسلم نحو دعوة الضعفاء والمساكين وأشباههم. ولقد حاول المشركون استدراج النبي الكريم إليهم، وعرضوا عليه الكثير من المغـريات مقابل استجابتهم لدعوته الكريمة. منها كما جاء في تفسير تأويلات أهل السنة للإمام الماتريدي، أنهم أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة ليسلموا، فهمّ أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقاً عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل، إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً وإن صَغُر إلا بإذن الله.
فماذا كان التوجيه الإلهي له؟
يذكر الله هاهنا نعمته على نبيه الكريم، أن حفظه من استدراج الكفار الظلمة له، وجنّبه مغرياتهم المتنوعة في قوله تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). لقد كان النبي الكريم قاب قوسين أو أدنى ان يحقق للكفار مآربهم، رغبة في إسلامهم، لكن الله حفظه وثبّت قلبه، وكشف له سوء نياتهم، فما ركن إليهم أو مال نحوهم بعد ذلك قيد أنملة. ومن هنا يأتي حرص أصحاب الدعوات على حفظ وصون أنفسهم ومن معهم، من خطورة مغريات أهل الظلم والفساد ذات التأثير الفاعل القوي.
الركون يعـني التنازل
يقول صاحب الظلال: «المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق! وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق».
ويضيف صاحب ظلال القرآن: «إن صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعـر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها».
خلاصة الحديث
الظالم بأشكاله المتنوعة، فرداً كان، أم كياناً في أي صورة من الصور، هيئة أم مؤسسة أم منظمة أم اتفاقية أم دولة، ليس محبذاً أن تركن إليه وتميل نحوه، أو ترضى بعمله، وإن كانت نيتك صافية طيبة تأمل منه أمراً محموداً. وسبب ذلك أن مجرد البدء بالركون إليه والميل نحوه، تكون أنت قد بدأت في رحلة التنازلات. لماذا؟ لأنها رحلة لا تتوقف عادة كسهولة البدء بها، خاصة أن ما عند معسكر الظلم من مغريات، وما تميل إليه النفس البشرية من مباهج وزينة الحياة الدنيا، الكثير الكثير، ما يجعل الأمر صعباً وشاقاً. والوقاية خير من العلاج، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِـرْضِه.
السلف الصالح كان أحدهم يتجنب مجرد التفكير في مثل هذه النوعية من الركون، أو الميل نحو هذا أو ذاك من أهل الباطل والظلم والكفر. سفيان الثوري رحمه الله، كان يقول: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله. إنّه يحذر من مجرد الدعاء لظالم، فما بالك بالركون إليه والرضا بعمله؟
قيل بأن أحد الصالحين صلى خلف إمام قرأ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: «هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟!». المسألة كانت واضحة عندهم لا غبار عليها البتة. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3621
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1065
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
738
| 27 أبريل 2026