رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

[email protected] 

مساحة إعلانية

مقالات

180

منى الجهني

معلم اليوم.. ومعلمتي الأولى

07 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في يوم المعلم، اعتاد كثيرون أن يعودوا إلى الوراء، يفتشون في صناديق الذاكرة القديمة عن معلم يستحق الشكر، أو معلمة تركت في حياتهم أثرا لا ينسى. 

هناك الكثير من المهن التي نستطيع أن نحصي بالأرقام إنجازاتها ونستطيع قياس ما حققته. أما مهنة المعلم فلا تتضح نتائجها النهائية اليوم ولا حتى نهاية العام الدراسي ولا تختزلها في التقارير، فقد ترى ثمارها بعد سنوات طويلة لعمق الأثر. الذي يمتد في إنسان تغيرت حياته لأن معلما آمن به، أو موهبة وجدت من يرعاها، أو عقل وثق به فتعلم كيف يسأل ويفكر ويحلم. 

ليست كل المهن متشابهة في أثرها؛ في يوم المعلم يبدو الاحتفاء هذا العام مختلفا في وقت المعرفة صارت أكثر اتساعا، وتغيرت فيه الوسائل التعليمية وتقدم فيه الذكاء الاصطناعي. تظهر قيمة المعلم جليا في قدرته على منح طلابه الثقة التي تساعدهم على مواصلة التعلم دون خوف من الفشل، وتنمية التفكير والتمييز، ويبني في نفوسهم إيمانا بقدراتهم. إنها مهنة تتجاوز حدود الفصل وحتى المدرسة فالأثر الذي يتركه المعلم في تلاميذه يمتد إلى أجيال متعاقبة؛ فما يغرسه فيهم من قيم ووعي ينتقل معهم إلى مجتمعاتهم، ويسهم في تشكيل مستقبلها.

حين يقف المعلم كل يوم أمام طلابه، يرى فيهم ملامح الطبيب، أو العالم، أو مهندس، أو صورة ألمعلم، أو سمات القائد. ومن هنا قد تبدأ حكاية أحدهم.

فبكلمات بسيطة، قد لا يعلم المعلم إلى أين بلغ أثرها، بكلمة تشجيع، أو يمنح طالبا ثقة قد ترافقه سنوات، وتسهم في تشكيل شخصيته ونجاحه؛ فالمعلم ليس بقدر حفظه للمعلومات إنما بقدر ما يحمل من صفات القائد في عملية التعلم، فهو الذي يشجع، ويصنع مساحة آمنة لدى الطلاب، ويقبل الفروق الفردية، ويعلم الطالب ألا يخاف الخطأ، بل أن يحول ذلك إلى خطوة في طريق النجاح. 

حين تنتهي السنوات الدراسية، تبقى في الذاكرة مواقف لا تمحوها السنوات، ووجوه معلمين ومعلمات تركوا فينا أثرا يبقى كالعهد، لا يبليه الزمن ما دامت الحياة. أصبح اليوم من السهل أن نقول للمعلم كلمة شكر في يومه، ونقدم له وردة ولكن التقدير الحقيقي الذي لابد أن يستمر بعد الخامس من أكتوبر، ويتجسد في مكانة تليق بمسؤوليته، وبيئة مهنية تمنحه الوقت والدعم للإبداع، وفرصا للتطوير والتدريب، وثقة بخبرته، وإنصاتا لاحتياجاته. فكما ننتظر منه أن يرعى قدرات طلابه، علينا أن نرعى الظروف التي تعينه على أداء رسالته. 

أما أنا، في يوم المعلم، لا أستطيع أن أتذكر معلمتي الأولى دون أن أتذكركِ يا أمي فكلما عدت إلى بداياتي، وجدتك أمامي، قبل المدرسة والكتب، وقبل أن أمسك القلم، كنتِ معلمتي الأولى. وعلى يديكِ بدأت أفهم الحياة. رحلتِ، وبقيت دروسكِ ترافقني، ويعود إليكِ قلبي بالشكر والدعاء.كنتِ أول صوتٍ علمني الكلام، وأول يدٍ أمسكت يدي، وأول قلبٍ علمني معنى الأمان والحب. منكِ تعلمت الحب، وتعلمت معنى الحياة، وكيف أترك في قلوب الناس أثرًا يشبه الدعاء رحلتِ، وبقيت دروسكِ تسكنني، في كلماتي، وفي قلبي، وفي كل شيء جميلٍ أحاول أن أكونه. في رحلة الحياة وكلما اختبرتنا الأيام تبقى توجيهات وإرشادات الأم ونستوعب ما قالته مرارا اليوم حين كنا صغارا، وكأن كلماتها سبقت العمر لنواصل الطريق بسلام. وحين تربكنا الخيارات، نعود إلى كلماتها؛ التي كأنها سبقتنا إلى الطريق نفسه، لتضيء لنا مواضع الحيرة، وتعيننا على مواصلة المسير. كل هذا وبيني وبينكم.

مساحة إعلانية