رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
علّقت في ندوات ومقابلات، ومقالات في الشرق عن خصوصية العلاقات الاستراتيجية تُعرف "بالعلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أن اعترفت بقيام كيان إسرائيل عام 1948 وخلال حروبها واحتلالها وعدوانها الدائم على الفلسطينيين والنظام العربي لمدة 76 عاماً. وآخره ما نشهده بدعم مطلق لحرب إبادة آلة القتل الصهيونية المسعورة على غزة. وارتكاب جرائم حرب تخرق جميع المواثيق والقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي. بما فيها القتل المتعمد والحصار والتدمير الممنهج للمواطنين الأبرياء بقصف المنازل والمساجد والمستشفيات وقنص الأبرياء وهم يجمعون المساعدات-أزهقت أرواح 40 ألف مدني بريء بين شهيد ومدفون تحت أنقاض منازلهم! والنظام العالمي بين صامت وعاجز ومتواطئ. وقد تحولت غزة إلى مقبرة جماعية وغير قابلة للحياة!
حتى بعد استماع محكمة العدل لمرافعات اتهمت جنوب أفريقيا إسرائيل بارتكاب جرائم حرب إبادة-Genocide)) وانضمت للشكوى لاحقاً ايرلندا وكولومبيا. لكن إسرائيل لم تكترث لذلك، واستمر مسلسل القتل والتدمير الممنهج لستة أشهر. وحظرت بحصار مطبق ادخال المساعدات والمواد الغذائية والماء والمواد الطبية والوقود واستمرت بتدمير المستشفيات وقتل المرضى والجرحى وخاصة مجمع الشفاء-حاصرتها لأسبوعين واكتشاف 300 جثة متحللة داخل المجمع، وخلفت دمارا شاملا في أكبر مجمع طبي في غزة..
خلال ذلك كان التواطؤ واصطفاف إدارة بايدن مع جرائم الصهاينة صادما ومستفزا. بالفيتو وبالإبقاء على الجسر الجوي لشحنات الأسلحة والقنابل الموجهة بزنة 2000 رطل-قصفت بها إسرائيل مناطق سكنية مكتظة بالسكان ما يحدث دماراً هائلاً لمسافة 300 متر من دائرة الانفجار. لم يحدث ذلك منذ حرب فيتنام. ليصحو ضمير بايدن ويبدأ الضغط بعد قتل عمال إغاثة المطبخ المركزي العالمي! بدأ تحول موقف بايدن-بعد ارتفاع حصيلة ضحايا حرب الإبادة ورفع جنوب أفريقيا دعوى اتهام إسرائيل بارتكاب حرب إبادة واستخدام القوة المفرطة والاعتداءات على مقار الأمم المتحدة والأونروا ومنع دخول المساعدات وتفشي المجاعة وخاصة في شمال القطاع.
يبقى المأزق الأكبر لبايدن في استمرار تحدي نتنياهو بشكل مهين لمطالب الرئيس بايدن وقيادات إدارته وخاصة وزيرا خارجيته ودفاعه ومستشار الأمن الوطني ومدير الاستخبارات الذين زاروا المنطقة عدة مرات منذ تفجر الحرب. وبسبب المقاومة عجز الصهاينة عن تحقيق أهدافهم، بهزيمة حماس وتحرير الأسرى وتحييد قطاع غزة عن تهديد أمن إسرائيل ومنصة لشن هجمات على المستوطنات وحتى في عمق الأراضي المحتلة-طالت تل أبيب!
لكن التحول الرئيسي في موقف بايدن والمجتمع الدولي، كان شعور مستشاري بايدن وإدارته أن موقفهم الداعم كليا لعدوان إسرائيل يهدد فرص إعادة انتخاب بايدن لرئاسة ثانية. خاصة مقاطعة الناخبين العرب والمسلمين في الولايات المتأرجحة-خاصة رفض قيادات الجالية العربية والمسلمة اللقاء مع مستشاري حملة الرئيس بايدن في ولاية ميشيغان،-وتصويت 100 ألف ناخب في الانتخابات التمهيدية لحزب بايدن الديمقراطي "عدم الالتزام"-وليس للرئيس بايدن. مطالبين كما يطالب الجناح التقدمي في حزبه في مجلسي النواب والشيوخ-ومنهم أعضاء مجلس الشيوخ البارزين ساندرز وميرفي وفان هولن-وفي مجلس النواب بالإصرار على المطالبة بوقف إرسال السلاح ووقف الحرب فوراً. خاصة بعد تصويت الولايات المتحدة في مجلس الأمن بالامتناع على قرار قدمته مجموعة الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن بوقف الحرب فوراً، وتصويت مجلس حقوق الإنسان كذلك! شكل تخلي بايدن صدمة لنتنياهو-خاصة أن طلب وقف الحرب ليست ضمن صفقة حول الرهائن والمحتجزين! كما ساهمت مطالب الديمقراطيين ومناشدة ولديمقراطيين في حزب بايدن مناشدة زوجته جيل بوقف الحرب.
وكان لمقاطعة قيادات العرب والمسلمين حفل الإفطار يقيمه الرؤساء الأمريكيون في شهر رمضان، احتجاجاً على عدم وقف الحرب ونقل رسالة غاضبة لبايدن والتوعد بعدم التصويت لبايدن. ما سيكون له كلفة كبيرة بسبب ما تظهره استطلاعات الرأي من تقدم ترامب على بايدن في الولايات المتأرجحة الحاسمة للفوز وخاصة ولايات ميشيغان، ويسكنسن ومينيسوتا، ما يهدد فرص فوز بايدن. لذلك أتت مكالمة الرئيس بايدن الخميس الماضي غير مسبوقة وغاضبة محذراً نتنياهو سنحكم على علاقتنا معكم بناء على التزامكم بمطالبنا!
* لكن القشة التي قصمت ظهر البعير، كان قصف الجيش الاحتلال قافلة جمعية المطبخ المركزي العالمي وتدمير ثلاث عربات قتلت 7 متطوعين: 3 بريطانيين وكندي-أمريكي واسترالي وبولندي.. ما فجر حالة غضب واستياء واصطفاف دولي من حلفاء إسرائيل، خاصة الدول التي فقدت مواطنين. وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. عبروا عن غضبهم ووبخوا نتنياهو وطالبوا بتحقيق عاجل وشفاف ودفع تعويضات.
لذلك أتى موقف بايدن غاضباً ومحذراً لنتنياهو: إذا لم تغير موقفه وتتوقف الحرب فوراً وتدخل مساعدات إنسانية وتوقف استهداف المدنيين فإن إدارة بايدن ستغير موقفها تجاه إسرائيل. ولوح بايدن حسب شبكة ان بي سي نيوز بوقف شحنات الأسلحة. كان موقف بايدن صادماً لنتنياهو ومستشاريه، لأنها كانت المرة الأولى التي يصر الرئيس بايدن على وقف الحرب بعد قرار مجلس الأمن الأخير 2728-ودون أن يكون ذلك ضمن اتفاق وقف إطلاق النار ضمن صفقة لتبادل الأسرى والمحتجزين مع حماس. ما شكل تحولاً كبيراً بموقف إدارة بايدن-ودعم موقف الرئيس بايدن القيادات التقدمية في الكونغرس وعلى رأسهم تأكيد السيناتور المخضرم اليهودي ومرشح الرئاسة السابق ساندرز، ما لم تُدخل إسرائيل المساعدات إلى غزة ستتوقف شحنات الأسلحة. وسبقه وصف زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ شومر-أرفع مسؤول يهودي-نتنياهو أنه ضل الطريق، ومطالبته بانتخابات مبكرة وتغيير القيادة والوزيرين المتطرفين بن غفير وسموترتش. رد نتنياهو نحن لسنا جمهورية موز!
تحول موقف بايدن و 40 نائبا ديمقراطيا في الكونغرس رغم تأخره، مرحب به ويُبنى عليه، بشرط ديمومته ووقف عدوان إسرائيل. التي باتت عبئا مكلفا ومحرجا، وليست رصيدا استراتيجيا لأمريكا والغرب!
ألعاب الأطفال الشعبية في العيد
العيد فرحة للصغار والكبار، ولكنه للأطفال أكثر متعة لما يحمله من فرص لاستكشاف البيئة المحيطة وتطوير صداقات جديدة،... اقرأ المزيد
21
| 22 مارس 2026
ملحمة وطنية
منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، وجدت دولة قطر نفسها أمام اختبار تاريخي جديد، اختبار لم... اقرأ المزيد
21
| 22 مارس 2026
الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات
حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة... اقرأ المزيد
27
| 22 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
15480
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
900
| 17 مارس 2026