رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أجادل في قوة شعبية الفريق عبدالفتاح السيسي، لكنني أسمح لنفسي أن أجادل في أنه رجل الضرورة الذي لا بديل عنه لحكم مصر، لأن الضرورة ذاتها تفرض علينا أن نوسع من دائرة التفكير في حل الإشكال الذي نواجهه.
(1)
إذ أرجو أن تلاحظ أنني أناقش الفكرة، ولا أتحدث عن الشخص، فإنني لا أخفى أن في نفسي شيئا من استخدام الوصف الذي تردد في وسائل الإعلام المصري في تزكية الرجل. لأنني لا أستطيع أن أنسى أنني سمعته مع غيري مرارا في وصف الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي ظل يوصف بأنه القائد الضرورة. وقد ظل كذلك طيلة 28 عاما تحول خلالها إلى القائد الكارثة. ذلك أن فكرة القائد المخلِّص الذي يتعلق به حلم الأمة من الخطورة بمكان فضلا عن أنها تنتمي إلى ثقافة أزمنة تجاوزها العصر فضلا عن الفكر السياسي، ذلك لا يلغي فكرة الزعيم التاريخي الذي قد تأتي به الأقدار مصادفة، لكي يفرض نفسه على التاريخ بإنجازاته التي تحوله من حاكم يدير إلى زعيم يقود ويبادر. والأول يتفاعل مع الأحداث في حين أن الثاني يصنع الأحداث.
في التاريخ المصري القديم اقتضت الضرورة أن يصنف الفرعون باعتباره الملك الإله لأنه كان يعد ضابط النهر، على أساس أن ضبط النهر هو بداية كل شيء، عليه يتوقف النماء ويتحقق خصب مصر ويمنها، كما ذكر الدكتور جمال حمدان في كتابه «شخصية مصر». وهو من أفرد في كتابه فصلا عن العلاقة بين البيئة النهرية والطغيان السياسي، وعرض فيه للنظريات التي اعتبرت تلك البيئة أكثر استعدادا للقبول بالطغيان والحكم المطلق. ذلك أن ضبط النهر يصبح مسوغا لضبط الناس والتحكم في مصائرهم.
تغيرت الدنيا في العصور اللاحقة حتى صار «ضبط الناس» موكولا إلى مؤسسات المجتمع. وإن ظل «الملك الإله» يؤدى دوره بمسميات أخرى في الأنظمة الاستبدادية دون غيرها. وانتهى الأمر بتراجع دور الحاكم الضرورة ليحل محله الحاكم الرمز، الذي لا يدير بشخصه ولكن من خلال المؤسسات المحيطة، التي باتت هي الضرورة لإدارة المجتمع واستقراره.
(2)
مسوغات الضرورة المطروحة في الفضاء السياسي المصري تتمثل في ثلاثة عناصر هي: غياب البدائل المؤهلة للرئاسة التي تلقى تأييدا شعبيا ــ الفراغ السياسي المخيم والناشئ عن هشاشة الأحزاب السياسية وانفصالها عن المجتمع ــ الاضطرابات الحاصلة في البلد التي أدت إلى وقف قاطرة التنمية وإشاعة عدم الاستقرار في المجتمع. في هذا السياق يشير أصحاب فكرة الضرورة إلى أن الثورة المصرية كانت انتفاضة شعبية عارمة، ولكنها كانت بغير قيادة أو رأس. حيث توافقت الكتل الجماهيرية العريضة على ضرورة تغيير نظام مبارك وإسقاطه. لكن ذلك التوافق لم يترجم إلى التقاء على قيادة تحظى بالإجماع الشعبي، ولو بصورة نسبية.
هذا الكلام بعضه صحيح يحتاج إلى تعليق، وبعضه يفتقر إلى الدقة وبحاجة إلى تصويب، فيما يخص التعليق فإننى أنبه إلى أننا لا نعرف في خبرة التاريخ أو مراجعه ثورة سريعة نقية أنجزت التحول الديمقراطي بقليل من التكاليف وبكثير من التسامي والتسامح. ومثل هذه الثورة غير موجودة إلا في ميتافيزيقيا السياسة. تماما كما أنه لا توجد ثورة في التاريخ إلا وأعقبتها ثورة مضادة أطلقتها بقايا الأنظمة السابقة عليها، مستفيدين من خبرتهم في الإدارة والقمع ومن عناصر القوة التي كانوا قد حصلوها، والعائدون في هذه الحالة الأخيرة عادة ما يكونون أكثر خطورة وعنفا، لأن الانتقام والدفاع عن المصالح والمصائر يعد محركا أساسيا لها.
إن الفراغ السياسي يعد نتيجة طبيعية تعاني منها الأنظمة التي تعقب سقوط الأنظمة الاستبدادية. لأن تلك الأنظمة في سعيها للانفراد بالسلطة تعمد ليس فقط إلى تدمير البنى السياسية في الحاضر، وإنما إحداث ذلك التدمير في المستقبل أيضا. وسبيلها إلى ذلك هو حرق بدائلها بوسائل القمع والقوة التي تملكها. حتى يشاع أن بعض سلاطين العثمانيين كانوا يقتلون الأطفال الذين يتصورون أو يتوهمون ــ أحيانا من خلال المنجمين ــ بأنهم سيكونون بدائل لهم في المستقبل.
لا غرابة إذن في غياب البدائل، ولا مفاجأة في إدراك الفراغ، كما أن الصراع مفهوم بين القوى السياسية الجديدة والصاعدة، بحكم حداثة العهد بالتجربة والشكوك المتبادلة بين تلك القوى التي طال إقصاؤها فحرمت من خبرة الإدارة وجهلت أساليب العمل المشترك. ولأنها خارجة من ثقافة عقود القمع، فلم تعرف كيف تدير خلافاتها بالحلول السياسية والسلمية.
ما هو في حاجة إلى تصويب وتدقيق هو القول بأن الثورة المصرية لم يكن لها رأس أو قائد. وهذا صحيح إذا تحدثنا عن شخص أو جماعة بذاتها، لكن الأصح أن الثورة كانت لها رءوس عدة وليس رأسا واحدا. وتلك الرءوس هي التي تولت التحريض والحشد ورتبت الإدارة والأمن ومقاومة غارات الشرطة ورتبت الرعاية الصحية ودبرت الأوضاع المعيشية...الخ. حتى أذهب في ذلك إلى أن المجهولين الذين قاموا بكل ذلك كانوا بمثابة حكومة موازية فرضتها الضرورة في الظل واستدعاها الأمر الواقع. وأركان تلك الحكومة جاءوا من المجهول وذهبوا إلى المجهول ولم نر لهم أثرا بعد ذلك. ومن ثم انضموا إلى الصفحات المجهولة والمطموسة من تاريخ الثورة المصرية، التي لا أعرف متى يمكن أن نتعرف على حقائقها.
(3)
حين تواتر الحديث في عهد مبارك عن ترشيح ابنه للرئاسة ترددت مقولة غياب البدائل وتكرر الحديث عن غياب أي مرشح بديل، فيما بدا أنه إشارة ضمنية إلى أن الابن بدوره هو خيار الضرورة. وقتذاك سألني أحد الصحفيين في هذه النقطة فكان ردى أنك حين تطفئ النور فمن الطبيعي أن تنعدم الرؤية، وبدلا من الشكوى في هذه الحالة، فإن الحل الطبيعي والبسيط هو أن تمد يدك لاستعادة الضوء وأن تفتح النوافذ، وحينئذ سترى ما لم تكن تراه. واسمح لنفسي بأن أردد المقولة ذاتها في مناقشة فكرة انعدام البدائل. وأضيف إليها أن الذين يطلقون الفكرة يصوبون أنظارهم نحو شاشات التلفزيون وصفحات الصحف، التي صارت أهم منابر تصنيف النخبة وتوزيع شهادات الجدارة والنجومية السياسية بل والثقافة أيضا. في حين أن الأبصار ذاتها لو اتجهت صوب المجتمع بآفاقه الرحبة وتكويناته المختلفة فسوف يرون مشهدا مختلفا تماما. وعند الحد الأدنى فسوف يكفون عن الحديث عن انعدام البدائل.
فى السبعينيات، كنت في الكويت مع الأستاذ أحمد بهاء الدين إبان رئاسته لمجلة «العربي» وكانت مثارة في القاهرة مسألة تشكيل وزارة جديدة، وكان الرئيس السادات على وشك زيارة الكويت. وقتذاك سمعت الأستاذ بهاء يقول إن بوسعه تشكيل وزارة كاملة من الخبراء المصريين الموجودين في الكويت. وكان رأيه في أن السادات ذاته ليس شخصا استثنائيا. (لاحقا سمعته يقول الكلام ذاته عن مبارك الذي حكم مصر طوال ثلاثين سنة. وكان رأيه أن السادات أكثر ذكاء منه).
ما أريد أن أقوله إن المشكلة ليست في غياب ولكنها في ضيق الدوائر التي لا تسمح برؤية تعدد تلك الخيارات. ثم إن هناك مشكلة أخرى تتعلق بزاوية النظر إلى الحل، وهل تركز على اختيار الفرد الأكثر قبولا، أم أنها تعنى بالفريق والمؤسسة التي يتم التعويل عليها في إدارة المجتمع، ولعلى لا أبالغ إذا قلت إن التعبئة الحاصلة في مصر للانحياز إلى خيار الضرورة ربما كانت موصولة بثقافة البيئة النهرية وفكرة الفرعون ضابط النهر الذي ينهض بدور ضابط المجتمع أيضا (هل لاحظت أنه في الحالتين ضابط؟!) ــ علما بأننا لا نعرف هوية الأطراف التي تغذى تلك الحملة، وتؤجج الحماس الشعبي واسع النطاق لصالح التعلق بالفرد المنقذ والمخلِّص. ناهيك عن أن هناك علامات استفهام كثيرة حول دور أركان نظام مبارك وشبكة المصالح التي ارتبطت به في إذكاء ذلك الحماس من خلال المنابر الإعلامية بوجه أخص.
إن الخيارات تتعدد ومواهب القيادة تبرز حين تفتح الأبواب على مصارعها أمام المجتمع لكى يفرز ممثليه بصورة طبيعية. وهذا الإفراز يتحقق من خلال الانتخابات التشريعية والمحلية والنقابية وغيرها من المكونات التي تخرج من رحم المجتمع ولا تفرض عليه من الطوابق العليا. أما القيادات سابقة التجهيز، التي تهبط على المجتمع في لحظة تاريخية استثنائية، فإنها تمثل مغامرة كبرى، حتى إذا أحيطت بمشاعر الحفاوة الجياشة. وفي بلد كبير كمصر له ظروفه المعقدة التي فرضتها عوامل التاريخ والجغرافيا، فإن المغامرة لا تعد أفضل الوسائل لتأمين المستقبل ولا إحسان قيادة المنطقة.علما بأن التجربة أثبتت أن مصر التي أثبتت أنها أكبر من أى جماعة، تظل أيضا أكبر من أي فرد مهما بلغت قدرته وتعاظمت قوته وتضاعفت شعبيته.
(4)
إننا لا ينبغي أن نتجاهل أو ننسى أن ثورة قامت في مصر عام 2011، وأن الجماهير حين خرجت آنذاك فإنها اقتحمت الحيز العام لأول مرة في تاريخها، وأنها لن تقبل بالعودة إلى الحيز الخاص مرة أخرى. والذين يحاولون تجريح خروج الجماهير يوم 25 يناير بدعوى حصر الشرعية في تظاهرة 30 يونيو وتحولات الثالث من يوليو، هؤلاء يقفون في صف الثورة المضادة في حقيقة الأمر. رغم أننا لا نشك في وطنية بعض الذين خرجوا في هاتين المناسبتين مدفوعين إما برفض حكم الإخوان أو بالرغبة في تصويب مسيرة 25 يناير وليس الانتقاص منها أو الانقضاض عليها.
إن الثورات المضادة مصيرها الفشل طال أجلها أم قصر. فقد صمد آل البوربون عبر ثورتهم المضادة في فرنسا نحو 35 عاما، ظنوا خلالها أن الأمور استقرت لهم فمارسوا تقاليدهم الإقطاعية القديمة كما تجسدت في ديكتاتورية شارل العاشر، إلا أن ثورة عام 1830 بددت ذلك الحلم. كما أن شاه إيران استطاع أن يبقى في السلطة نحو عقدين من الزمان بعد إفشال ثورة محمد مصدق، إلا أن أداءه لم يصمد طويلا، لأنه حينما عاد إلى سابق عهده فإنه وفر وقود الثوة التي انطلقت في عام 1979. واستطاع أوغستو بينوشيه أن يستمر في حكم شيلى لسبع وعشرين سنة بعد انقلابه في عام 1973 على الرئيس المنتخب سلفادور الليندي لكن الممانعة المدنية والسياسية انتصرت في النهاية، ونجحت في خلعه وإنهاء استبداده في عام 1990. واستطاع مجلس قيادة الجيش في بوليفيا القضاء على الحركة الثورية بزعامة فيكتور استنسورو بعد فوزها في الانتخابات عام 1951. لكن لم يمض عام حتى إندلعت الثورة في كل مكان وأطاحت بالمؤسسة العسكرية الحاكمة. ولماذا نذهب بعيدا ونحن نرى الحاصل في سوريا، حين وجدنا أن النظام السوري استطاع أن يبقى في السلطة وأن يتحدى الثورة الشعبية التي اندلعت في عام 2011، مستعينا في ذلك بقوة الإكراه وبفعل التناقضات الإقليمية والدولية، إلا أن ذلك يظل محدود الأجل رغم أنه باهظ التكلفة، لأن المارد الشعبي كان قد خرج من القمقم ولم يعد مستعدا للعودة إليه مرة أحرى.
إنني أفهم أن يعجز بعض العوام عن قراءة الواقع أو التعلم من دروس التاريخ، لكنني استغرب أن يغيب ذلك عن وعى العقلاء والراشدين الذين أراهم يتصدرون المهرجانات والسرادقات المقامة ترويجا لخيار الضرورة، وذلك وجه آخر للأزمة التي نمر بها، يحتاج إلى بحث آخر ومناقشة أكثر تفصيلا.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11652
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3717
| 22 أكتوبر 2026