رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن التاريخ يشهد أن اليمن بلد واحد وقبائل واحدة وعروق واحدة وتاريخهم واحد، وهؤلاء تاريخهم ناصع من اندونيسيا إلى شرق آسيا والهند وشرق افريقيا. واليوم هناك من يريد أن يقزم ويمزق ويمحو التاريخ لهذه الأمة التي يتحدث التاريخ الإسلامي عنهم في الفتوحات حتى وصلوا الأندلس، ومنهم أويس القرني وأبو مسلم الخولاني وغيرهم وهم من أثنى عليهم الرسول والصحابة. وهناك من يريد أن يمسخ هويتهم ودورهم الحضاري ويبث الحقد القبلي والعرقي بينهم ليصبحوا كيانين مشرذمين في وقت يتحد العالم ويصبح كيانات عملاقة.
الوحدة قوة وإن مورس خطأ من القادة، الشعب اليمني موحد ولكن الوحدة التي سعى لها الحكام في البلدين كانت لها أهداف غير صادقة، وتبدأ قصة مفاوضات الوحدة في فترة صراع النفوذ الروسي – الأمريكي في المنطقة. لقد كان طرح وخطط الجبهة القومية إسقاط نظام الإرياني في الشمال وضم هذا الشطر بالقوة وفرض الشيوعية والتمدد إلى كافة المنطقة، وقد استخدم هؤلاء وسائل الدم والقتل وتصدير الإرهاب بإرسال الجماعات المسلحة وقتل وتسميم الآبار والاغتيالات، فقد حاولوا قتل المجلس الجمهوري أثناء الاحتفال وقتلوا محمد علي عثمان عضو المجلس وغيره وكذلك القاضي عبدالله الحجري ونشروا الرعب في المناطق الوسطى وأرادوا وحدة على منهجهم وعقيدتهم، وكان الصراع الأمريكي – الروسي يستعمل الوحدة شماعة لتحقيق الأهداف، ولكن كانت هناك مفاوضات للوحدة كانت كلها جلسات بروتوكولية في طرابلس وفي بلاد أخرى، ولكن بدأت قصة العمل خلال حادثة مهمة وفي فترة سالم ربيع عندما احتجز أمريكي بعدن ولم تكن هناك علاقات بين الدولتين وإنما بعثة الأمم المتحدة، وعندما قام عضو الكونجرس بول فندلي يطلب من حكومته الذهاب لعدن ووافقت الحكومة الأمريكية، وعندها تمت مخاطبة بعثة اليمن الديمقراطية بنيويورك وسافر فندلي وقابل وزير الخارجية ثم الرئيس سالم ربيع وكانت فرحة كبيرة لدى سالم ربيع ووزير الخارجية لهذا الاتصال ووافقوا على إطلاق سراح الأمريكي، وبدأت العلاقات بين الرئيس وفندلي الذي اكتشف أن سالم ربيع يمكن أن يكون حليفا ويرجى التغيير على يديه، ومن هنا بدأت بخطة إخراج الاتحاد السوفييتي وكان سالم ربيع محسوبا على تيار ماو تسي تونج الصيني وبدأت علاقته بعبد الفتاح بالفتور، وهنا بدأ الاتصال بصنعاء بصفتها حليفة الولايات المتحدة بواسطة رجلها الأول أحمد عبده سعيد وزير التخطيط والتنمية آنذاك الذي بدأ مع الحمدي فكرة العمل للوحدة، وكان ذلك بالتنسيق مع السافاك وشاه إيران حليف الحمدي وأحمد عبده سعيد، وبدأت الاتصالات ولكن الحمدي اغتيل نتيجة صراع على السلطة ومؤامرات كان يحيكها على بعض شركائه في الحكم تغدوا به قبل أن يتعشى بهم، ولكن لم يتوقف البرنامج في ذلك الوقت وتمت مواصلة الاتصالات مع الغشمي ولكن عندما اكتشف أتباع الاتحاد السوفييتي من جماعة عبدالفتاح هذه العلاقة التي تستهدفهم هنا قرر الكي جي بي توجيه ضربة بالخلاص من الغشمي عن طريق الشنطة التي حملها مبعوث سالم ربيع وتم خلالها تفجير الغشمي ثم انقلاب تصفية سالم ربيع علي، واستمرت الأمور في فترة علي عبدالله صالح وتوترت العلاقة، وفجأة بدأت الاتصالات باجتماعات في الكويت وهكذا بدأت المرحلة الثانية، وثم بعدها علي ناصر وتحسنت العلاقات، ولكن لم تكن تصل إلى نقطة أو خطوة وبعدها حصلت أحداث 13 يناير وتولى البيض والعطاس وتمت تصفية علي ناصر وعبدالفتاح وصالح مصلح.. إلخ. وبدأت الاتصالات مرة أخرى برعاية غربية.
وأذكر أن هناك ندوة حضرتها أقامتها شركة كنيديان أوكسيندتال وكان رئيس الجلسة جوزيف كوستاينر، رئيس مركز موشي دايان لدراسات الشرق الأوسط، وكان الحديث عن التغيير في الجنوب، وكان حديثه بهذا النص: إن الجنوب ممكن احتواؤه بصناعة واحد "أنور سادات يمني جنوبي" يطرد السوفييت مثل السادات بمصر. إذن نجد أن الموضوع كان صناعة أشخاص بهذا الخصوص ولكن الأمور سارت بطريقة أخرى عندما سقط النظام السوفييتي نفسه وحلفاؤه في أوروبا الشرقية الذي جعل الولايات المتحدة تتخذ قرار بعدم التعامل مع أي نظام كان حليفا ويسير في ركب السوفييت وهو ما جعل علي سالم البيض ومن معه يبحثون عن مخرج، وكانت الوحدة واتفاقياتها، وكان الهدف هو أنهم حزب عقائدي وسوف يحيون نظام علي عبدالله صالح ويستولون على الوضع ويضعون الوحدة وفق منهج حزبهم، ولكن الذي حصل أن شخصية البيض كرجل انزوائي وعصبي وحاد الطبع وليست له خبرة في التعامل مع الناس فكانت سياسته هي هدية لخصومه، وبعدها صار الخلاف وتحالف البيض مع خصومه التاريخيين وأعلن الانفصال من جانب واحد ولم يجد أي تعاطف شعبي وانتهى الانفصال في وقت قصير، ولكن كانت هناك ممارسات خاطئة وهنا بدأ الحزب الاشتراكي ينقسم ويغير من أفكاره الشيوعية الأممية إلى يمين وحزب عرقي مناطقي وخاصة أنه لم يعد يحظى بدعم إقليمي أو دولي إلا الجانب الإيراني الذي يهدف لتحقيق حرب أهلية والوصول إلى منافذ البحر الأحمر وبحر العرب واستخدام المناطق الجنوبية وشمال صعدة كأرض لتصدير الإرهاب وغيره. وللأسف إن استثارة الغوغاء وحاجة الناس وظروفهم ومعاناتهم جعلت هؤلاء يصورون أن المن والسلوى والخير قادم، وهذا لا أساس له من الصحة، وتجربة السنوات في ظل الحكم الاشتراكي دليل على ذلك، كما أن هناك حسابات وتارات ما زالت لم تصفّ بعد.
والحل هو تصحيح الأخطاء والوفاق والحوار في ظل الأخوة والمحبة والنهوض بالبلاد وإيجاد حلول للمشاكل الداخلية وتنمية الموارد والإصلاح الاقتصادي بعد إصلاح الأوضاع الأمنية والاستقرار.
مصالح الصراعات والنفوذ الدولي
تمر المنطقة اليوم بأصعب مراحلها وظروفها ومن ذلك عودة النفوذ الأجنبي في قرارات المنطقة. أصبحت العراق اليوم وهي... اقرأ المزيد
853
| 01 مايو 2017
الربيع والثمرات المرة
يوم قام الربيع كان هناك حماس واندفاع، وكانت وسائل الإعلام تصّور ذلك أن الأمـة قد وصلت إلى ما... اقرأ المزيد
717
| 22 مارس 2017
محنة الأمة والإعلام العربي
أمتنا اليوم تمر بمحنة كبيرة وهي بإذن الله عابرة وليست خالدة لأن التاريخ لا يقف عند مرحلة معينة،... اقرأ المزيد
1096
| 07 مارس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10053
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3474
| 22 أكتوبر 2026