رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

30

د. أحمد المحمدي

متصل الآن

06 نوفمبر 2026 , 12:00ص

بين «متصل الآن» و»لم يرد» قد تنهار صحبة لم تهدمها سنوات الخلاف! لا كلمة جارحة قيلت، ولا إساءة صريحة وقعت؛ كل ما حدث أن رسالة بقيت بلا جواب والمستقبل «متصل الآن» و»لم يرد!!»، فنهض الخيال يكمل الحكاية: رآني فتجاهلني، وأجاب غيري وقدمني للنسيان. وهكذا يعاقب الإنسان صاحبه على نية كتبها بنفسه، ثم قرأها كأنها اعتراف. لقد قربت الشاشات المسافات، لكنها أغرتنا بوهم القدرة على معرفة ما يجري خلفها! 

نرى علامة الاتصال، فنحسب أننا أحطنا بوقت صاحبها وقلبه وظروفه! والحقيقة أن هذه العلامة لا تقول إلا القليل؛ أما التفرغ، والرغبة، والطاقة، والهم الذي يثقل الصدر، فكل ذلك خارج علمنا؛ فقد يكون المرء حاضرا في جهازه، غائبا عن نفسه من التعب.

وأحيانا لا يؤلمنا صمت الحاضر وحده؛ تستيقظ فيه خيبات قديمة، فنسمع في تأخر صديق: أصوات من خذلونا من قبل! عندئذ يحتاج القلب إلى إنصافين: أن يرفق بجرحه، وألا يحمل بريئا تبعة من جرحه، فليس من العدل أن يدخل الناس حياتنا متهمين، ثم نطالبهم كل يوم بإثبات براءتهم من ذنوب لم يرتكبوها قط. وفي الانتظار تنكشف صلتنا بذواتنا؛ فقد نرسل سؤالا يسيرا، وننتظر في جوابه شهادة بأننا محبوبون. فإذا تأخر الرد، لم نقل: تأخر الجواب، بل قلنا في أعماقنا: هانت منزلتنا! ومن هنا يتضاعف الوجع؛ لأننا نحاكم قيمتنا بساعة غيرنا، ونطلب من استجابته أن تمنحنا أمانا لا يكفيه جواب واحد؛ فكل طمأنة تستدعي بعدها طمأنة أخرى. ولهذا يعلمنا الوحي أن نقف عند حدود ما نعلم، قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ». وحسن الظن هنا أدب مع الغيب الذي حجبه الله عنا؛ فلا نجعل شعورنا دليلا، ولا احتمالنا واقعة. ويكفي أن نقول: لا أعرف سبب صمته، حتى نكف عن اختراع سبب ندينه به.

ويعلمنا كذلك حرمة المساحة الخاصة؛ ففي الحديث: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ». ومن أدبه نتعلم أن القرب لا يمنحنا ملكية أوقات الناس؛ فالرسالة طرق للباب، وظهور الاتصال ضوء وراء النافذة، وليس الضوء وعدا بفتحها. ومن أحب إنسانا وسع له في عذره، ورضي أن تكون له حياة لا يدور كل تفصيل فيها حول انتظاره.

على أن للصلة حقوقا أيضا؛ فمن تكرر تأخره، أو تعلق بجوابه حق أو موعد، فسبيل المعالجة سؤال واضح وعتاب رفيق واتفاق يحفظ الطرفين. فالتثبت يحمينا من ظلم الآخرين، والصراحة تحمينا من تراكم الأذى. أما مراقبة ظهورهم واختفائهم فتصنع سجنا يكون صاحبه حارسه وأسيره.

فاللهم ارزقنا قلوبا تتثبت قبل أن تتهم، ونفوسا تحسن الصحبة وتحفظ للناس أعذارهم. فما أكثر العلاقات التي كان يكفي لإنقاذها أن نترك بين الواقعة وتفسيرها مساحة للعدل، وبين حاجتنا إلى الناس وحريتهم مساحة للرحمة.

مساحة إعلانية