رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

126

د. أحمد المحمدي

الخاطر ضيف

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

تعبر القلب في كل لحظة صور وذكريات ومخاوف لم يستدعها الإنسان، وتلك طبيعة النفس التي لا يملك المرء جميع ما يرد عليها، لكنه يملك موقفه مما ورد. وبين حضور الخاطر والاستجابة له مسافة دقيقة تتجلى فيها حريته ومسؤوليته؛ ففيها يختار أن يفحص الفكرة أو يصدقها، وأن يتركها تعبر أو يمنحها مقامًا وسلطانًا.

فالخاطر ضيف لا صاحب دار، وعابر لا مقيم، ودعوى تعرض على القلب وليست حكمًا ملزمًا. والقلب العاقل قاض يفحص ما يرد عليه، فلا يصدق كل دعوى ولا يحارب كل خاطر، بل يزنه بميزان الحق والواقع. فمن الخواطر نذير صادق يدعو إلى مراجعة النفس، ومنها وهم يلبس ثوب اليقين، وخوف يتكلم بلسان الحكمة، ووسواس يقتحم المعنى المستقر فيورث القلق، من غير أن يكون اعتقادًا اختاره الإنسان أو حقيقة قام عليها الدليل.

وتبدأ المشكلة حين يمنح المرء خاطره سلطة لا يستحقها؛ فيكرر النظر فيه، ويجمع له الشواهد، ويفسر الحوادث على ضوئه، حتى يتحول الاحتمال إلى يقين، والتوقع إلى واقع نفسي يعيشه قبل أن يقع. وعندئذ لا يعود الخاطر مرآة تكشف العالم، بل يصير زجاجًا ملونًا يغير صورة كل ما يقع خلفه.

ولهذا فإن قولهم: «تخلص من أفكارك السلبية» تكليف بما لا يستطاع؛ فالخواطر لا تستأذن قبل حضورها، لكنها تستمد بقاءها من الانشغال بها. والصواب ألا يطاردها المرء فيطيل صراعه معها، ولا يستسلم لها فتقوده، وإنما ينظر فيها: فما وافق الحق انتفع به، وما خالفه تركه يمر كما جاء، من غير خوف من عودته ولا بحث مستمر عن معناه.

والتفاؤل المطلق والتشاؤم المطلق سواء في مجاوزة العدل؛ فكلاهما حكم على المستقبل بلا بينة. غير أن الخاطر إذا طال مقامه غيّر العين التي تنظر، لا المنظور وحده؛ فمن أدمن توقع الأسوأ لم ير إلا ما فقد، وغاب عنه التمتع بما بقي، وصار كمن ينظر من ثقب إبرة فيحسب الثقب أفقًا، ثم يظن أن ضيق رؤيته ضيق في الحياة نفسها.

ومن أنفع ما يعيد للبصر اتزانه الشكر؛ لأنه يرد النفس من مطاردة المفقود إلى شهود الموجود، ومن أسر الاحتمال إلى نعمة الحاضر، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. والشكر لا ينكر الألم، ولا يمنع السعي إلى تغيير الواقع، وإنما يمنع الألم من أن يستولي على المشهد كله، ويحفظ للنعمة حقها في زمن المحنة.

وقد يكون الخاطر تذكيرًا بذنب أو تنبيهًا إلى تقصير، فسبيله التوبة والإصلاح، لا احتقار النفس واليأس منها؛ قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». وهنا يتميز اللوم الهادم من الندم البناء: فالأول ينظر إلى النفس ليحطمها، والثاني ينظر إلى الحق ليرجع إليه؛ الأول يسجن الإنسان في ماضيه، والثاني يفتح له باب البداية.

وغاية الأمر أن يتعلم الإنسان حسن استضافة خواطره: فلا يغلق دونها الأبواب، ولا يسلمها مفاتيح البيت. وإنما يستقر القلب بالصلح مع الله، والصدق مع النفس، والرضا بالموجود، والصبر على المفقود؛ لأن من علق سكينته برضا الناس أو المال أو المنصب أو المكانة جعلها عارية تسترد.

فراقب خواطرك دون أن تخافها، وامتحنها دون أن تستغرق فيها، وأحسن الظن بربك، وابدأ من جديد؛ فالخاطر ضيف، وإنما يهلك الإنسان حين يجعله سيد الدار.

 

مساحة إعلانية