رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

42

د. أحمد المحمدي

ما لا تملكه يملكك

02 أكتوبر 2026 , 12:00ص

للأشياء طريقان إلى استلاب القلب: أن تملكها فتتعلق بها حتى تخشى زوالها، أو تغيب عنك فتظل مشغولا بطلبها وانتظارها. وقد يكون الغائب أشد حضورا من الحاضر؛ لأن اليد تنشغل بما تراه، أما القلب فيظل يفتش عما لا يراه، ويعيد السؤال نفسه كأن تكراره يقرّب الجواب.

وأشد ما يستبد بالإنسان ما لم يحدث بعد، حين يحبس نفسه في احتمالاته؛ فالغد الذي لا تملكه واقعا قد يملكك خوفا، ويستنزف حاضرك وأنت تطارد مستقبلا لم يصل. وقد يجلس المرء في بيته آمنا، لكن قلبه يطوف بين أخبار يخشاها، وقرارات ينتظرها، وخسارات يتخيلها، حتى يعيش من الآلام ما لم يفرضه عليه الواقع.

فإذا أثقل التفكير صدرك، فلا تسارع إلى اتهام إيمانك؛ فليس كل اضطراب ضعفا في اليقين. قد تكون تحاول أن تسبق الزمن، وتنتزع من الغيب جوابا قبل أوانه؛ فتحمل في يومك هما لم يأت يومه، وتتجرع في خيالك ألما لم يقع. والإنسان لا يملك أن يمنع كل ما يخافه بكثرة التفكير، لكنه قد يضيّع على نفسه سكينة الحاضر، ويضعف عن العمل الذي بين يديه.

القلق إقامة في الممكن؛ يوزع عمرك الواحد على مصائر كثيرة، ويجعلك تتألم في كل واحد منها، ثم تعود لتجد أن شيئا لم يقع، وأن حاضرك وحده هو الذي مضى. وكلما حاولت إخضاع المجهول بكثرة التفكير، ازددت خضوعا له؛ لأن انشغالك به لا يمنحك قدرة على تغييره، وقد يحجب عنك ما تستطيع فعله الآن.

إن المستقبل موضع تدبير الله، والحاضر موضع تكليف الإنسان. فخذ من يومك حقه: أد واجبك، واستشر من تثق بعقله، واعمل بما تقدر عليه، ثم لا تحمل نفسك مسؤولية ما لم يقع. وإذا ظهرت لك غدا أسباب جديدة، فتعامل معها في وقتها؛ فلكل يوم شأنه، ولكل نازلة ما يناسبها.

وليس التوكل أن ينكشف لك الطريق كله، بل أن تمضي فيما بان لك منه، مطمئنا إلى أن خفاء بقيته عنك لا يعني خروجه عن علم الله وحكمته. فالعبد مأمور بالسعي، وليس مكلفا بامتلاك النتائج؛ يبذل السبب، ويحسن الظن بربه، ويعلم أن تدبير الله أوسع من نظره المحدود.

ولهذا يرد الذكر القلب من فوضى الاحتمال إلى سكينة العبودية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالذكر لا يعدك بغد يوافق مرادك، لكنه يصلك برب الغد؛ ولا يكشف لك ما سيقع، لكنه يوقظ فيك اليقين بأن شيئا لا يقع خارج علم الله، وأن رحمته أقرب من مخاوفك.

خذ بالأسباب، ثم أخرج قلبك من التعلق بالنتائج. فما كتب لك سيأتيك في وقته، وما صرف عنك فلن تستحضره الحيلة. وحين تسلم إلى الله ما لا تملكه، يفقد المجهول سلطانه عليك؛ لأن النجاة ليست في معرفة الغد، بل في الثقة بربه. فامض مطمئن القلب، ودع الغد لرب الغد؛ فما لا تملكه لن يملكك، ما دمت قد سلمته لمن يملك أمرك وأمره. 

مساحة إعلانية