رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استكمالاً لمقالنا السابق في هذه الزاوية - بوصلة - "استضافة قطر لكأس العالم فضحت عنصرية وحملة افتراءات الغرب"- بعد نشر المقال قرأت مقابلة نائب رئيس الوزراء- وزير خارجية دولة قطر سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في صحيفة لوموند الفرنسية، ينتقد نفاق الهجوم على من يقولون "قطر غير مستعدة فكرياً وثقافياً لاستضافة كأس العالم.." هل هذه العنصرية مقبولة في أوروبا في القرن الـ 21"؟ وهذا يؤكد ما أوردته في مقالنا السابق.
نجحت قطر بتحقيق كثير من الإنجازات برغم محدودية قدراتها، متمثلة بقول المتنبي "وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام"- صارت قطر تلعب مع الكبار في شتى المجالات بدبلوماسيتها النشطة بالوساطة وحل النزاعات من أفغانستان إلى الصومال والسودان وتشاد ولبنان واليمن.. وفي جمع الخصوم-أمريكا وطالبان، وأمريكا وإيران حول الملف النووي، كمن يجمع الصيف والشتاء تحت سقف واحد. ما يعزز مكانة قطر الحليف الموثوق في المساعدة في حل ملفات وقضايا مرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليمي وحل النزاعات والتوسط في أزمات من أفغانستان وإيران إلى الصومال وتشاد وغيرها.
كما نجحت قطر بنسج شبكة علاقات إقليمية ودولية وشراكات واستثمارات حول العالم. تستضيف قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وقاعدة عسكرية تركية. ما أكسب قطر كثيراً من المصداقية والتقدير.
كما برزت أهمية دولة قطر في الأشهر الماضية بعد حرب روسيا على أوكرانيا وقطع إمدادات الطاقة والغاز والنفط سواء بفرض عقوبات على روسيا بسبب غزوها أوكرانيا-أو مقاطعة روسيا للدول الأوروبية غير الصديقة التي تقف وتدعم أوكرانيا ضد روسيا.
هددت تداعيات حرب روسيا على أوكرانيا السلبية أمن الطاقة حول العالم، خاصة الدول الصناعية، ما دفع قطر للعب دور مسؤول بطمأنة الغرب حول أمن الطاقة، بعد مطالبات وتقاطر قادة أوروبيين إلى قطر والمنطقة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن بزيارته لجدة، وعقده قمة مع القادة الخليجيين في الصيف الماضي للمساهمة في تعزيز أمن الطاقة، ما أعاد الاهتمام بدور ومكانة ومركزية منطقة الخليج العربي ودول مجلس التعاون الخليجي، في التخفيف من نقص إمدادات الطاقة الذي يثير قلق الدول الصناعية لتأثيره على النمو الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار، خاصة أن دول مجلس التعاون الخليجي تملك أكبر احتياطي نفط وغاز، وغاز مسال. وقد أصبحت قطر الدولة الأولى المصدرة للغاز المسال في العالم، وقد سبق
وتعهد أمير دولة قطر سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بضخ المزيد من الاستثمارات لتطوير حقل الشمال، أكبر حقل غاز في العالم تتشارك به قطر مع إيران، برغم الحاجة لوقت لزيادة إنتاج الغاز المسال لشحنه لأوروبا، ما كان محل تقدير وتصرف مسؤول.
من أدوات قوة قطر الناعمة، مؤسسة قطر للتعليم Qatar Foundation-ذلك الصرح الرائد الذي يحتضن نخبة من الجامعات العالمية، وخاصة الجامعات الأمريكية، بالإضافة إلى جامعة حمد بن خليفة.
كما تتميز دولة قطر بالعمل الخيري والإنساني والمساعدات والقروض الميسرة عن طريق صندوق قطر وتلعب قطر الخيرية إحدى أكبر الهيئات الخيرية الرائدة غير الحكومية وغير الربحية في منطقة الخليج العربي منذ إنشائها عام 1992 مساهمات ودوراً مميزاً في شتى المجالات وتهتم بالتنمية المستدامة، ومحاربة الفقر وإغاثة المنكوبين جراء الحروب والزلازل والجفاف.
احتفلت شبكة الجزيرة مطلع هذا الشهر بالذكرى السادسة والعشرين لانطلاقتها في قطر، وخلال سنوات قصيرة نجحت الجزيرة بإحداث ثورة غير مسبوقة وحركت المياه الراكدة في الإعلام العربي الذي أغلبه رسمي بسقف منخفض وبتأثير محدود. وتطورت شبكة الجزيرة لتتحول لشبكة إعلام فرضت نفسها على خريطة الإعلام العالمي. كما يذهب البعض أن الجزيرة وضعت قطر على الخريطة بتميزها وجرأتها ورفع سقف التغطية والبرامج الحوارية. والأهم الانحياز للشعوب والقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لتتوسع وتظهر على مختلف المنصات التقليدية والرقمية والبودكاست. لهذا كله كسبت الرأي العام العربي، لتصبح القناة والشبكة الإخبارية العربية الأولى والمفضلة لدى المشاهدين العرب وخارج الوطن العربي، في المتابعة والتغطية والتأثير، برغم محاولات الكثيرين منافستها واللحاق بركبها.
وتتصدر الخطوط الجوية القطرية قائمة تصنيف أفضل شركة طيران في العالم لعدة سنوات، وأفضل شركة طيران للمسافات البعيدة ومقصورة رجال الأعمال. وكذلك حصل مطار حمد الدولي على جائزة أفضل مطار في العالم لعدة سنوات!
كما تتبوأ قطر مكانة رفيعة في استضافة بطولات العالم في الرياضة، وهي أول دولة في العالم العربي تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم- وكذلك فازت قطر للمرة الثالثة باستضافة كأس آسيا لكرة القدم لأقل من 23 عاماً لعام 2024، بعد استضافة البطولة في عامي 1988 و2011.
وكما أشرت في مقالي السابق عن فضح استضافة قطر كأس العالم لكرة القدم حملة افتراءات الغرب على قطر. ورغم حملة التشكيك والتهجم والافتراءات والبيئة الصعبة والضاغطة وعدم الاستقرار والصراعات والحروب وعوامل التهديد للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي في منطقة الخليج العربي، أصرت قطر أن تدخل التاريخ لتصبح أول دولة خليجية وعربية وشرق أوسطية ونامية وإسلامية تستضيف أكبر وأهم حدث رياضي عالمي-كأس العالم لكرة القدم 2022- بعد أسبوعين ستكون البطولة محط أنظار مليارات البشر حول العالم.
وهذا يعني أن تصنف قطر-Qatar Branding-سيكون على مرأى وأمام العالم من مشجعين ولاعبين وزوار ومشاهدين.
حصيلة تلك الإنجازات مجتمعة تزيد من تميز ورصيد قوة قطر الناعمة، وترسخ أهميتها ومكانتها، وتؤكد أن الحجم ليس عائقاً ولا سبباً لعدم التميز، وتقدم نموذجاً للدول الصغيرة بأنه يمكن التغلب على الصعاب وتحقيق الأهداف والحلم باللعب مع الكبار في مجالات الطاقة والدبلوماسية النشطة والتعليم وشبكات الأخبار والرياضة، وهذا كله يزيد من نفوذ وحضور قطر على المسرحين الإقليمي والدولي.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
54
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
60
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
33
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2397
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1899
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026