رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للأستاذ المرحوم مصطفى أمين ، الكاتب والصحافي المعروف كتاب صدر في الأربعينات من هذا القرن بعنوان ( أمريكا الضاحكة )، طرح فيه هذا الكاتب الكبير ذكرياته الدراسية في الولايات المتحدة ، ومواقف ووقفات طريفة عاشها أو صادفته أثناء إقامته وقتئذ ، أيام كانت أمريكا في أعز مراحل نموها وازدهارها الاقتصادي ، وبدايات تحولها إلى دولة عظمى فيما بعد بعقود قليلة ، سيما بعد الحرب الكونية الثانية ، وقبل أن تولد إسرائيل بالطريقة إياها !
تذكرت هذا الكتاب بعد المواقف الأمريكية الغريبة قبل سنوات،بعد فوز حماس والحملة عليها لدفع أوروبا والكثير من دول العالم للتضييق عليها لاعتراف باحتلال إسرائيل ،وهى المواقف نفسها التي اتبعت مع السلطة الفلسطينية منذ أكثر من عقدين ولم يحصل هذا السلام، ولم تتغير المواقف الإسرائيلية تجاه استحقاقات السلام الموعود!!.
فكل شيء وفق المنطق الأمريكي ينبغي ويستوجب أن يكرس لخدمة إسرائيل ومكانتها وتفوقها، ويتطلب أن يكون تطرفها تجاه الآخرين تسامحاً.. وغضبها مقبولاً .. وتجاهلها للقرارات الدولية رأياً .. وقتلها للمدنيين الأبرياء دفاعاً عن النفس .. وذرائع الأمن مبدأً أساسياً لا يجوز تجاوزه.. وتمسكها بالقدرات النووية لوحدها ـ دون غيرها ـ مطلوب وهدف لحماية نفسها من الوحوش حولها في هذه الغابة.. فهذا الدعم من الولايات المتحدة ( المادي والفكري والمعنوي ) جعلها تتمادى في غيها ، وفقد الراعي الأمريكي لهذا السلام كل مقومات التأثير والضغط الظاهري لإنجاز تسوية عادلة وشاملة ، فهي الآن وفي المرحلة المقبلة أيضاً سوف تنتهز أية فرصة للمماطلة والتسويف للهروب من الالتزام المحدود قبل وبعد خارطة الطريق ، وسواء فازت حركة فتح أو فازت حركة حماس في الانتخابات القادمة، المهم هو الالتفاف والهروب من السلام الحقيقي الذي يحقق الأمن والسلام لشعوب المنطقة ، والسبب الأساسي لهذه المماطلات هو الدعم الأمريكي الكامل لإسرائيل والوعود الوهمية والتطمينات غير الجادة للفلسطينيين والدول العربية . فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتجاه إسرائيل ( التي يجب أن تنصاع للسلام العادل )، غريبة الأطوار، وتستعصي على التفسير والتحليل .. صحيح أن العلاقة الخاصة مع إسرائيل علاقة فوق الشبهات!! وهذا الأمر محسوم ، وندركه جيدا سواء اعترفت الولايات المتحدة بذلك أم لم تعترف، وهو ما تسميه ضمان أمن إسرائيل! . لكن هل تريد إسرائيل السلام ؟ فإذا كانت مطالب السلام لإسرائيل ضرورية فإن على الولايات المتحدة أن تضع مسار هذا الطلب على خطوط واضحة .. فكيف يستقيم الحل العادل وتستجيب إسرائيل له إذا وضعت الولايات كافة الضمانات والدعم والتأييد وبلا نظرة منصفة ومنطقية في قضايا الحق والعدل والحقوق الإنسانية ( منديل الولايات المتحدة يبتل من البكاء في كل محفل ومؤتمر على هذه الحقوق )!
ماذا نتوقع للعملية السلمية برمتها في المرحلة المقبلة ، وما هو الحل؟ حيث أن الولايات المتحدة أصبحت تستخدم العقوبات الاقتصادية كسلاح يشهر وقت الحاجة تبعاً للخلاف السياسي والأيدلوجي وهو ما حصل مع إيران في الثمانينات من القرن الماضي،ومع ليبيا أيضا في التسعينات، ويستخدم الآن مع الفلسطينيين بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية ، وهو أسلوب سيخلخل موازين كثيرة وسيسهم في إيجاد مفاهيم مغايرة للحقائق وسيبرز كوامن فكرية ونفسية سيئة بفعل المعايير المزدوجة التي لا تخطئها العين وبلورة تمايز ملحوظ في تعاطي الولايات المتحدة على وجه الخصوص مع قضايا سياسية واقتصادية وفكرية أيضاً .
وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تكون صادقة وجادة في مواجهة الإرهاب الحقيقي الذي لا لبس فيه ولا غموض والأدلة لا تحتاج إلى بحث أو تنقيب .. فإن إسرائيل دولة إرهابية بكل المقاييس .. بل إن الإرهاب ذاته ( ونستعيذ بالله من كلمة إرهاب حتى لا نتهم به !! ) صناعة إسرائيلية نشأت بواسطة منظمات إرهابية مثل ( الهاجانا ) و ( اراجون زفاي ليومي ) و ( شتيرن ) وغيرها ، وعاش المجتمع الإسرائيلي كما هي نشأته وحتى اليوم وهو يخطط ويرسم للإرهاب بالقتل والسلب والمصادرة والتعذيب والمذابح الجماعية من " دير ياسين " إلى " قانا " فلماذا تناصر وتساند الولايات المتحدة الإرهاب الإسرائيلي الحقيقي وتضع القوانين واللوائح لمحاربة إرهاب مزعوم لا أدلة دقيقة لوجوده ولا اتفاق دولي حوله ؟!
ولماذا تسمى الولايات المتحدة كفاح اللبنانيين والفلسطينيين لإسرائيل التي تحتل أرضهم وتسلب حقوقهم بالعنف والبطش والتنكيل " بالإرهاب " وهو حق مشروع كفلته القوانين والأعراف والمنظمات الدولية " وفي مقابل ذلك تساند هذا الإرهاب المقابل الذي يواصل قمعه يوميا. وأول هذه القوانين التي فرضته الولايات المتحدة على المختلف معها منذ ما يقرب من عقدين [قانون داماتو] العجيب في طرحه والغريب في ضياغته ،والذي أثار أوروبا أكثر مما أثار الدول التي استهدفت من توقيعه ، لأن هذا القانون ذاته يخالف منطق الاتفاقات الدولية .. فلم يكن في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة أي مصطلح بهذا الاسم والعقوبات الدولية .. ولا يوجد نص مشابه بهذه الصيغة الفجة .. فميثاق الأمم المتحدة المكون من 111 مادة نص على وجوب فض المنازعات بالوسائل السلمية والامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها في العلاقات الدولية .. وجاء أيضاً نص المادة الثانية فقرتها الرابعة من هذا الميثاق ما نصه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة . فهذا هو القانون " داماتو " مخالف لنص الميثاق نفسه ، من حيث التدخل في الاستقلال السياسي للدول بغض النظر عن مخالفته لاتفاقات التجارة الدولية ، لا سيما مع أوروبا . فهل فقدت الولايات المتحدة صوابها ومنطق تعاطيها مع المشكلات والاختلافات السياسية ؟ أم أن الصواب نفسه لم يعد له مبرر في عرفها بعد صعودها المكانة الدولية في غياب المنافس وانغماسها في الحروب هنا وهناك!.
المستقبل ربما يخفي أشياء غير مدركة الآن.. لكن يبدو أن هذا المنطق الذي تود الولايات المتحدة فرضه على العالم بأسره غير قابل للتحقق والتطبيق، لأن العقل الإنساني عجز عن استيعابه، ومن ثم هضمه وتقبله بذلك الطرح الممجوج العصي على الفهم والإدراك.على العقلاء في الولايات المتحدة ، خاصة في ظل إدارة أوباما، الأكثر واقعية وعقلانية، أن يراجعوا سياساتهم الخارجية. ويعملوا على تحكيم النطق على القضايا والمشكلات، بحيث لا يخضع للمعايير المزدوجة، ولا لاختلال الموازين العسكرية. ، فالحرب على العراق واحتلاله بدعوى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل تارة وتارة أخرى لعلاقته بتنظيم القاع، وأحيانا أخرى لإقامة عراق ديمقراطي يكون نموذجا فريدا للمنطقة لكي يحتذى. فهل نجحت هذه التبريرات في الرأي العام الغربي قبل الرأي العام العربي والإسلامي؟ لم تنجح هذه التبريرات بل أن هذه الحرب في العرب جلبت لهم ـ كما قالت رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ـ آلاف الأخطاء وهذه الأخطاء سوف تتبعها آلاف المشكلات التي ستصيب الأبرياء، في فلسطين وفي أفغانستان، وما يجري الآن في العراق، حيث الدماء تسفك يوميا على الهوية والمذهب والانتماء الخ فهذه من الأخطاء القاتلة والأكاذيب التي أطلقت لتبرير هذه الحرب.., فهل نجحت هذه السياسة البراجماتية؟! لم تنجح.. إذن الحل الأمثل هو المعايير العادلة لكل القضايا العالقة والخافتة. إما قضية فلسطين وهى لب القضايا الراهنة، فإن الحل سهل جدا، وإذا أرادت الولايات المتحدة السلام الاستقرار في المنطقة ،تراجع العنف والتوتر، فعليها أن تلزم إسرائيل بتطبيق القرارات الدولية، واستعادة صاحب الحق حقه كاملا ، أما ما عداه من ضغوط وتجويع وتضييق لن تجدي شيئا وان خفتت التوترات فترة من الزمن، فأنها ستعود مرة أخرى أقوى وأعتى وأخطر، ولذلك فلا مفر من التعامل من الحق العادل من المنظور الواقعي العقلاني المتزن، وبه تختفي المشكلات والتوترات والصراعات.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9744
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3459
| 22 أكتوبر 2026