رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كسائر ثورات الربيع العربي بدأت الثورة الشعبية السلمية اليمنية شبابية بامتياز، فلولا اندفاع الشباب اليمني بمختلف اتجاهاتهم مستقلين وحزبيين منذ اليوم التالي لسقوط الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي وخروجهم إلى الشارع ما كان يمكن أن نرى ربيعا ثوريا تغييريا في اليمن، ولأن حسابات القوى السياسية دوما تختلف عن حسابات الشباب ما كان لقوى المعارضة أن تقرر النزول للشارع والانضمام للثورة لولا ضغط شبابها عليها، ولو أن هذه القوى - وتحديدا الإسلامية منها - قررت النزول للشارع ابتداء لربما لم يكن المواطنون سيتجاوبون معها لأن موقفها سيفسر داخليا وخارجيا كما لو أنه رفضا للعملية الديمقراطية القائمة رغم كل النواقص التي ظلت تشوبها طوال السنوات الماضية.. والحال نفسه ينطبق بالطبع على تونس ومصر فالشباب كانوا الأداة الحقيقية لعملية التغيير فيما كانت قوى المعارضة بمختلف اتجاهاتها وفي مقدمتها الإسلاميون بثقلهم الشعبي السند القوي اللاحق لهذه الثورات وسر صمودها ونجاحها في تحقيق نتائجها التي انتهت بتغيير قادة جثموا على صدور شعوبهم لسنوات طويلة بوسائل وأساليب اختلفت من بلد لآخر، وفي اليمن مثلا لم تقرر أحزاب المعارضة النزول للشارع ودعم ثورة الشباب إلا بعد أكثر من شهر من أول انطلاقة لها في 15 يناير 2011م بعد أن أدركت أن نظام صالح لا يريد التجاوب لإنجاز أي إصلاحات حقيقية، وقد كان انضمام المعارضة للثورة الشبابية ضرورة لتجنيب اليمن الفوضى وتنظيم العمل الثوري وتوحيد جهوده وتنسيقها بين مختلف المحافظات.
وفي كل البلدان التي شهدت التغيير ترددت لاحقا نغمة واحدة من مخلفات الأنظمة التي سقطت وهي أن هذه الثورات قد سرقت من الشباب الذين ضحوا وقدموا الشهداء والجرحى والمعاقين فيما حصد الساسة نتائج تضحياتهم وباعوا الثورات من أجل الوصول للسلطة، وقد استخدم هذه اللغة الرئيس السابق علي عبدالله صالح بنفسه واستخدمها المرشح الرئاسي المصري الفريق أحمد شفيق في حملته الانتخابية للجولة الثانية، وذلك بغرض تعميق الاحتقانات التي حدثت في نفوس شباب الثورة المستقل والحزبي نتيجة إدراك بقايا الأنظمة السابقة أن الشباب لديهم قناعة كاملة أن ثوراتهم لم تحقق إلا بعض أهدافها التي كانوا يحلمون بها بسبب أن قوى المعارضة التي تلقفت الثورات وأسهمت فيها وقادت العملية السياسية المصاحبة واللاحقة لها قبلت بالحلول السياسية الجزئية التي أسقطت رؤوس الأنظمة السابقة وأبقت على أجسادها.
وفي اليمن تحديدا لا يمكن الجزم أن معظم الشباب الذي خرج للثورة سواء الحزبيون منهم أو المستقلون قد تأثروا بخطاب رأس النظام السابق أو وسائل إعلامه بخصوص سرقة ثورتهم فهم على هذا الصعيد كانوا ومازالوا أكثر تشددا في الموقف ضده من القوى السياسية التي وقفت مع الثورة وساندتهم وسعت لاحقا لتحقيق أهداف الثورة من خلال التسوية السياسية التي حدثت من خلال المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية تجسيدا لمبدأ سلمية الثورة، وفي الوقت نفسه فإن نسبة ليست قليلة منهم لم تكن راضية كل الرضا عن أداء القوى السياسية التي ساندتهم نتيجة أنهم لم يكونوا راضين عن بعض بنود المبادرة الخليجية كالحصانة وتقاسم الحكم مع المؤتمر الشعبي العام واستمرار مجلس النواب المنتهية ولايته واستمرار العديد من أفراد عائلة الرئيس السابق في مواقعهم القيادية وكانوا يرون أن الثورة تستلزم إنجاز تغيير جذري والاستبعاد لكل الرموز التي كرست الفوضى وأجهضت سيادة القانون ودمرت هيبة الدولة ونشرت ومارست الفساد بكل صوره وأشكاله وحطمت الاقتصاد الوطني.. لكن وكما هو معلوم فإن الشباب بطبيعتهم أقدر على التضحية وأكثر استعدادا لها من أجل تحقيق أهدافهم فيما تكون عادة حسابات القوى السياسية بقياداتها المجربة أكثر حذرا، ولذلك فإن هذه القوى التي ساندت ثورة الشباب قررت المضي في تسوية سلمية تجنب البلاد احتمالات الحرب الأهلية وتحفظ حياة شباب اليمن وتجنبه ويلات الصراعات المسلحة حتى لو كان الثمن (نصف انتصار للثورة) و(نصف هزيمة للنظام السابق) رغم استعداد شباب الثورة لتقديم المزيد من التضحيات من أجل الخلاص النهائي من حكم الرئيس صالح.. وتغلبت وجهة نظر قوى المعارضة التي أصبحت شريكة في حكم البلاد، فانهمكت تماما كما يبدو في العملية السياسية وأهملت إلى حد ما وضع آليات واسعة الأفق شاملة الرؤية بعيدة المدى لاستمرار تواصلها كقوى سياسية مع الشباب الذي خرج للثورة ومازال كثير منهم في ساحات الحرية والتغيير في مختلف المحافظات واستيعاب وجهات نظرهم بمختلف مشاربهم السياسية وتوجهاتهم مستقلين أو حزبيين من أعضائها وبالذات في الفترة الراهنة التي تمضي فيها التحضيرات للحوار الوطني مما أدى إلى حدوث ثغرات دخل منها أنصار النظام السابق لدس السم في العسل والاصطياد في المياه العكرة كما حدث مؤخرا، وعمل فجوة كبيرة بين قادة أحزاب المشترك وشباب الثورة.
وفي تصوري إن تشتت ائتلافات ساحات الحرية والتغيير زادت المشهد تعقيدا وأصبح الحديث عن تمثيل الشباب في مؤتمر الحوار نوعا من استهلاك الوقت والعبث، وقد لاحظنا أن الجهود التي بذلت خلال الفترة الماضية من لجنة التواصل الحكومية المعنية أساسا بالتواصل مع الشباب ولجنة الاتصال الرئاسية التي سعت لمساعدتها لم تصل إلى نتيجة واضحة وأن كل تلك الجهود زادت مساحة الخلافات ولم تحصرها، خاصة مع رغبة حزب صالح مشاركة شبابه في الحوار وهو أمر غير مفهوم إذ إن آراءهم يمكن استيعابها ضمن التمثيل الذي سيحظى به الحزب في مؤتمر الحوار، ولا يعقل في ذات الوقت مساواتهم بالشباب الذي خرج للثورة وقدم الشهداء والجرحى والمعاقين والمعتقلين.. ولذلك سيكون من المجدي والأفضل ألا يتحول موضوع تمثيل الشباب في مؤتمر الحوار الوطني إلى لغم يفجر التحضيرات الجارية لانعقاده، فمهما بذلت من جهود مخلصة وصادقة فسيستحيل تمثيل كل ائتلافات الساحات وهي بالعشرات بل وربما بالمئات سواء في اللجنة التحضيرية التي من المقرر إعلانها خلال الشهر الجاري أو في المؤتمر المقرر انعقاده خلال الشهور الثلاثة القادمة.. وقد يكون من المفيد أكثر أن يعمل شباب الثورة الحزبي والمستقل على السواء على تنظيم ندوات ولقاءات تبدأ على مستوى كل مدينة حتى تنتهي بلقاء جامع على المستوى الوطني تخلص إليه كل الأفكار والتصورات التي تم بلورتها لتخرج برؤية موحدة أو شبه موحدة أو متقاربة تمثل وجهة نظر شباب الثورة اليمنية في مختلف القضايا التي ستطرح على مؤتمر الحوار الوطني كقضايا الجنوب وصعده والدستور بكل تفاصيله التي ستحدد شكل الدولة ونظامها السياسي ومؤسساتها المختلفة وسائر القضايا الوطنية.. وهو خيار ممكن سيوحد كتلة الشباب ويجعل مخرجات الحوار الشبابي ورقة ضغط على القوى السياسية المشاركة في الحوار الوطني، لأن هذه القوى ستتمثل بالتأكيد بشخصيات على وشك أن تغرب شموسها إن لم تكن شموس بعضها قد غربت فعلا ويجري إنعاشها لتخرج مجددا، ومثل هذه الشخصيات التي لا غنى عن تجاربها المثمرة بالتأكيد لا يمكن تركها تنفرد بوضع رؤية لمستقبل لن تعيشه لأن هذا المستقبل هو ملك للجيل الذي خرج ثائرا مضحيا منجزا ما عجزت تلك القوى والشخصيات عن إنجازه طوال العقود الماضية.. فكيف يمكن الجمع بين حكمة وتجارب الكبار وطموحات وآمال جيل الثورة؟ هذا ما يجب أن يتعاون الجميع من أجل الإجابة عليه.
هيكلة الجيش اليمني وضيق خيارات الرافضين..
من الواضح أن الرئيس عبدربه منصور هادي مصمم على تنفيذ المتطلبات التي ينبغي إنجازها خلال الشهور الثلاثة القادمة... اقرأ المزيد
908
| 11 أغسطس 2012
ماذا تريد إيران من اليمن؟!
عقب استعادة وحدة اليمن عام 1990م وتحديدا عقب انتهاء حرب تحرير الكويت 1991م استعادت العلاقات اليمنية الإيرانية وضعها... اقرأ المزيد
3334
| 04 أغسطس 2012
ربيع دمشق يطرق الأبواب!
دخلت الثورة الشعبية السورية مرحلة جديدة حاسمة في مسارها السياسي والمسلح منذ يوم الأربعاء الماضي بالعملية العسكرية التي... اقرأ المزيد
812
| 21 يوليو 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11697
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8682
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026