رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غالبا ما تكون البساتين والحدائق أماكن غنية بالتنوع البيولوجي، بحيث تشكل المساكن الأساسية لعدد كبير من النباتات والحيوانات، وتعمل هذه الأوساط باستقرارها منذ زمن بعيد على جذب عدد كبير من الحيوانات كالطيور والثدييات رغم أن مسكنهم الطبيعي هو الغابة.
وبما أن جزءا من الكائنات الغانية تعيش في الأوساط الحضرية التي توفر لها غذائها اليومي فهي تعتبر أوساط مهمة جدا ويمكن استغلالها في عملية التحسس البيئي للتعرف على الطبيعة. اعتبرت الطبيعة المستحضرة من طرف الإنسان أقل أهمية من الطبيعة التي لم تشهد أي تغيير في مكوناتها وأنها تتميز بعدد قليل من أنواع الكائنات الحية مقارنة بالأخرى. غير أن باحثة إنجليزية تملك بستانا عاديا فيه 700م2، يتكون من مزيج من أنواع من النباتات منهم البرية ذكرت أنها تستقبل في بستانها عددا كبيرا من الحشرات البرية ومنهم 30 % من الفراشات، وهذا ما يؤكد أن هذه الأوسط تستجيب لمتطلبات الكثير من الكائنات الحية.
والسبب الذي يؤدي بالمساحات الخضراء في الأوساط الحضرية أن تكون فقيرة من حيث التنوع البيولوجي هو كونها مغطاة بأحجار أو بطبقة عشبية من نوع واحد وبأشجار منعزلة. تقوم الأشجار بامتصاص بعض الملوثات الغازية كالأوزون، وثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد الأوزون بذلك تصفي الهواء منها. ولما تقوم الأشجار بعملية نتح بخار الماء فهي تساهم بذلك في انخفاض درجة حرارة هواء الجو.
تلعب أيضا الأشجار المغروسة على حواف الطرقات وحول المصانع دورا كبيرا في تصفية الهواء من الملوثات ولكنها لا تعتبر وسيلة لمحاربة التلوث من مصدره.
وقد أكد أريس – 1992 – أن النباتات تساهم بنسبة قليلة في عملية تزويد الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون والأكسجين في المدن، وأن عملية البناء الضوئي في المحيطات تمثل 70 إلى 90 % من منتجي الأكسجين في العالم لذلك لابد من حمايتها من التلوث. وأي نقص ولو طفيف في نسبة أكسجين الهواء قد يسبب ارتفاعا كبيرا في نسبة غاز الكربون وهذا ما يزيد في الاحتباس الحراري الذي يسبب بدوره ارتفاع درجة حرارة الأرض.
وتؤكد دراسات عديدة نفسية واجتماعية أن المساحات الخضراء والزهور والأشجار واتساعها أمام الإنسان لها تأثيرها الإيجابي على نفسيته بل إن هذه المساحات الخضراء تعمل كمخفف صدمات للعاملين والموظفين والجنود والضباط إذ تخفف من حالات التوتر والقلق، وتنشر بينهم روح الاطمئنان.
فما أجمل لمسات الزهور وزقزقة العصافير والبلابل والمفردات الخضراء التي تمنحنا إياها المسطحات الخضراء! فلا يملك المرء إلا أن يذكر الله ويقول سبحان الخلاق العليم، قال الله عز وجل:" انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون".
والمؤمن، أولى الناس بالتأمل في خلق الله وإعطاء الجمال الذي صنعه الله، حق قدره، ونحن بهذه اللغة نتعلم ركائز التوحيد فالله جميل يحب الجمال، فقد زين الأرض ببحار وأنهار وجبال وأشجار وأزهار.. وللزهور في اليابان مكانة خاصة من الاهتمام، فهم ينظرون إلى الفتاة التي لا تجيد فن تنسيق الزهور بأنها جاهلة.. ويرجع تاريخ فن تنسيق الزهور إلى بدء الحضارة الإنسانية، فأول من عرفه قدماء المصريين إذ تبين رسوماتهم المنقوشة على الجدران أنهم كانوا ينسقون الأزهار ويستخدمونها في تزيين منازلهم.. كما برع الإغريق في تنسيق الزهور على الأواني.. وقد أحب الفرس الزهور ونقشوها في سجاجيدهم.. ومازالت إسبانيا تحفل بحدائق الأندلس إلى اليوم ونحن في اليمن أحوج ما نكون إلى الاهتمام بالأزهار والمسطحات الخضراء خاصة مع التزايد في عدد السكان وكثرة وسائل النقل والمواصلات وكثرة المصانع وكذلك التوسع الرأسي والأفقي في الإسكان أصبحت الحاجة ملحة إلى التوسع في المساحات الخضراء وتتضح أهمية المناطق الخضراء أكثر من المدن عنها في الريف حيث الأراضي الزراعية.
وقد أصبح التشجير واستغلال حتى أصغر المساحات في الدوائر الحكومية والجهات الرسمية بمثابة ضرورة وليس ترفاً أو رفاهية حيث أثبتت الدراسات والأبحاث العلمية أن إنتاج الفرد يزيد إذا وجد في مكان فيه خضرة دائمة ومنظر جميل حيث تضفي هذه النباتات إحساسا بالحيوية والانتعاش الدائمين نتيجة للتقليل من الملل الناتج من الخطوط الحادة والثابتة للمباني والجدران.
ولا تقتصر فائدة النباتات سواءً الأشجار أو الشجيرات أو المسطحات الخضراء على التجميل فقط إذ أن لها عدة فوائد كثيرة وهامة جدًا في حياتنا... فالخضرة تؤدي إلى حماية البيئة من التلوث مما يؤثر من الناحية الصحية للمواطنين كذلك فإنها من العوامل المهمة في الحد من تصاعد الغبار وذلك عن طريق تثبيت التربة بجذورها وذلك يساعد أيضاً على الحد من الأمراض الصدرية.
كذلك توفر التظليل.. ومن فوائد الأشجار تقليل الإشعاع الضوئي عن طريق انعكاسات الأشعة على الأوراق مما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ومع انخفاض درجات الحرارة وكذلك انخفاض الإشعاع الشمسي ومنع وصول الرياح وتقليل حركتها يؤدي ذلك إلى رفع الرطوبة الجوية كما أن زراعة الأشجار تؤدي إلى تقليل الضوضاء عن طريق انكسار الصوت وامتصاصه من الأشجار وهذه الضوضاء تسبب ضغطًا عصبيًا على الإنسان وهي ناتجة من ثقل حركة المرور وأنواع المركبات المختلفة والأسنان وسلوكياته، كما أن الأشجار تؤدي إلى زيادة إنتاج الأكسجين عن طريق عملية التمثيل الضوئي حيث تمتص الأشجار ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين وبالتالي يكون الجو صحيًا ونقيًا.
كما أن الأشجار تنظم الهواء داخل المدن حيث أيضا تساعد في تحديد مسارات الرياح عند زراعتها في الاتجاهات التي تهب منها الرياح، وما الحدائق إلاّ رباط قوي بين الإنسان وما يحيط به من عالم يعيش فيه، فالإنسان يشعر بالفطرة بحاجته الشديدة إلى وجود مكان تهدأ فيه نفسه وتطمئن إليه أحاسيسه ووجدانه ويستريح فيه بالتطلع إلى جماله يعوضه الكثير من عناء مشقة العمل.
تعتبر الحدائق العامة والمتنزهات والمساحات الخضراء من أساسيات تخطيط المدن الحديثة والتي تعمل البلديات على إنشائها لتكون مرافق عامة للمدن للنزهة وقضاء أيام الراحة والإجازة للسكان والترفيه عنهم.
جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد
84
| 02 يناير 2026
صوتي في جيب المعطف
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد
171
| 02 يناير 2026
في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟
أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد
27
| 02 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
828
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
579
| 31 ديسمبر 2025