رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأمل القادم.. مع طيور السنونو العربية الثائرة! الجدران العربية الحديدية تتهاوى مع ضربات المعاول الثورية ممارسة الأنظمة تتفوق على تصرفات "حمارة القايلة" الأطفال يتصدرون قائمة شهداء الثورات العربية
"طائر سنونو واحد لا يجلب الصيف" (One swallow does not make a summer)، مثل انجليزى ينطبق على انتفاضات الشوارع العربية التى قد لا تأتى بالديمقراطية المثالية كما نتصورها، لكنها أمل فى أن التغيير قادم مع قدوم طائر السنونو العربى الثائر وان تأخر الصيف.
لقد دخلت المنطقة العربية فى سبات طويل وليل مظلم حالك، لتستيقظ على موجات انتشار الثورات وسقوط بعض الأنظمة الديكتاتورية البالية وترقب البعض الآخر الذى لا يزال يحاول الكثير من رموزها منع وصول المد ومحاربته وذبح كل من يتجرأ على الخروج فى الشارع من الأطفال قبل النساء والرجال ودفنهم فى مقابر جماعية، لقد وصل عدد الأطفال السوريين الذين سقطوا قتلى فى الاحتجاجات التى تشهدها البلاد منذ اندلاعها الى نحو 100 طفل أبرزهم حمزة الخطيب.
(1)
الحكاية مرعبة ومريرة تتفوق على القصص التى كانت تحكى لنا ونحن أطفال عن الجن الأزرق والأشباح والعفاريت (حمارة القايلة)، (ابو رجل مسلوخة)، (وامنا الغولة)، التى تخطف الصغار حتى لا نخرج من المنازل عند حلول الظلام. وعندما كبرنا عرفنا زيف هذه القصص المقيتة لكن لم نتوقع ان تتحول هذا القصص الى حقيقية واقعية وتستبدل شخوص الحكاية (بالشبيحة) وكلاب الأنظمة الديكتاتورية المسعورة! الحكاية تدور حول طفلين قرابة الثالثة عشرة من العمر، مازالت معانى الحياة جميلة فى اعينيهما حتى ذلك اليوم الذى خرجا فيه من بلدة الجيزة تجاه درعا السورية، فى محاولة لفك الحصار عن المدينة وادخال الطعام الى المحاصرين، فاعتقلتهما قوات النظام، واختفيا مدة شهر قبل أن يظهرا فى فيديو اليوتيوب ووسائل الاعلام وهما جثتان هامدتان عليهما آثار تعذيب وحشي، تظهر مدى الألم الذى عاناه هذان الطفلان قبل موتهما؟!
(2)
تصادف ان شاهدت قبل مدة فلكا وثائقيا فى محطة البى بى سى القناة الثالثة البريطانية عن سقوط جدار برلين (The Berlin Wall) الذى انهار قبل (20) سنة، وهو لم يكن فقط مجرد جدار طويل يفصل شطرى برلين الشرقى والغربى والمناطق المحيطة فى ألمانيا الشرقية، بل أشبه بستار حديدى ايديولوجى قسّم العالم لأكثر من أربعين سنة، وكان الافظع هو ان كل من يفكر أن يجتاز الجدار يطلق عليه النار. طول الجدار 155 كيلومترا، ويحيط بالجزء الغربى من برلين بشكل كامل، وقد أقيم عليه 300 برج مراقبة، كما أنشئ تحته نظام من الأنفاق تحت الأرض يتكون من 43 نفقا. كان المشهد الدراماتيكى فى دول شرق أوروبا قبل سقوط الجدار يذكرنا بالمشهد ذاته بعد عشرين سنة فى تونس ومصر واليمن وفى سوريا اليوم، حيث كان يخرج الآلاف من مواطنى ألمانيا الشرقية فى مظاهرات الى الشوارع مطالبين باجراء اصلاحات سياسية. وكان من أهم هذه المظاهرات على الاطلاق تلك التى عرفت بـ"مظاهرات يوم الاثنين" فى مقابل "مظاهرات يوم الجمعة" العربية. كان المتظاهرون يرددون هتاف "نحن الشعب" ويطالبون بالتغيير والاصلاحات والديمقراطية ولا مجيب. الاصلاحات لم تحدث بسبب عدم رغبة النظام فى الدخول فى تغييرات حقيقية وجذرية ربما لأنها تهدد وجوده وسلطته، وظل يمارس التحايل والفهلوة وتقديم الوعود الزائفة وخنق المعارضة وضرب المظاهرات بقوة واستخدام الأسلحة والتصفية الجسدية وزج كل من ينادى بالاصلاحات فى المعتقلات والسجون التى أصبحت تنافس المدارس والمستشفيات وهو ما عجل فى سقوط النظام والأنظمة الشيوعية الديكتاتورية واحداث زلزال سياسى فى أوروبا الشرقية ودول البلطيق ونقلها من جحيم الأنظمة الشمولية الى حضن الممارسة الديمقراطية.
(3)
فى رومانيا كانت المحطة الأخيرة فى سقوط آخر الأنظمة الاستبدادية القمعية فى أوروبا الشرقية حين ظهر الزعيم الرومانى نيكولاى تشاوشيسكو (Nicolae Ceausescu)، الذى بدأ حياته صانع أحذية، محاولا تهدئة الجماهير الغاضبة فى الشوارع عبر التليفزيون رافضاً أن يعترف بأخطاء نظامه، مشيراً الى وجود "قوى محركة خارجية"، كما فعل بن على فى تونس ومبارك فى مصر وصالح فى اليمن والقذافى فى ليبيا والبقية على الطريق. لقد استخدم نظام الدكتاتور العجوز (كان يطلق على نفسه القائد العظيم والملهم ودانوب الفكر والمنار المضىء للانسانية والعبقرى الذى يعرف كل شىء وهو ما يذكرنا بملك ملوك أفريقيا) الشرطة السرية (الشبيحة) ونصف مليون ضابط (الجيش) وملايين المرشدين (المخابرات غير النظامية) لخلق مناخ من الخوف المستمر فى بلاده التى يحكمها بالحديد والنار. لكن الانفجار جاء على غير موعد فى شوارع بوخارست وفى مدن أخرى التى حاول أن تصدها قوات الأمن وقامت الشرطة السرية فى اطلاق النار على المحتجين بلا رحمة بالأسلحة المحرمة دوليا، وشارك الجيش فى قتل المواطنين المحتجين، بالاضافة الى طائرات الهليكوبتر التى تطلق الرصاص على المواطنين، ولكن كل ذلك لم يزدهم الا اصراراً وتصميماً على المطالبة بالتغيير والخلاص من الطاغية لقد دقت ساعة التغيير والزمن لا يعود للوراء.
كل هذا العنف أدى الى اثارة التمرد فى صفوف الجيش بعد رؤية المجازر الدموية التى استباحت دماء الشعب فى الشوارع ورفض بعض كبار الضباط فى الجيش اطاعة الأوامر فى المشاركة فى اعدام الأبرياء.
انتشر التمرد فى معظم الوحدات العسكرية وتحولت القضية الانسانية لكى تصبح عالمية وليست محلية أوروبية حصرا. المثير للسخرية أن تشاوشيسكو كان يخطط ويعد ابنه نيكو ليخلفه وهو ما أدى الى استمرار المظاهرات ودخلت البلاد فى اضرابات شلت الحياة اليومية وتطورت الى احتلال الموظفين للدوائر والمقار الحكومية. وأشار المحللون الى أن الدكتاتور العجوز لم يكن بالامكان خلعه بأسلوب سلمى وانه لولا تلك الثورة الشعبية العارمة لما تم التخلّص منه وأن الفوضى والتخريب الغوغائى المصاحبين لتلك الثورة كانا عرضين جانبيين لم يكن هناك مفر منهما.
(4)
فى الجانب الآخر رضخ النظام الشيوعى فى ألمانيا الشرقية فى 9 نوفمبر 1989 لضغوط مئات الآلاف المتظاهرين المطالبين بالحرية. وعلى الأثر تجمع على نقاط التفتيش الحدودية بين برلين الشرقية وبرلين الغربية الآلاف من أبناء الألمانيتين، وما هى الا ساعات قليلة حتى تسلق المتظاهرون الجدار وتنقلوا، لأول مرة فى حياة الكثيرين من بينهم، بين شطرى العاصمة، بينما كان الجدار يتلقى أولى ضربات المطرقات والمعاول التى ما لبثت أن أسقطته. وفى مقابل جدار برلين الغربى ها هى الجدران العربية الحديدية تتهاوى مع أول ضربة جاءت من المطرقات والمعاول فى تونس. تنهار "كأحجار الدومينو" الحوائط والجدران الفولاذية الديكتاتورية القائمة فى الفكر والعقل قبل القابعة على الأرض، ويشهد على سقوطها كل العرب بلا استثناء فى حيرة وخوف ومشاعر مختلطة ومتضاربة. هذه الجدران فصلت بين الانسان العربى والحرية وشيدت مدعومة بالجيش والعسكر والحرس الوطنى والمخابرات والأجهزة القمعية وأبواق النظام ومؤسساته الأمنية ووسائل الاعلام القبيحة الفاسدة ومشايخ الدين وعلماء السلطان وسدنه المعبد والفساد والاقطاع والمحسوبية. وكلنا أمل اليوم أن يأتى الدفء مع طيور السنونو العربية الثائرة بعد العيش الطويل فى الشتاء والبرد الاستبدادى القارص؟!
فاصلة أخيرة:
أيقظُونى عندما يمتلكُ الشعبُ زِمامَهْ.
عندما ينبسِطُ العدلُ بلا حَدٍّ أمامهْ.
عندما ينطقُ بالحقِ ولا يَخشى المَلامَةْ.
عندما لا يستحى منْ لُبْسِ ثوبِ الاستقامةْ
ويرى كلَ كُنوزِ الأرضِ
لا تَعْدِلُ فى الميزانِ مثقالَ كَرامة.
سوفَ تستيقظُ.. لكنْ
ما الذى يَدعوكَ للنَّومِ الى يومِ القِيامَةْ؟
احمد مطر
Aljaberzoon.blogspot.com
خيمة على حافة العاصفة
ذات ليلة غبراء، دويُّ الرعد يحاصرني، ووميض البرق يلاحقني، يخترق مسامات خيمتي الصغيرة يجتز أواصرها، ويهدد أركانها. تهتز... اقرأ المزيد
24
| 27 مارس 2026
حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر
في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر... اقرأ المزيد
30
| 27 مارس 2026
يا أهل قطر.. «لن تراعوا»
أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين... اقرأ المزيد
30
| 27 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3900
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1686
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1635
| 24 مارس 2026