رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

216

موزا محمد الكواري

نصف الشعور

05 نوفمبر 2026 , 12:00ص

أن تكون الحكاية أكبر من أن تُنسى، وأصغر من أن تُعاش.

هناك مشاعر لا تموت، لكنها تفقد قدرتها على الحياة.

تبقى في مكانٍ ما بين القلب والذاكرة، لا هي ذكرى نستطيع تجاوزها، ولا هي واقع نستطيع الاتكاء عليه. كأنها بابٌ موارب في بيتٍ هجره أصحابه؛ لا يُغلق تمامًا فنرتاح، ولا يُفتح بما يكفي لندخل.

نصف الشعور ليس أن تحب قليلًا، بل أن تحمل في داخلك الكثير، ولا تجد له مكانًا يتّسع.

أن يحدثك أحدهم عن يومه، لكنه لا يخبرك بما يؤرق ليله. أن تعرف نبرة صوته حين يضحك، ولا تعرف ما الذي يجعله حزينًا. أن تكون حاضرًا في تفاصيله الصغيرة، وغائبًا عن القرارات التي تغيّر حياته. أن تعرف عنه ما يكفي لتشتاق، ولا تعرف عنه ما يكفي لتطمئن.

والمفارقة أن هذا النوع من العلاقات لا يمنحك حجةً واضحة للرحيل؛ فليس هناك وداع صريح، ولا خصام أخير، ولا خطأ كبير تستطيع أن تضع إصبعك عليه وتقول: هنا انتهى كل شيء.

هناك فقط أشياء صغيرة تتراكم، حتى يصبح قلبك غريبًا عن المكان الذي كان يظنّه وطنًا.

رسالة لم تأتِ، حديث تأجّل، وعدٌ فقد تاريخه، ومراتٌ كثيرة ابتلعت فيها سؤالًا لأنك لم ترغب في أن تبدو محتاجًا إلى إجابة.

ثم تكتشف أنك لم تعد تنتظر الشخص وحده، بل تنتظر أن تفهم الحكاية التي عشتها معه. تريد تفسيرًا لكل ذلك القرب الذي لم يؤدِّ إلى شيء، ولكل تلك اللحظات التي بدت حقيقية، ثم تركتك وحيدًا أمام واقعٍ لا يشبهها.

ولأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا في المساحات غير المعرّفة، يبدأ باختراع المعاني؛ يضع للغياب أسبابًا، وللصمت أعذارًا، وللتناقض أسماءً أكثر لطفًا من حقيقته. ليس لأنه لا يرى، بل لأنه يخشى أن يكون ما يراه أقل جمالًا مما عاشه.

لكن ماذا لو أن بعض الحكايات لا ينقصها فصل أخير، بل ينقصها اعترافٌ بأننا منحناها معنى أكبر مما استطاعت أن تحتمل؟

وماذا لو أن أكثر ما يؤلمنا ليس أننا لم نحصل على ما أردنا، بل أننا لا نعرف كيف نُصنّف ما حصلنا عليه؟ فلا نستطيع أن نسميه حبًا مكتملًا، ولا نستطيع أن ننكر أثره فينا. لا نملك حق المطالبة، ولا نملك رفاهية اللامبالاة. نقف في المنتصف، نحمل مشاعر لا تعرف أين تذهب.

ولعلّ أصعب النهايات هي تلك التي تحدث داخلنا قبل أن تحدث بيننا وبين الآخرين؛ حين نتوقف عن السؤال، لا لأن الإجابة لم تعد تهمنا، بل لأننا أدركنا أن بعض الإجابات لا تُقال، وإنما تتكرر في التصرفات حتى نفهمها.

عندها لا نكره، ولا نعاتب طويلًا، ولا نحتاج إلى أن نثبت لأحدٍ حجم ما شعرنا به. كل ما يحدث أننا نعيد ترتيب أنفسنا، ونتعلّم أن نضع لكل شعور حجمه الحقيقي، لا الحجم الذي تمنّيناه له.

فليس كل ما لم يكتمل خسارة، أحيانًا يكون درسًا قاسيًا في الفرق بين ما يسكن القلب، وما يستطيع أن يجد له مكانًا في الحياة.

وربما لهذا خُلقت بعض المشاعر لتبقى ناقصة؛ لا لأنها بلا قيمة، بل لأنها تكشف لنا، على نحوٍ موجع، أن القلب يستطيع أن يشعر بأكثر مما يستطيع الواقع أن يمنح.

ويبقى السؤال الذي لا نطرحه إلا حين نتعب من التأويل:

هل كان ينقصنا أن نشعر أكثر، أم أن نتوقف عن محاولة إكمال شعورٍ لم يكن لنا وحدنا؟

مساحة إعلانية