رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

24

موزا محمد الكواري

ما لا يُقاس بثمن

02 نوفمبر 2026 , 12:00ص

ليس كل ما يُقدَّم يمكن أن نضع له ثمناً، وليس كل ما يصل إلينا ندرك قيمته في اللحظة التي نحصل عليه فيها. فثمة أشياء تأتي من أشخاص لا ينتظرون منا شيئاً، يمنحوننا من وقتهم، واهتمامهم، وطاقتهم، وربما من راحتهم الخاصة، دون أن يتركوا في أيدينا فاتورة تستحق السداد.

لكن المفارقة أن هذا النوع من العطاء، على نقائه، قد يكون أكثر أنواع العطاء عرضة للاستهانة.

حين يعتاد الإنسان أن يجد من يسأل عنه، ومن يبادر لأجله، ومن يتذكر تفاصيله الصغيرة، قد تتحول هذه الامتيازات مع الوقت إلى أمور اعتيادية في نظره. لا يعود يراها فضلاً، بل يتعامل معها وكأنها جزء من حقوقه المكتسبة. وهنا تبدأ المشكلة؛ فنحن أحياناً لا نقلل من قيمة العطاء لأنه قليل، بل لأننا اعتدنا وجوده.

ثمة أشخاص لا يجيدون حساب ما يقدمونه، ولا يتقنون لغة المطالبة بالمقابل، لا يضعون المعروف في ميزان المصالح، ولا يربطون حضورهم بمدى ما سيحصلون عليه. يمنحون لأنهم يؤمنون بأن الإنسان لا ينبغي أن يكون بخيلاً في مشاعره، وأن بعض المواقف تستحق أن نكون فيها أكثر سخاءً مما تقتضيه الحسابات.

غير أن العطاء بلا مقابل لا يعني أن صاحبه بلا احتياج، ولا أن قلبه لا يتعب، ولا أن صمته دليل على عدم شعوره. فحتى أكثر الناس سخاءً يحتاجون إلى أن يشعروا بأن ما يقدمونه مرئي، وأن حضورهم ليس أمراً مضموناً، وأن غيابهم سيترك فراغاً لا يستطيع الآخرون ملأه بسهولة.

ولعل أكثر ما يؤلم في العلاقات الإنسانية أن يتحول الشخص المعطاء إلى شخص متاح، وأن يُساء فهم طيبته باعتبارها ضعفاً، وأن يصبح حرصه على الآخرين سبباً في تأجيل احتياجاته الخاصة.

لا أحد مطالب بأن يرد الجميل بالجميل نفسه، فالعلاقات ليست عقوداً تجارية، لكن الحد الأدنى من التقدير لا يحتاج إلى اتفاق، والامتنان لا يحتاج إلى مناسبة، ومراعاة مشاعر من يمنحك من قلبه ليست ديناً تسدده، بل خُلقاً يعكس إنسانيتك.

تذكّر أن بعض الأشخاص لا يخسرون حين يتوقفون عن العطاء، بل يكتشفون متأخرين أنهم كانوا يمنحون في أماكن لم تتعلم كيف تحافظ على ما يُمنح لها.

فلا تستهِن بمن يعطيك دون أن يطلب، ولا تظن أن غياب المقابل يعني غياب القيمة؛ فبعض النعم لا نعرف حجمها إلا حين تتوقف عن الوصول إلينا.

مساحة إعلانية