رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

300

موزا محمد الكواري

شيءٌ مني عاد حين رأيتك

13 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم أكن أعلم أن للقاءات قدرةً على إيقاظ ما نظن أنه انطفأ فينا، وأن بعض الوجوه حين تعود إلى المشهد، تعيد معها أشياء لم نكن نعرف أننا فقدناها. حتى التقيتك، فعرفت أن الإنسان قد يمضي أيامه كاملةً وهو حيّ، لكنه لا يشعر بالحياة كما ينبغي.

شيءٌ مني عاد حين رأيتك؛ شيء لم أستطع تسميته، لكنه كان مألوفًا إلى حدٍّ جعلني أشعر بأنني أستعيد نفسي بعد غياب طويل. لم يتغير المكان، ولم تتبدل ملامح العالم من حولي، لكن شيئًا في داخلي تحرّك، كأن قلبي الذي اعتاد الصمت تذكّر فجأةً أن له لغةً أخرى غير الصبر، وأن الروح التي أتقنت إخفاء تعبها ما زالت قادرةً على الفرح.

كم من مرةٍ أقنعنا أنفسنا بأننا تجاوزنا أشياءنا القديمة، وأن الأيام نجحت في إبعادنا عن مشاعر لم نعد نريد الاعتراف بها. نرتّب حياتنا، ننشغل بتفاصيلها، ونمضي بثباتٍ يبدو مقنعًا للآخرين، حتى نلتقي بشخصٍ واحد، فنكتشف أن في داخلنا أبوابًا لم تُغلق تمامًا، وأن بعض المشاعر لا تنتهي، بل تختبئ في مكانٍ بعيدٍ من الذاكرة، تنتظر لحظةً واحدةً لتعود.

لم يكن الأمر متعلقًا بحديثٍ طويل، ولا بكلماتٍ استثنائية، ولا حتى بما قيل بيننا؛ كان في تلك اللحظة شيءٌ لا يُشرح. طمأنينةٌ تسلّلت إلى قلبي دون استئذان، وهدوءٌ لم أعرف من أين جاء، وشعورٌ غريب بأنني لست مضطرةً إلى بذل كل ذلك الجهد لأبدو بخير.

بعض الأشخاص لا يضيفون إلى حياتنا شيئًا جديدًا بقدر ما يعيدون إلينا أشياء كانت تسكننا يومًا، ثم أخذتها منا الأيام دون أن نشعر.

يعيدون إلينا عفويتنا، ودهشتنا بالتفاصيل الصغيرة، وقدرتنا على الضحك دون تفكير، ويذكّروننا بأننا لسنا دائمًا تلك النسخة المتعبة التي صنعتها الظروف، ولا تلك الشخصية الحذرة التي تعلّمت ألّا تمنح مشاعرها بسهولة.

وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو بعض اللقاءات أكبر من وقتها، وأعمق من تفاصيلها؛ لأنها تحدث في اللحظة التي نكون فيها بأمسّ الحاجة إلى أن نشعر بأن الحياة لم تستنفد كل احتمالاتها الجميلة، وأن ما انكسر فينا ليس بالضرورة نهاية الحكاية.

عندما رأيتك، لم أعد إلى الوراء، ولم أتمنَّ استعادة الأيام كما كانت، لكنني شعرت بأن جزءًا مني عاد من مكانٍ بعيد. جزءٌ لم يكن يحتاج إلى تغيير العالم، بل إلى لحظةٍ واحدةٍ يتصالح فيها مع نفسه، ويكتشف أن القلب، مهما أثقلته التجارب، لا يزال يحتفظ بمساحةٍ صغيرةٍ للدهشة.

وهنا أدركت أن بعض اللقاءات لا تأتي لتمنحنا إجابات، بل لتوقظ فينا أسئلةً نسينا جمالها؛ هل ما زلنا قادرين على الفرح؟ هل بقي في داخلنا متّسعٌ لشعورٍ صادق؟ وهل يمكن للحياة أن تفاجئنا في الوقت الذي نظن فيه أننا أصبحنا نعرفها جيدًا؟

والإجابة لم تكن في الكلمات، بل في ذلك الشعور الذي رافقني بعد اللقاء؛ في خفّةٍ افتقدتها، وفي ابتسامةٍ جاءت دون ترتيب، وفي تفاصيل صغيرة بدت فجأةً أكثر جمالًا مما كانت عليه بالأمس.

لم أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ولم أحاول أن أحمّل اللحظة أكثر مما تحتمل. اكتفيت بأن أتركها في مكانها الجميل، دون أن أطالبها بوعدٍ، أو أقيّدها بتوقعات، أو أستعجل منها حكايةً لم تُكتب بعد.

فليست كل لحظةٍ جميلة مطالبةً بأن تتحول إلى عمرٍ كامل، وليست كل عودةٍ بدايةً لقصة جديدة؛ أحيانًا يكفي أن يحدث اللقاء، وأن نستعيد بعده شيئًا من أنفسنا، لنفهم أن الحياة ما زالت قادرةً على منحنا لحظاتٍ تستحق أن نعيشها بقلوبٍ مفتوحة.

شيءٌ مني عاد حين رأيتك، وربما كانت أجمل هدايا ذلك اللقاء أنني لم أعد أبحث عنه بعيدًا؛ فقد اكتشفت أنه لم يمت يومًا، وإنما كان ينتظر اللحظة التي يتذكّر فيها كيف يحيا.

اقرأ المزيد

كرامة الوطن... حين تكون الحكمة موقفاً كرامة الوطن... حين تكون الحكمة موقفاً

في بعض الكلمات لا نحتاج إلى كثيرٍ من الشرح؛ لأنها تصل إلى المعنى مباشرة، وتترك خلفها مساحة واسعة... اقرأ المزيد

216

| 23 سبتمبر 2026

مذكراتي العزيزة مذكراتي العزيزة

أكتب إليكِ اليوم، لا لأحكي لكِ ما حدث، فأنتِ تعرفين أكثر مني، ولا لأستعيد تفاصيل مضت، فأنتِ الوحيدة... اقرأ المزيد

453

| 20 سبتمبر 2026

الذين يملكون رأياً في كل شيء الذين يملكون رأياً في كل شيء

هناك أشخاص لا يحتاجون أن يعرفوا القصة كي يحكموا عليها، ولا أن يعيشوا التجربة كي يشرحوا لك كيف... اقرأ المزيد

294

| 16 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية