رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

51

موزا محمد الكواري

أشياء لم تعلّمني إياها الكتب

18 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم أقرأ يومًا كتابًا يخبرني كيف يبدو الشعور حين يتغير شخص كنت أظنه ثابتًا، ولا وجدت في صفحات الروايات وصفةً تشرح كيف يمكن للمرء أن يستيقظ ذات صباح، فيكتشف أنه لم يعد الشخص الذي كانه بالأمس. قرأت كثيرًا عن الحياة، وعن النجاح، وعن العلاقات الإنسانية، وعن القوة التي يحتاجها الإنسان ليواصل طريقه، لكنني اكتشفت أن هناك أبوابًا لا تفتحها المعرفة، مهما اتسعت، وإنما تفتحها التجربة حين تضعنا أمام أنفسنا بلا مقدمات.

لم تعلّمني الكتب أن بعض الحقائق لا نرفضها لأننا لا نفهمها، بل لأننا نفهمها جيدًا، لكن الاعتراف بها سيجبرنا على اتخاذ قرار لا نريده. وأن الإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا في البحث عن تفسير لتصرفات الآخرين، بينما تكمن الإجابة أحيانًا في حقيقة بسيطة يخشى مواجهتها: ما يقدمه لك أحدهم هو اختياره، وليس بالضرورة ما تستحقه.

ولم تعلّمني الكتب أن النضج لا يأتي دائمًا في هيئة حكمة، بل قد يأتي على هيئة صمت لم نعتده، أو اعتذار لم نعد ننتظره، أو باب نغلقه بأيدينا بعد أن أمضينا طويلًا نحاول إبقاءه مفتوحًا.

كنت أظن أن الإنسان كلما ازداد فهمًا، أصبح أكثر قدرة على تفسير ما يحدث حوله، لكنني اكتشفت أن بعض التجارب لا تمنحنا إجابات بقدر ما تغيّر طبيعة أسئلتنا. نتوقف عن السؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بالسؤال: ماذا سأفعل الآن بما حدث؟

وهذا التحول، على بساطته، قد يختصر سنوات من الدوران حول الحكاية نفسها.

ومن الأشياء التي لم تعلّمني إياها الكتب أن الطيبة وحدها لا تكفي لحماية العلاقات، وأن حسن النية لا يمنع سوء المعاملة، وأن قدرتنا على تفهّم الآخرين لا تعني أن علينا تحمّل كل ما يصدر عنهم. فقد نفهم أسباب شخصٍ ما، ونتعاطف مع ظروفه، ونعرف جيدًا ما الذي دفعه إلى التصرف بهذه الطريقة، ثم نكتشف أن فهمنا له لا يلزمنا بالبقاء في المكان الذي يؤذينا.

فليس كل ما نستطيع تفسيره نستطيع احتماله، وليس كل ما نحبّه يصلح أن يكون جزءًا دائمًا من حياتنا.

ولم أجد في الكتب شرحًا كافيًا لتلك المسافة الدقيقة بين التسامح والتنازل عن النفس؛ المسافة التي تجعلنا نغفر دون أن نعيد الأشياء إلى مواضعها القديمة، ونحفظ للآخرين مكانتهم الإنسانية دون أن نمنحهم الحق نفسه في الوصول إلينا، ونترك الماضي خلفنا دون أن نضطر إلى تبرئته أو إنكاره.

لقد احتجت إلى الحياة كي أفهم أن بعض النهايات لا تحتاج إلى خصومة، وأن بعض العلاقات لا تنقص قيمتها لأنها لم تستمر، كما أن استمرارها لا يثبت بالضرورة أنها كانت صحيحة. هناك أشخاص أدّوا دورًا مهمًا في تشكيلنا، ثم اختلفت بنا الطرق، ولم يكن علينا أن نحوّل كل فراق إلى معركة كي نثبت أننا كنا صادقين.

والأغرب أنني لم أكن أعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى شيء، ويعرف في الوقت نفسه أنه لا يريد العودة إليه. قد تحنّ الذاكرة إلى لحظة جميلة، بينما تكون التجربة كاملةً قد علمتنا أن تلك اللحظة لا تكفي لبناء حياة. عندها نفهم أن الحنين ليس دائمًا دعوة إلى الرجوع؛ أحيانًا يكون مجرد اعتراف بأن شيئًا ما كان جميلًا، حتى وإن لم يكن البقاء فيه ممكنًا.

أما عن نفسي، فقد علّمتني التجارب أنني لست مضطرة إلى أن أكون قوية طوال الوقت كي أستحق الاحترام، ولا إلى أن أمتلك إجابة عن كل سؤال كي أبدو واثقة، ولا إلى أن أبرر اختياراتي لكل من لا يفهمها. وأن بعض القرارات الصحيحة قد تجعلنا نحزن، وأن بعض الخطوات الضرورية قد تبدو، في بدايتها، أشبه بالخسارة.

لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا رفاهية اختيار ما لا يؤلمنا؛ أحيانًا تمنحنا فرصة اختيار الألم الذي نستطيع التعافي منه، بدلًا من الألم الذي يستنزفنا كل يوم.

وتعلّمت أيضًا أن الإنسان قد ينشغل طويلًا بمحاولة أن يكون مفهومًا لدى الجميع، حتى ينسى أن مهمته ليست إقناع العالم كله برؤيته. هناك من سيقرأ صمتك بطريقة خاطئة، ومن سيختصر مواقفك في لحظة واحدة، ومن سيبني عنك رأيًا لا يشبه حقيقتك. ومع الوقت، تدرك أن استنزاف العمر في تصحيح كل انطباع لا يترك لك وقتًا كافيًا لتعيش حقيقتك.

ليس كل سوء فهم يستحق معركة، وليس كل اتهام يستحق دفاعًا، وليس كل شخص يجب أن يصل إلى النسخة الكاملة منك حتى يسمح لك بأن تمضي بسلام.

وفي منتصف الطريق تقريبًا، اكتشفت أن الحياة لا تقيس نضجنا بعدد السنوات التي عشناها، بل بقدرتنا على مراجعة أنفسنا دون قسوة، وعلى الاعتراف بأخطائنا دون أن نختزل ذواتنا فيها، وعلى تغيير آرائنا حين تظهر لنا حقيقة جديدة. فالثبات على المبدأ فضيلة، أما الثبات على الخطأ لمجرد أننا دافعنا عنه طويلًا، فليس إلا خوفًا يرتدي ثوب الكبرياء.

وما زلت أتعلم.

أتعلم أن بعض الإجابات تحتاج إلى وقت، وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، وأن الهدوء ليس دائمًا علامة رضا، كما أن الانسحاب ليس دائمًا علامة ضعف. وأتعلم أن الحياة لا تصبح أجمل حين تخلو من المشكلات، بل حين نكتسب القدرة على التعامل معها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.

ربما لهذا أصبحت أنظر إلى الأيام بطريقة مختلفة. لم أعد أطالبها بأن تمنحني ما أريد في الوقت الذي أحدده، ولا أعتبر كل تأخير حرمانًا، ولا كل خسارة عقابًا. صرت أعرف أنني لا أملك السيطرة على كل ما يحدث، لكنني أملك، ولو بقدر محدود، الطريقة التي أستجيب بها لما يحدث.

وهذا القدر الصغير من الاختيار قد يكون بداية استعادة أشياء كثيرة ظننا أننا فقدناها.

لقد علّمتني الحياة أشياء لم تكن الكتب قادرة على تعليمي إياها؛ لأنني لم أكن بحاجة إلى مزيد من المعلومات بقدر ما كنت بحاجة إلى أن أرى نفسي وأنا أختار، وأخطئ، وأتردد، وأبدأ من جديد.

فالكتب تخبرنا أن الصبر فضيلة، لكن الحياة تكشف لنا متى يصبح الصبر استنزافًا. وتخبرنا أن التسامح قيمة، لكن التجارب تعلّمنا أن التسامح لا يعني التنازل عن الحدود. وتحدثنا عن الشجاعة، بينما تضعنا الأيام أمام لحظات نحتاج فيها إلى شجاعة مختلفة تمامًا؛ شجاعة الاعتراف، وشجاعة التراجع، وشجاعة البدء من الصفر حين يصبح الاستمرار في الطريق القديم أكثر كلفة من تغييره.

وفي النهاية، ربما لا تكون الحكمة أن نصل إلى مرحلة نفهم فيها كل شيء، بل أن نتصالح مع حقيقة أننا لن نفهم كل شيء، ولن نستطيع إصلاح كل ما انكسر، ولن نكون دائمًا الشخص الذي تمنيناه لأنفسنا.

لكننا نستطيع أن نصبح أكثر وعيًا بما نختار، وأكثر رحمةً بأنفسنا حين نخطئ، وأقل استعدادًا لتكرار الدرس ذاته لمجرد أننا نخشى الاعتراف بما تعلمناه.

فبعض المعارف نقرأها فتمرّ بنا، وبعضها نعيشها فتغيّرنا.

وأصعب ما في دروس الحياة، أنها لا تمنحنا شهاداتٍ عند إتمامها؛ بل تتركنا أمام اختيارات جديدة، وتنتظر لترى إن كنا قد فهمنا فعلًا، أم أننا اكتفينا بحفظ الدرس.

مساحة إعلانية