رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أقرأ يومًا كتابًا يخبرني كيف يبدو الشعور حين يتغير شخص كنت أظنه ثابتًا، ولا وجدت في صفحات الروايات وصفةً تشرح كيف يمكن للمرء أن يستيقظ ذات صباح، فيكتشف أنه لم يعد الشخص الذي كانه بالأمس. قرأت كثيرًا عن الحياة، وعن النجاح، وعن العلاقات الإنسانية، وعن القوة التي يحتاجها الإنسان ليواصل طريقه، لكنني اكتشفت أن هناك أبوابًا لا تفتحها المعرفة، مهما اتسعت، وإنما تفتحها التجربة حين تضعنا أمام أنفسنا بلا مقدمات.
لم تعلّمني الكتب أن بعض الحقائق لا نرفضها لأننا لا نفهمها، بل لأننا نفهمها جيدًا، لكن الاعتراف بها سيجبرنا على اتخاذ قرار لا نريده. وأن الإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا في البحث عن تفسير لتصرفات الآخرين، بينما تكمن الإجابة أحيانًا في حقيقة بسيطة يخشى مواجهتها: ما يقدمه لك أحدهم هو اختياره، وليس بالضرورة ما تستحقه.
ولم تعلّمني الكتب أن النضج لا يأتي دائمًا في هيئة حكمة، بل قد يأتي على هيئة صمت لم نعتده، أو اعتذار لم نعد ننتظره، أو باب نغلقه بأيدينا بعد أن أمضينا طويلًا نحاول إبقاءه مفتوحًا.
كنت أظن أن الإنسان كلما ازداد فهمًا، أصبح أكثر قدرة على تفسير ما يحدث حوله، لكنني اكتشفت أن بعض التجارب لا تمنحنا إجابات بقدر ما تغيّر طبيعة أسئلتنا. نتوقف عن السؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بالسؤال: ماذا سأفعل الآن بما حدث؟
وهذا التحول، على بساطته، قد يختصر سنوات من الدوران حول الحكاية نفسها.
ومن الأشياء التي لم تعلّمني إياها الكتب أن الطيبة وحدها لا تكفي لحماية العلاقات، وأن حسن النية لا يمنع سوء المعاملة، وأن قدرتنا على تفهّم الآخرين لا تعني أن علينا تحمّل كل ما يصدر عنهم. فقد نفهم أسباب شخصٍ ما، ونتعاطف مع ظروفه، ونعرف جيدًا ما الذي دفعه إلى التصرف بهذه الطريقة، ثم نكتشف أن فهمنا له لا يلزمنا بالبقاء في المكان الذي يؤذينا.
فليس كل ما نستطيع تفسيره نستطيع احتماله، وليس كل ما نحبّه يصلح أن يكون جزءًا دائمًا من حياتنا.
ولم أجد في الكتب شرحًا كافيًا لتلك المسافة الدقيقة بين التسامح والتنازل عن النفس؛ المسافة التي تجعلنا نغفر دون أن نعيد الأشياء إلى مواضعها القديمة، ونحفظ للآخرين مكانتهم الإنسانية دون أن نمنحهم الحق نفسه في الوصول إلينا، ونترك الماضي خلفنا دون أن نضطر إلى تبرئته أو إنكاره.
لقد احتجت إلى الحياة كي أفهم أن بعض النهايات لا تحتاج إلى خصومة، وأن بعض العلاقات لا تنقص قيمتها لأنها لم تستمر، كما أن استمرارها لا يثبت بالضرورة أنها كانت صحيحة. هناك أشخاص أدّوا دورًا مهمًا في تشكيلنا، ثم اختلفت بنا الطرق، ولم يكن علينا أن نحوّل كل فراق إلى معركة كي نثبت أننا كنا صادقين.
والأغرب أنني لم أكن أعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى شيء، ويعرف في الوقت نفسه أنه لا يريد العودة إليه. قد تحنّ الذاكرة إلى لحظة جميلة، بينما تكون التجربة كاملةً قد علمتنا أن تلك اللحظة لا تكفي لبناء حياة. عندها نفهم أن الحنين ليس دائمًا دعوة إلى الرجوع؛ أحيانًا يكون مجرد اعتراف بأن شيئًا ما كان جميلًا، حتى وإن لم يكن البقاء فيه ممكنًا.
أما عن نفسي، فقد علّمتني التجارب أنني لست مضطرة إلى أن أكون قوية طوال الوقت كي أستحق الاحترام، ولا إلى أن أمتلك إجابة عن كل سؤال كي أبدو واثقة، ولا إلى أن أبرر اختياراتي لكل من لا يفهمها. وأن بعض القرارات الصحيحة قد تجعلنا نحزن، وأن بعض الخطوات الضرورية قد تبدو، في بدايتها، أشبه بالخسارة.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا رفاهية اختيار ما لا يؤلمنا؛ أحيانًا تمنحنا فرصة اختيار الألم الذي نستطيع التعافي منه، بدلًا من الألم الذي يستنزفنا كل يوم.
وتعلّمت أيضًا أن الإنسان قد ينشغل طويلًا بمحاولة أن يكون مفهومًا لدى الجميع، حتى ينسى أن مهمته ليست إقناع العالم كله برؤيته. هناك من سيقرأ صمتك بطريقة خاطئة، ومن سيختصر مواقفك في لحظة واحدة، ومن سيبني عنك رأيًا لا يشبه حقيقتك. ومع الوقت، تدرك أن استنزاف العمر في تصحيح كل انطباع لا يترك لك وقتًا كافيًا لتعيش حقيقتك.
ليس كل سوء فهم يستحق معركة، وليس كل اتهام يستحق دفاعًا، وليس كل شخص يجب أن يصل إلى النسخة الكاملة منك حتى يسمح لك بأن تمضي بسلام.
وفي منتصف الطريق تقريبًا، اكتشفت أن الحياة لا تقيس نضجنا بعدد السنوات التي عشناها، بل بقدرتنا على مراجعة أنفسنا دون قسوة، وعلى الاعتراف بأخطائنا دون أن نختزل ذواتنا فيها، وعلى تغيير آرائنا حين تظهر لنا حقيقة جديدة. فالثبات على المبدأ فضيلة، أما الثبات على الخطأ لمجرد أننا دافعنا عنه طويلًا، فليس إلا خوفًا يرتدي ثوب الكبرياء.
وما زلت أتعلم.
أتعلم أن بعض الإجابات تحتاج إلى وقت، وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، وأن الهدوء ليس دائمًا علامة رضا، كما أن الانسحاب ليس دائمًا علامة ضعف. وأتعلم أن الحياة لا تصبح أجمل حين تخلو من المشكلات، بل حين نكتسب القدرة على التعامل معها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
ربما لهذا أصبحت أنظر إلى الأيام بطريقة مختلفة. لم أعد أطالبها بأن تمنحني ما أريد في الوقت الذي أحدده، ولا أعتبر كل تأخير حرمانًا، ولا كل خسارة عقابًا. صرت أعرف أنني لا أملك السيطرة على كل ما يحدث، لكنني أملك، ولو بقدر محدود، الطريقة التي أستجيب بها لما يحدث.
وهذا القدر الصغير من الاختيار قد يكون بداية استعادة أشياء كثيرة ظننا أننا فقدناها.
لقد علّمتني الحياة أشياء لم تكن الكتب قادرة على تعليمي إياها؛ لأنني لم أكن بحاجة إلى مزيد من المعلومات بقدر ما كنت بحاجة إلى أن أرى نفسي وأنا أختار، وأخطئ، وأتردد، وأبدأ من جديد.
فالكتب تخبرنا أن الصبر فضيلة، لكن الحياة تكشف لنا متى يصبح الصبر استنزافًا. وتخبرنا أن التسامح قيمة، لكن التجارب تعلّمنا أن التسامح لا يعني التنازل عن الحدود. وتحدثنا عن الشجاعة، بينما تضعنا الأيام أمام لحظات نحتاج فيها إلى شجاعة مختلفة تمامًا؛ شجاعة الاعتراف، وشجاعة التراجع، وشجاعة البدء من الصفر حين يصبح الاستمرار في الطريق القديم أكثر كلفة من تغييره.
وفي النهاية، ربما لا تكون الحكمة أن نصل إلى مرحلة نفهم فيها كل شيء، بل أن نتصالح مع حقيقة أننا لن نفهم كل شيء، ولن نستطيع إصلاح كل ما انكسر، ولن نكون دائمًا الشخص الذي تمنيناه لأنفسنا.
لكننا نستطيع أن نصبح أكثر وعيًا بما نختار، وأكثر رحمةً بأنفسنا حين نخطئ، وأقل استعدادًا لتكرار الدرس ذاته لمجرد أننا نخشى الاعتراف بما تعلمناه.
فبعض المعارف نقرأها فتمرّ بنا، وبعضها نعيشها فتغيّرنا.
وأصعب ما في دروس الحياة، أنها لا تمنحنا شهاداتٍ عند إتمامها؛ بل تتركنا أمام اختيارات جديدة، وتنتظر لترى إن كنا قد فهمنا فعلًا، أم أننا اكتفينا بحفظ الدرس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2286
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026