رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحية تليق بعمرٍ كامل قضيتماه في محاولة أن تكون الحياة أقل قسوة علينا، حتى في الأيام التي لم تكن فيها الحياة رحيمة بكما.
أكتب إليكما اليوم من الجهة الأخرى من العمر؛ من المكان الذي لم أكن أراه حين كنت صغيرة، حين كنت أظن أنكما تعرفان كل شيء، وأنكما لا تتعبان، ولا تخافان، ولا تترددان أمام القرارات الصعبة. كنت أعتقد أن البيت يقف لأنكما فيه، وأن الأمان شيء طبيعي يولد معنا، ولم أفهم أن أحدًا كان يسهر كي أنام، ويقلق كي أطمئن، ويؤجل أشياء تخصه حتى لا ينقصني شيء.
كبرت قليلًا، فبدأت أكتشف أنكما لم تكونا تعرفان كل الإجابات، لكنكما كنتما تحاولان. وأن بعض القرارات التي لم أفهمها في وقتها كانت تحمل خلفها حسابات لم أكن أراها، وأن بعض المنع كان خوفًا، وبعض الصمت عجزًا عن التعبير، وبعض الحزم طريقة مرتبكة لحمايتي من عالم لم تكونا تريدان له أن يؤذيني.
لم أكن أعرف أن الأب قد يعود إلى بيته مثقلًا بأشياء لا يستطيع أن يرويها، ثم يجلس معنا وكأن يومه لم يترك فيه أثرًا. ولم أكن أفهم أن الأم قد تخفي تعبها خلف سؤال بسيط: هل أكلتِ؟ وأنها قد تحفظ تفاصيل يومنا أكثر مما نحفظ نحن تفاصيل أيامنا، وأن قلبها يظل مستيقظًا حتى حين ينام الجميع.
لم أفهم أن الحب قد يأتي أحيانًا في هيئة نصيحة لا تعجبني، أو قلق أراه مبالغًا فيه، أو سؤال يتكرر حتى أشعر بالضيق منه. احتجت إلى أن أكبر لأدرك أن بعض الناس لا يسألون لأنهم يريدون معرفة الإجابة فحسب، بل لأن الاطمئنان علينا هو الطريقة التي يعرفون بها أنهم ما زالوا قريبين منا.
أبي…
لم أكن أعرف أن وراء قوتك أشياء ربما لم تجد وقتًا لتقولها، وأن المسؤولية قد تجعل الرجل يتقن إخفاء خوفه حتى ينسى الآخرون أنه يحتاج أحيانًا إلى من يسأله: وكيف حالك أنت؟
ربما لم أقل لك كثيرًا إنني ألاحظ تعبك، أو إن بعض ما أملكه اليوم يحمل أثرًا من صبرك ومحاولاتك. وربما اعتدت أن أراك في المكان الذي يمنحني الشعور بأن الأمور ستكون بخير، حتى نسيت أن أسأل نفسي عمّا تحتاجه أنت كي تكون بخير.
أمي…
لم أكن أعرف أن قلبك يحتفظ بأشياء لا تجد طريقها إلى الكلام، وأنك قد تفرحين لفرحي أكثر مما أفرح أنا، وتحملين همًّا قد لا أعرف عنه شيئًا. لم أفهم لماذا تتذكرين تفاصيل ظننتها عابرة، ولماذا تستطيعين أن تعرفي من صوتي أن شيئًا ما يؤلمني، حتى حين أقول إن كل شيء على ما يرام.
كبرت، وفهمت أن بعض الأمهات لا يحتجن إلى اعترافات طويلة؛ يكفيهن أن يرين أبناءهن بخير. لكنني فهمت أيضًا أن الأم ليست مجرد قلب يعطي بلا حدود، بل إنسانة لها أحلامها وتعبها وأيامها التي ربما احتاجت فيها إلى من يعتني بها كما اعتنت بالجميع.
ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم أنني كلما فهمت الحياة أكثر، اكتشفت كم كنت صغيرة أمام ما تحملتماه من أجلي.
لم أعد أرى الأشياء بالطريقة نفسها. صرت أفهم أنكما لم تكونا تبحثان دائمًا عن القرار المثالي، بل عن القرار الذي يمرّ بنا إلى بر الأمان بأقل خسارة ممكنة. وأنكما ربما أخطأتما أحيانًا، كما يخطئ كل إنسان، لكنني أدرك أن وراء كثير من محاولاتكما رغبة صادقة في أن نكون بخير.
ولا أكتب هذا لأقول إن الوالدين لا يخطئان، أو إن الأبناء مطالبون بفهم كل شيء أو تجاوز كل ألم. نحن بشر، وقد تترك الكلمات والجراح آثارًا حتى بين أكثر الناس محبة. لكن النضج يمنحنا فرصة أن ننظر إلى الحكاية كاملة، وأن نرى الإنسان وراء دوره، والأب والأم وراء القرارات، وأن نفهم أن المحبة لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنحنا فرصة لنفهم بعضنا بصورة أعمق.
إلى أبي وأمي…
لو كان بإمكاني أن أعود إلى بعض الأيام، لما طلبت منكما أن تفعلا المزيد بقدر ما كنت سأحاول أن أفهم ما لم تقولاه. كنت سأنتبه أكثر إلى التفاصيل الصغيرة، إلى التعب الذي يمرّ دون شكوى، وإلى اللحظات التي كنتما تحتاجان فيها إلى كلمة طيبة، وإلى أن العمر يمضي بكما أيضًا، وأنكما لستما ثابتين في مكانكما بينما نكبر نحن.
لقد قضيتما سنوات تنظران إلى المستقبل من خلالنا؛ ماذا سنصبح؟ أين سنصل؟ وكيف ستكون حياتنا؟ وأتمنى أن يأتي الوقت الذي تنظران فيه إلى حياتكما أنتما، إلى الأشياء التي تحبانها، وإلى الراحة التي تستحقانها، وإلى الأيام التي ينبغي أن تكون لكما لا أن تكونا فيها منشغلين بنا وحدنا.
أريد أن تعرفا أنكما لستما مطالَبَين بأن تظلا قويين طوال الوقت، ولا بأن تحملا كل شيء وحدكما، ولا بأن تخفيا احتياجاتكما خلف مسؤولياتكما. لقد كبرنا، وربما لم نعد نستطيع أن نردّ لكما كل ما منحتماه لنا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نكون أقرب، وكيف نجعل وجودنا في حياتكما مصدر راحة لا مسؤولية جديدة.
أما الأشياء التي لم أقلها في وقتها، فلا أريد أن أنتظر مناسبة استثنائية لأقولها.
أحبكما، لا لأنكما كنتما والدَيّ فحسب، بل لأنني كلما كبرت اكتشفت جوانب جديدة منكما، وأدركت أن لكل واحد منكما حكاية سبقت مجيئي، وأحلامًا ربما تأجلت، وأيامًا لم تكن سهلة كما بدت لي. أحبكما لأنني بدأت أرى فيكما الإنسان الذي يحاول، لا الدور الذي يؤديه فقط.
وأتمنى أن تمنحكما الحياة من الطمأنينة بقدر ما حاولتما أن تمنحاني إياها، ومن الفرح بقدر ما أخفيتما من القلق، ومن الراحة بقدر ما بذلتما من جهد كي تكون حياتنا أكثر راحة.
أبي وأمي، مع التحية…
من ابنتكما التي كبرت بما يكفي لتعرف أن وراء كل ما ظنّته يومًا أمرًا عاديًا، عمرًا كاملًا من الحب والعمل والصبر.
ربما لا أستطيع أن أعيد إليكما السنوات التي مضت، ولا أن أجعل كل الأيام التي تعبتما فيها أقل تعبًا، لكنني أتمنى أن تكون الأيام القادمة ألطف بكما، وأن تجدا فينا ما يطمئن قلبيكما، وأن تشعرا بأن ما بذلتماه لم يذهب هباءً.
وإذا كان العمر قد علّمني شيئًا يستحق أن أكتبه في نهاية هذه الرسالة، فهو أن بعض النعم لا ندرك اتساعها إلا حين نكبر بما يكفي لنرى ما وراءها.
كنت أظن أنكما جزء من حياتي، ثم فهمت أنكما جزء من الطريقة التي أصبحت بها أنا.
وما بين الظن والفهم، مضت سنوات من عمري، وأتمنى ألا تمضي السنوات القادمة دون أن أخبركما، مرة بعد مرة، أن وجودكما في هذه الحياة ليس تفصيلًا اعتدت عليه، بل نعمة ما زلت أتعلم كيف أقدّرها.
إلى أبي وأمي، مع التحية والمحبة…
من ابنةٍ لم تعد تنظر إليكما بعيني الطفلة التي تنتظر منكما أن تفعلا كل شيء، بل بعيني امرأة بدأت تفهم كم كان الحب الذي قدّمتماه أكبر من قدرتها، يومًا، على فهمه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
12900
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3861
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026