رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
معظم المراقبين والذين يكتبون عن الثورات العربية الحاضرة يبدون تخوفا كبيرا من ثلاثة أمور يخشى أن تطرأ على واقع ومستقبل هذه الثورات فتعكر صفوها وتحرف مسارها أو – في أقل تقدير - تقلل الآمال المنوطة بها؛ أول هذه التخوفات هو: الطائفية المذهبية التي انطلقت منذ الثورة الإيرانية واستشرت أكثر وأكثر منذ الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان وهي اليوم تطل علينا بوتائر أعلا بعد فوز الإسلاميين في انتخابات تونس ومصر والمغرب وفلسطين وتركيا وبعد دورهم في الثورات الليبية واليمنية والسورية، وبعد تحولات المواقف الرسمية لصالحهم في دول أخرى باتت تتدارأ من الثورات وتخشى أن تطاولها.. ثاني التخوفات: أن تنشغل الثورات والثوار عن القضية الفلسطينية الكبرى والمركزية بينما يجري العدو الصهيوني جريا في التهويد والاستيطان وتغيير الحقائق وتقرير القوانين وتنفيذ الإجراءات على أرض الواقع التي تبدد الحقوق الوطنية لفلسطينيي الضفة وغزة وتجتاح الحقوق المدنية والسياسية لفلسطينيي الـ48، والتخوف الثالث هو: التدخلات الغربية والأجنبية على هذه الثورات بما ظهر كدعم لها خصوصا في ليبيا، ما قد يؤدي لانقلاب في الاصطفافات والرؤى السياسية لدى شعوبنا في المنطقة.. المقصود هنا أن تسويغا ما بدأ يروج له اليوم تجاه مواقف أمريكا والنظم التي تدور في فلكها "معسكر التسوية" التي صارت تتحدث عن حقوق الشعوب.. وكانت إلى ما قبل الثورات الحالية متهمة لدى الرأي العام الشعبي والنخبوي المؤثر بالعمالة والتهرؤ الوطني والخلقي.. وأقول:
أما التخوف من انشغال الثورات عن فلسطين والتخوف من التداخل الأجنبي عليها فهما تخوفان غير جديين أو لنقل إن لدى الثورات العربية بالإجمال حصانة منهما.. وضمانة ذلك هي وعي الشعوب وطبيعة تطور الثورات وكون الشعوب هي محركها وهي المستفيد منها وهي ضميرها وشعوبنا قد تربت على الشوق للاستقلال الحقيقي وعلى رفض الاحتلال الصهيوني.. هذه الضمانة يمكن اعتبارها حقيقية وستمنع حدوث انقلاب كبير أو مؤثر في المفاهيم تجاه الغرب الاستعماري وتجاه العدو الصهيوني تحديدا.. ربما تلهو الشعوب عن القضية الفلسطينية في الفترة الانتقالية وإلى حين تستقر النظم الجديدة وهو ما لن يستغرق إلا شهورا فقط.. ولكن ستبقى الثقافة الوطنية والدينية المتجذرة عبر عشرات السنين والرافضة للاحتلال الصهيوني والتدخلات الغربية وستبقى تدهورات القضية الفلسطينية والثقافة المترتبة على ممارسات الصهاينة وحرقهم المصاحف والمساجد وعلى الاستيطان والتهويد والاعتداءات على غزة والضفة والمسجد الأقصى.. كل ذلك سيبقى سببا للتأجيج وضمانة من هاتين الخشيتين، وستجعلان من المستحيل على الثورات – بعد الاستقرار – أن تلهو عن القضية الفلسطينية أو تغفل عن المقاربات والمرادات الغربية منها.
يبقى أن التخوف الأهم والأخطر هو الطائفية والمذهبية السياسية والعقدية لأسباب أهمها ثلاثة؛ الأول: أن لهذه الطائفية جذورا منطقية وحقيقية وتاريخية وواقعا وتفاعلات بارزة أو كامنة، الثاني: لأن لها من يستثمر فيها ويدعو لها في الغرب وفي الشرق بدوافع مختلفة ولكنها تلتقي على حقن الثورات والواقع بهذه الطائفية لتفجيرها عند الاقتضاء، ثالثا: لأن هذه المذهبية تتقمص الثوب الوطني في المواجهات الداخلية، والثوب العقائدي في المواجهات المذهبية والدينية، والثوب الحزبي في المواجهات السياسية.. ما يجعل الطائفيين في كل ميدان سادته وقادته، وما يجعل الطائفية في كل مرة في أعلى السلم وتجد لها من (الجاهلين) الذين قد لا ينقصهم الإخلاص من يعتبرها الصواب المطلق والحق الذي ليس وراءه إلا الباطل ومن لديه الاستعداد أن يكون وقودا في معاركها.. لذلك فإن الطائفية هي التخوف الأكبر وهي التي يجب أن تنصب الجهود والكتابات على تفكيكه.. وأقول:
لابد من التنبيه إلى أن الطائفية في بلادنا إنما تضرب أول ما تضرب الدين العام (الإسلام) والانتماء الوطني لشعوبنا واستقلالنا، وأن تأجيج الطائفية كان عادة وتاريخيا مرتبطا بالغزو الخارجي وبتفكيك وحدة الأمة أمامه والتغطية عليه ولفت الانتباه عنه.. وهذا ما يقوله التاريخ للمتتبع المنهجي.. واليوم يكفي أن تكتب في الباحث الإلكتروني - النت – اسم " برنارد لويس " لترى كم ترتبط الطائفية بالمصالح الصهيونية اليهودية تحديدا وكم ترتبط بالتحركات الاستعمارية في بلادنا، ولتكتشف أنها - الطائفية – أكبر من مجرد مناظرة تليفزيونية يغرق فيها مفكران أو شيخان أو عالمان من طائفتين مختلفتين وكل يدعي وصلا بليلى.
جدير توضيح أن هذا المستشرق "برنارد لويس" هو يهودي صهيوني وهو كاتب سياسي إستراتيجي.. وأن كتبه ذات انتشار واسع وتأثير كبير في صناعة الرأي وفي القرار المركزي للولايات المتحدة الأمريكية وفي الغرب عامة وتجاه منطقتنا خصوصا، وجدير التوضيح أن مروحة أصدقاء هذا المستشرق الصهيوني ومعتنقي أفكاره تضم أسماء كبيرة مثل الرئيسين بوش الأب وبوش الابن، ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق "ديك تشيني"، والرئيس السابق للجنة التخطيط الإستراتيجي في البنتاغون "ريتشارد بيرل"، ونائب وزير الدفاع الأمريكي الأسبق "بول وولفوويتز"، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية وعضو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات " جيمس ووزلي " ورئيس دولة العدو "شمعون بيريز".. الخطير أيضا أن الكونغرس الأمريكي وافق على مشروع "لويس" هذا بالإجماع في جلسة سرية عام 1983م، وبعد اعتماده تم تقنينه وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية المستقبلية لتنفيذه بدقة وإصرار شديدين.
بقي أن نوضح أن مشروع "برنارد لويس" الذي له كل هذه الأهمية والرسمية يقوم على تفكيك الوحدة الدستورية لجميع الدول العربية والإسلامية، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية لتصحيح – كما يقول - حدود سايكس بيكو التي يجب أن تكون – وفق مشروعه - متسقة مع المصالح الصهيوأمريكية، ويوضح ذلك بالخرائط التي يبين فيها التجمعات العرقية والمذهبية والدينية في بلادنا وأن على أساسها يجب أن يتم التقسيم.
من الخطأ توهم أن الطائفية إذا استشرت وعمت وتنافست في تأجيجها الطوائف والمذاهب في بلادنا ستتضرر منها طائفة صغيرة لصغرها أو تنجو منها طائفة كبيرة لكبرها.. ولكنها ستكون محرقة للجميع ونافذة للتدخل الخارجي ولتدويل مشكلاتنا، وستعود عهود الاستعمار والانتدابات الغربية ربما تحت وطأة البحث عن راع للخروج من المأزق.. كما يحدث الآن في العراق إذ يتوقع أن تتدخل أمريكا للإصلاح بين المالكي والهاشمي وأن تصير هي الملجأ والمنجى من حرب لا تبقي ولا تذر.. وعند ذلك ستصير كل استقلالاتنا في مهب العواصف الغربية والتحكم الصهيوني، وسيكون أول الكاسبين من ذلك بالطبع الكيان الصهيوني في المنطقة أولا بفرقتنا وحروبنا البينية وتفكك وحدتنا ثم ثانيا بصيرورة الكيان اليهودي كيانا طبيعيا (طائفيا) بين كيانات كثيرة سنية وشيعية ودرزية وعلوية وكاثوليكية وأرثوذوكسية.. فإن حدث ذلك واستساغته المنطقة فإن المترتب التالي والتلقائي عليه هو الترانسفير الجديد لتهجير الفلسطينيين من فلسطين التاريخية وإقامة (إسرائيل الكبرى) التي وضع "برنارد لويس" لها خريطة تمتد من الفرات إلى النيل ومنهما إلى المدينة المنورة وتجمع معظم العراق وسوريا ومصر وكل لبنان والأردن وفلسطين.
وإذن فعلى كل الوطنيين والإسلاميين الذين يفترض أنهم (أم الولد) – كما يقال - أن يخافوا من التأجيج الطائفي والتفعيل المذهبي، وألا ينجرّوا إلى مواجهات على الأساس الطائفي، وألا يكونوا سنا في ترس الآخرين، وأن يحرص كل منهم في خاصة نفسه وجهته وقبيله وطائفته على المبادرة لنزع فتيل الطائفية وإخراج نفسه من أتونها قبل أن يطالب غيره بذلك مهما بدا له أنه على الحق، وعلى كل أحد من المتفاعلين طائفيا أن يسأل نفسه سؤالا واحدا: إذا كان عمر الطوائف في الافتراق والخلاف مئات السنين، وإذا كانت الطوائف منذ ذاك ترتب لنفسها عقائد وعادات وأفكارا ونظما اجتماعية وفكرية وسياسية؛ فهل يمكن ردها عن كل ذلك بمناقشة نزقة ومحاججة زاعقة أو بالتخويف أو بالصراع بين عشية وضحاها؟
آخر القول: ليس هذا زمن التفعيل الطائفي ولا وقت استفزاز وتثوير الآخر – المذهبي أو الديني - ولكنه وقت الحرص على إنجازات الشعوب وثوراتها المجيدة، وزمن التدليل على الوعي الشمولي لحدود وفواصل الاتفاق والاختلاف بين المذاهب والطوائف، وزمن ترتيب سلم الأولويات وزمن البحث عن الجوامع المشتركة بين كل المخلصين من كل الطوائف.. وقد آن أن ننظر أبعد من "قدام" أنوفنا.. وبقي أن نقول: وعلى الإسلاميين خاصة المسؤولية الأكبر في محاربة هذه الطائفية.. لماذا وكيف؟ هذا ما سنتعرف عليه في الأسبوع المقبل بحول الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8739
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3069
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2841
| 30 أكتوبر 2026