رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست هذه هي المرة الأولى التي يستقيل فيها الرئيس محمود عباس من واحد من مناصبه أو يهدد باعتزال الحياة السياسية برمتها بل سبقتها مرات عديدة وكان في كل مرة يتراجع متعللاً بأسباب كثيرة ومنها رفض المجلس الوطني الذي يضم المئات من الفلسطينيين في الداخل، وفي الشتات لاستقالته وتمسكهم بقيادته وبرمزية هذه القيادة التي أنجزت اتفاقية أوسلو وغيرها وهي في رأيهم أبدع ما في الإمكان لكن هذه المرة يبدو أن الرجل وقد قارب على الحادية والثمانين قد يكون صادقا في اعتزاله الحياة السياسية خاصة وأنه قدم ــ بمنظوره الشخصي وبمنظور المعجبين بسياساته للقضية الفلسطينية كل ما كان بإمكانه..
ويرى المحللون أن ثمة احتمالاً هذه المرة بتنفيذ عباس لاستقالته ويرجعون ذلك إلى أسباب طبية وسياسية بنفس القدر, فأبو مازن يعد العدة للخروج من التركة الثقيلة التي حملها على عاتقه طيلة هذه السنين وأنه يبحث عن مخرج مشرف يظهره بمظهر الذي أدى كل ما عليه فعباس تحصل على عهد من الاتحاد الأوربي باستئناف المفاوضات بعد اعتماد الاتفاق النووي، أما الولايات المتحدة فإن رئيسها مهموم بتصديق الكونجرس على اتفاقه النووي مع إيران ولا يريد من يشغله عن الإنجاز الذي سيظل مقرونا باسمه ولذلك فإن الرئيس عباس ينتظر التصديق على الاتفاق النووي فإذا ما تم التصديق عليه طالب أوباما باستئناف المفاوضات وفق جدول زمني معتمد بقرار من مجلس الأمن فإذا لم يفعل أوباما ما يريده عباس منه فإن اللحظة تكون قد حانت وعندها يستقيل منحيا باللائمة على إسرائيل والإدارة الأمريكية تاركا خلفه التركة الثقيلة التي حملها على عاتقه منذ رحيل ياسر عرفات.
ولكنّ مقربين من عباس قالوا إنه غير ملتزم بتاريخ معين وقالوا أيضا إن القرار "لا ينبع من أزمة داخلية ومن ضغط يمارسه عليه خصومه السياسيون، بل هو رسالة للأسرة الدولية وبموجبها فإنه في غياب مسيرة سياسية حقيقية وإنهاء الاحتلال، فإن دور الرئيس في السلطة الفلسطينية لم يعد ذا صلة".
وقال عضو اللجنة المركزية لفتح محمد المدني وهو أحد المقربين من عباس "إن عباس سينفذ اعتزاله حسب جدول زمني وحسب المصلحة الوطنية الفلسطينية. وعلى حد قوله، فإن الرسالة غير موجهة إلى الداخل بل إلى الخارج.
وقال المدني لصحيفة ها آرتس في عددها الصادر يوم 2/9/ 2015 إن “أبو مازن يفهم بأن المسيرة السياسية عالقة وأنه لا يوجد أي أفق سياسي في المستقبل المنظور للعيان، بسبب الرفض الإسرائيلي. ولا يبدو أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منزعجون من هذا، وعليه فإنه جاء ليقول بشكل واضح لا أريد البقاء في المنصب الذي أصبح بمثابة حامي حمى الأمن لإسرائيل، ومن يريد أن يأخذ المسؤولية فليتفضل "لكن لم يستبعد مسؤولون في فتح اعتزال عباس لأن للعمر أحكامه ومتطلباته وأنه لا بد من أن تضخ دماء جديدة في شرايين القيادة والمؤسسات التي شاخ بعضها وتحتاج إلى إسعاف سريع وإنعاش وقالوا "ليس جديدا أن في الساحة الفلسطينية من يتحدثون منذ بضعة أشهر عمن سيأتي بعد عباس، وهذا ليس سرا في إسرائيل وفي العالم يجب أن يفهموا بأن في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي فتح يوجد جهاز وتوجد مؤسسات وفي نهاية المطاف هذه هي التي تختار القيادة.
هذا ما حصل عندما توفي الرئيس ياسر عرفات، الذي كان زعيما كاريزماتيا بلا منافس. وعليه فإن أبو مازن لا يريد أن يتخذ صورة من خلف أرضا محروقة وهو يحاول أن يقود المسيرة وأن يرتب البيت ولا سيما في فتح".
أما معارضوه فمنهم من يقول إنه استقال "بعد خراب مالطة" وأن استقالته جاءت بعدما قدم لإسرائيل ومشروعها الكبير من النيل إلى الفرات كل ما يستطيع وربما شعر بأنه ليس لديه ما يتنازل عنه ويحمدون الله تعالى أنه أقدم على هذه الخطوة لكي يتوقف نزيف التنازلات ويتعافى الوطن المثخن بجراح الاستيطان والتهويد والقتل اليومي وهؤلاء ليسوا آسفين عليه وربما كسروا كل قلل الفخار وراءه إذا غادر مقر السلطة في رام الله فكل ما يعانيه شعب فلسطين إنما جاء بسبب سياساته البراجماتية الواقعية ولعدم إيمانه بالكفاح المسلح وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها وأنه ـ أي عباس ـ لطالما تعهد للاحتلال بعدم السماح باندلاع انتفاضة ثالثة بالضفة الغربية ولطالما صرح وأقر بأن الاحتلال لن يرحل إلا بالمفاوضات والتنسيق الأمني, أما وقد انسدت الآفاق أمامه وانغلقت الأبواب فليس أمامه إلا أن يستقيل تاركا الجمل بما حمل .
وثمة فريق آخر من معارضي الرئيس محمود عباس يرون أن تصريحات عباس وبيانه بالاستقالة واعتزال الحياة السياسية وعدم المنافسة على أي منصب من مناصب منظمة التحرير ليست إلا مناورة من المناورات التي يجيدها ويقولون بأنه رتب الأمر لكي يتخلص من معارضيه ومنافسيه وأنه رتب لرجوعه فأحسن الترتيب والأمر ليس إلا مناورة سياسية.. فالمجلس الوطني الذي يضم 750 عضوا وهو الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، وتضم الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1967، والفلسطينيين سكان المناطق المحتلة عام 1948، اللاجئين الفلسطينيين في مختلف مناطق لجوئهم، وفلسطينيي المنفى، وهو السلطة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها. لا يمكنه أن يتخذ القرارات إلا عندما يحضر التصويت عدد معين من الأعضاء (النصاب). والحالة الوحيدة التي يمكن فيها اتخاذ القرارات حتى لو لم يحضر العدد الأدنى اللازم هو عندما يستقيل الرئيس ويتوجب انتخاب خلف له.
ومن المعلوم أن "أبو مازن" درج على عقد المجلس في رام الله وهذا يحول دون حضور أعضاء المجلس من خارج فلسطين وحتى من داخلها بسبب حواجز إسرائيل ومنعها لدخولهم رام الله فمعظم الأعضاء إذن لن يصلوا لذلك فإذا ما دعي المجلس للانعقاد للنظر في استقالة عباس إن أصر عليها فسوف يتمسك به أعضاء المجلس الوطني ممن تسنى لهم الحضور وهؤلاء هم مؤيدو عباس لا غير ــ ويرفضون استقالته وسيقول أبومازن ساعتها إنه خضع لقرار المجلس وما باليد حيلة وعندها سيواصل رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وسيبعد خصومه السياسيين وفي مقدمتهم ياسر عبد ربه وسيعين مكانهم من يرتضيهم ويحقق المراد فليس اعتزامه الاستقالة أو اعتزال الحياة السياسية إلا زوبعة في فنجان سرعان ما تزول.
قطر ملتقى الثقافات.. اختلاف التاريخ والتقاء العمق
عيد الفطر المبارك هو من أقدس أعيادنا في ديننا الإسلامي، فهو فرح طعام وشراب ونهاية لشهر رمضان الكريم،... اقرأ المزيد
144
| 27 مارس 2026
رجالنا لهم كل التقدير
يستحق رجالنا من القوات المسلحة والشرطة كل الشكر والتقدير والاحترام على جهودهم التي لا يقدرها ويوفيها حقها إلا... اقرأ المزيد
276
| 27 مارس 2026
قَطرُ.. عبقرِيَّةُ الثَّباتِ ورِسالةُ السَّلامِ وبِناءُ الإنسانِ
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ مسيرتَها الوادعةَ في ظلالِ الأمنِ والأمانِ، بعدَ أيّامٍ أثقلتْها التحدّياتُ،... اقرأ المزيد
507
| 27 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3960
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2244
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1911
| 24 مارس 2026