رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

192

موزا محمد الكواري

ماذا سنقول لهم غدًا؟ جاهزية الخطاب قبل جاهزية الواقع

29 مارس 2026 , 03:28ص

في كل مرحلة تمر بها المجتمعات، لا تُقاس التحديات فقط بحجمها، بل بقدرتنا على تفسيرها للأجيال القادمة. فالتاريخ لا يُكتب بالأحداث وحدها، بل يُصاغ أيضًا بما نقوله عنها… وكيف نقولها. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد إدارة الأزمات: هل نحن مستعدون لما سنقوله لاحقًا؟

الجهات المعنية اليوم لا تواجه مسؤولية التعامل مع الواقع فحسب، بل تتحمل عبء تشكيل الرواية التي ستُروى عنه. فالأجيال القادمة لن تعيش تفاصيل اللحظة كما نعيشها، لكنها ستتلقاها عبر خطاب رسمي، أو سرد مؤسسي، أو حتى صمت يحمل دلالاته. ومن هنا، تصبح الجاهزية الحقيقية ليست في اتخاذ القرار فقط، بل في القدرة على تفسيره أخلاقيًا، وإنسانيًا، وتاريخيًا.

في ظل التحولات المتسارعة، والتحديات التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح من الضروري أن تسأل المؤسسات نفسها:

هل قراراتنا اليوم قابلة للفهم غدًا؟

هل ستُقرأ كخطوات شجاعة… أم كحلول مؤقتة؟

هل سنتمكن من شرحها بلغة تُقنع، لا تُبرر فقط؟

إن الأجيال القادمة لا تبحث عن الكمال، بل عن الصدق. لا تنتظر منا عالماً بلا أخطاء، بل تنتظر سردًا يعترف بها ويتجاوزها. وهنا تكمن خطورة الفجوة بين الفعل والخطاب؛ فحين يُبنى الواقع على اعتبارات، ويُروى بلغة مختلفة، تنشأ أزمة ثقة لا تُقاس بزمنها، بل بامتدادها في الوعي الجمعي.

كما أن الوعي المؤسسي اليوم يجب أن يتجاوز إدارة الصورة الآنية، إلى بناء ذاكرة مستدامة. فكل بيان، وكل قرار، وكل تفسير، هو جزء من أرشيف سيُعاد فتحه يومًا ما، ليسأل: لماذا حدث هذا؟ وكيف تم التعامل معه؟ ومن تحمّل مسؤوليته؟

ولعل الأهم من ذلك، أن الجاهزية لما سنقوله لاحقًا، تتطلب شجاعة في الحاضر. شجاعة في الاعتراف، في الشفافية، في اتخاذ قرارات قد لا تكون شعبية، لكنها قابلة للدفاع عنها أمام ضمير الزمن. فالتاريخ لا يرحم الخطابات التي تُجمّل الواقع بقدر ما يخلّد تلك التي واجهته بصدق.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجّه اليوم إلى صُنّاع القرار ليس: كيف نُدير هذه المرحلة؟

بل: كيف سنرويها؟

لأن ما سنقوله غدًا… سيحدد كيف سيفهمنا من لم يعش معنا اليوم.

مساحة إعلانية