رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

348

م. حسن الراشد

التنمية المستدامة قيود أم تقدّم للدول النامية؟

04 أغسطس 2025 , 03:06ص

بدأت فكرة “الاستدامة” (Sustainability)، أو ما يُعرف اليوم بـ”التنمية المستدامة” (Sustainable Development)، في ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع صدور كتاب Silent Spring (الربيع الصامت) للكاتبة الأمريكية راشيل كارسون، الذي يُعد من أولى الدعوات البيئية الحديثة التي أثارت جدلًا واسعًا آنذاك. تطوّرت الفكرة لاحقًا في السبعينيات مع تصاعد الحركات البيئية في الغرب، حتى جاءت قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992 لتُكرّس هذا التوجه تحت غطاء دولي رسمي. وفي عام 2015، أعلنت الأمم المتحدة عن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، كخريطة طريق عالمية لتحقيق ما سُمّي آنذاك “نموًا أخضر” و”عدالة بيئية” بحلول عام 2030.

لكن، من وجهة نظري المتواضعة، فإن هذا المشروع العالمي، رغم ما يتضمّنه من شعارات براقة بيئية وإنسانية، ليس إلا “حقًا أريد به باطل”. فالدول الصناعية الكبرى، التي استنزفت موارد ومقدرات القارات لعقود طويلة دون ضوابط، تسعى اليوم إلى فرض قيود صارمة على الدول النامية الغنية بالموارد، بذريعة حماية البيئة وتحقيق الاستدامة. كيف يُعقل أن يُمنع بلدٌ في أفريقيا من استغلال ثرواته النفطية أو الزراعية أو المعدنية بحجة تقليل الانبعاثات الكربونية، بينما تواصل تلك الدول الصناعية إنتاجها واستهلاكها المفرط بلا محاسبة؟ أليس هذا شكلًا جديدًا من الهيمنة المقنّعة؟ لقد تحوّلت الاستدامة، بهذا الطرح، من مبدأ بيئي إلى أداة سياسية واقتصادية تُستخدم لفرض إرادة القوى الكبرى على حساب سيادة الدول وحقها المشروع في التنمية.

لقد أصبح مصطلح “التنمية المستدامة” Sustainability Development محورًا أساسيًا في الخطاب الدولي، لكنه يُثير تساؤلات جادة حول مدى عدالته ومصداقيته تجاه الدول النامية. ومن وجهة نظري، فإن هذه الشعارات التي تُروّج من قِبل الدول الكبرى والمؤسسات الدولية ذات النفوذ (كالبنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان)، تُستغل لفرض قيود على استغلال الدول النامية لثرواتها الطبيعية، سواء كانت معدنية، أو هيدروكربونية، أو زراعية، أو حتى حيوانية.

هذه القيود، التي تُفرض تحت شعار “الاستدامة”، قد تُعوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول، رغم ما حباها الله به من ثروات طبيعية عظيمة. بل وقد تحرمها من فرص الازدهار والرخاء، وتُكبّل طموحاتها في بناء مستقبل أفضل. وفي تصوري، فإن التنمية المستدامة المفروضة على الدول النامية الغنية لا تقل خطرًا على أمنها واستقرارها من التهديدات الإرهابية.

ينبغي أن تكون التنمية المستدامة أداة للتمكين لا وسيلة للتقييد. يجب أن تدعم هذه الدول، سواء كانت في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، وأن تُعزّز قدرتها على النمو والتقدّم، بما يراعي ثرواتها البيئية والاقتصادية والأمنية، لا أن تُستخدم كذريعة لحرمانها من حقها السيادي في التنمية.

آخر الكلام:

“إن الهيمنة ليست فقط شكلًا من أشكال السيطرة يتم فرضه بالقوة، بل هي أيضًا طريقة لترسيخ موافقة الخاضعين، من خلال النشر الواسع للأفكار والقيم التي تدعم مصالح الطبقة المهيمنة، بحيث تبدو هذه الأفكار وكأنها هي «الفطرة السليمة» أو الطبيعية».

— الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي

مساحة إعلانية