رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

357

هديل رشاد

إبستين.. فوق السلطة

04 فبراير 2026 , 02:30ص

رسخت الشريعة الإسلامية مبدأً جلياً واضحًا في أنَّ الإنسان مُكرّم، جسده وعِرضه وكرامته خطوط حمراء، والاعتداء عليها جريمة لا تُغتفر، كان الضحية امرأة أو طفلًا أو رجلاً، في الفقه الإسلامي، هتك العرض، واستغلال الضعفاء ليست ممارسات غير أخلاقية فحسب، بل جرائم توجب أشد أنواع العقاب، وتضع الجاني في مواجهة القصاص حماية للمجتمع من هذه الآفات وإحقاقا لمبدأ العدالة. على المقلب الآخر، يقدّم العالم الغربي نفسه اليوم بوصفه الحارس الأكبر لحقوق المرأة والطفل، ويُشيّد منظومة كاملة من القوانين والاتفاقيات والمؤسسات تحت هذا العنوان العريض، بل إن بعض الدول الأوروبية تذهب بعيدًا في التدخل داخل الأسر، إلى حد معاقبة عائلات عربية أو مسلمة بحجة حماية حرية الطفل، إذا ربّت أبناءها على العقيدة أو رفضت تمرير مفاهيم مثل المثلية بوصفها خيارًا طبيعيًا، كما في حالات أثارت جدلًا واسعًا في السويد، هناك، يُعاد تعريف الحماية، وتُستخدم سلطة الدولة لتقويم الأسرة بسحب أطفالها تحت بند إساءة المعاملة!، حتى لو كان ذلك على حساب ثقافتها أو قناعاتها.

لكن ماذا يحدث عندما ننتقل من الخطاب إلى الواقع؟ ماذا يحدث عندما ننظر إلى فضيحة جيفري إبستين، لا بوصفها قضية جنائية معزولة، بل كمرآة فاضحة لمنظومة كاملة؟ جيفري إبستين، الملياردير اليهودي الأمريكي صاحب النفوذ والعلاقات الواسعة، لم يكن مجرد منحرف أخلاقيًا كما حاول بعض الإعلام توصيفه، القضية بحسب ما ثبت في التحقيقات والوثائق القضائية وشهادات الضحايا، تتعلّق بشبكة استغلال جنسي لقاصرات استمرت سنوات، واستُخدمت فيها الأموال والنفوذ والاتصالات لحماية الجناة وتسهيل الجريمة، أحد أبرز مسارح هذه الجرائم كانت جزيرته الخاصة في جزر العذراء ، المعروفة باسم Little Saint James، والتي تحوّلت في التقارير الصحفية إلى رمز لانهيار كل الادعاءات عن حماية الطفولة. الفضيحة لم تتوقف عند شخص إبستين نفسه، بل كشفت عن دائرة أوسع من المتنفذين، وأصحاب سلطة ومال، شخصيات يفترض – بحكم مواقعها – أن تكون في صف مكافحة هذه الجرائم لا في صف ممارستها أو التستّر عليها، ومع أن إبستين الذي انتحر في محبسه عام 2019 في ظروف لا تزال مثار جدل، فإن شريكته المقرّبة جيسلين ماكسويل حُكم عليها بالسجن بتهم إغواء القاصرات، والاتجار بالأطفال لممارسات غير أخلاقية، والحنث في اليمين، بملف جنائي ثقيل ومخزٍ.

الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا – عبر المحاكم وطلبات النشر والضغط الإعلامي – فتحت نافذة على عالم مريب: عالم تُختزل فيه النساء والأطفال إلى سلع، ويُشترى فيه الصمت بالمال، وتُدار فيه الجرائم ببرود إداري يكاد يكون أكثر فظاعة من الجريمة نفسها، عالم يشبه ما كنا نراه في أفلام هوليوود ونظنه خيالًا أو مبالغة درامية، قبل أن نكتشف أن الواقع كان أكثر بشاعة، وأقل رحمة، وأكثر تنظيمًا.

ولا يمكن فصل عودة هذه الفضائح إلى الواجهة عن سؤال التوقيت، في السياسة، نادراً ما تكون الصدف بريئة، فتح الملفات بهذا الزخم الإعلامي يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام ضغط غير مباشر على الإدارة الأمريكية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتصاعد الحديث عن خيارات المواجهة أو الردع؟ أم أن ضخ هذا الكم من المواد الصادمة في الفضاء العام يأتي أيضا في سياق إعادة توجيه بوصلة الاهتمام العالمي، في وقت تتكدس فيه الجرائم اليومية في غزة وتخبو قدرتها على احتلال العناوين الأولى؟ فحقيقة معروفة في تاريخ الإعلام والسياسة: ما يُكشف، ومتى يُكشف، وكيف يكشف، أسئلة لا تقل أهمية عن مضمون ما يُكشف نفسه، فإدارة الأجندة الإعلامية جزء من إدارة الصراع، وأحيانا يكون فتح الملفات القديمة وسيلة لتشتيت الرأي العام، وصرف الانتباه عن مآسٍ في بقعة ما في العالم جارية لا تجد من يحميها من النسيان.

وهنا سؤال آخر، ماذا لو كان بطل هذه الفضيحة مسلمًا أو عربيًا؟ هل كانت المعالجة الإعلامية ستبقى في حدود قضية جنائية؟ أم كنا سنشهد – كما اعتدنا – تعميمًا ثقافيًا، وشيطنةً للدين الإسلامي «الإسلاموفوبيا»، وربطًا مباشرًا بين الجريمة وهوية الفاعل؟ هل كانت العناوين ستكتفي بإدانة الشخص، أم كانت ستذهب إلى اتهام الإسلام ذاته، والتشكيك في قيمه، وتصويره كدين لا يحمي المرأة ولا الطفل؟ الأرجح أن الإجابة يعرفها كل من تابع كيف تُدار الحملات الإعلامية في مثل هذه الحالات ومن يديرها.

وكان سيتم التركيز على المجرم لا على الجريمة!، وما يمثله ثقافياً ودينياً، وكانت ستُستدعى اللغة المشحونة، وتُفتح ملفات الهجرة، وتُقترح سياسات التضييق، وتُرفع الأصوات التي تطالب بالمزيد من المراقبة والعقاب الجماعي، أما هنا، في قضية إبستين، فالنقاش – رغم ضخامته – بقي محكوما بسقف محدد: مساءلة أفراد، بعضهم بأسماء محجوبة، وبعضهم بلا تبعات سياسية كبرى حتى الآن، هذا لا يعني أن الإعلام الغربي صمت بالكامل، ولا أن القضية دُفنت، لكن يعني أن المعيار ليس واحدًا، هناك فرق بين محاسبة شخص، وبين تحويل جريمة إلى أداة لإدانة ثقافة كاملة، وهناك فرق بين خطاب العدالة، وخطاب القوة الذي يختار متى يجعجع بالفضيحة ومتى يهمس بها.

الشريعة الإسلامية، التي يُساء تصويرها كثيرا في الإعلام الغربي، في ميزانها، الجريمة جريمة، والضعيف مُقدّم، والعدالة لا تُجزّأ بحسب هُوية الجاني أو مكانته، أما عالم اليوم، فيبدو – للأسف – أنه لا يزال يكيل بمكيالين: مكيال العدالة حين يناسبه، ومكيال القوة حين يريد أن ينجو الأقوياء من الحساب.

ختاما..

فضيحة جزيرة إبستين اختبار قاسٍ لصدقية الخطاب العالمي عن حقوق الإنسان، اختبار يؤكد أنَّ المشكلة ليست في نقص القوانين، بل فيمن يملك الشجاعة لتطبيقها على الجميع، بلا استثناء، وبلا حصانة سِياجها رؤوس الأموال قبل السلطة، لنقف أمام عدالة عرجاء وملف جنائي فوق السلطة.

مساحة إعلانية