رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الأساطير التي يروج لها البعض في وسائل الإعلام أن ثمة صراعا بين القاهرة وواشنطن وأن الأخيرة تحيك المؤامرات ضد النظام القائم في مصر.
(1)
يوم 27 يناير الماضي أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية بيانا ذكرت فيه أن اتصالا هاتفيا تم بين وزير الدفاع تشاك هيجل وبين المشير عبدالفتاح السيسي، تناول ثلاثة أمور، هي: الوضع بعد الاستفتاء على الدستور الجديد ومظاهرات ذكرى 25 يناير التي تخللها بعض أعمال العنف، والخطوات القادمة في العملية الانتقالية، أضاف البيان أن الوزير الأمريكي قدم للمشير السيسي العزاء في ضحايا العمليات الإرهابية وعرض مساعدة بلاده للإدارة المصرية في مواجهتها للإرهابيين.
هذا الاتصال لم يكن الأول من نوعه كما أنه ليس الأخير، ولكنه يحمل رقم 34 في الحوارات المستمرة بين الوزيرين منذ شهر يوليو الماضي، والتي باتت تتم بمعدل مرة كل أسبوع تقريبا، ومن قراءة البيانات التي تعلنها وزارة الدفاع الأمريكية نلاحظ أن الموضوع الأساسي في تلك الاتصالات هو تطورات الوضع السياسي الداخلي في مصر، الأمر الذي ينفي الأخبار التي تروج لها وسائل الإعلام المصرية، التي تتحدث عن تآمر أمريكي على مصر، ذلك أنه من غير المعقول أن تستمر الاتصالات وتنتظم على ذلك النحو في حين تمضي الإدارة الأمريكية في تآمرها على النظام الذي يتصدر المشير السيسي مقدمته.
إزاء ذلك فإنني أزعم أن العلاقة المصرية الأمريكية أعمق وأكثر تعقيدا مما تصوره وسائل الإعلام المصرية، التي كثيرا ما تعمد إلى اختزال المشهد وخلط أوراقه لأسباب متعلقة بحسابات الاستهلاك الداخلي.
(2)
أحتفظ بمقالة نشرتها مجلة تايم الأمريكية (في 18/8/2013) عنوانه «مصر لم تعد مهمة»، وفيه نقل كاتبه بوبي جوش عن جنرال أمريكي رفيع المستوى قوله إن مصر كانت بلدا مهما في الستينيات والسبعينيات لكنها لم تعد كذلك الآن، إذ كانت وقتذاك نقطة ارتكاز العالم العربي وأهم بلد فيه دون جدال. إلى جانب أنها كانت تشكل تهديدا لإسرائيل، إلا أن الشرق الأوسط تغير بعد ذلك، لكن مصر لم تتغير، حيث تراجع أداؤها السياسي والثقافي. وكانت نتيجة ذلك أن فائدة مصر بالنسبة للولايات المتحدة كمحاور عن العالم العربي تقلصت كثيرا. إضافة إلى أنها لم تعد تمثل تهديدا جديدا لإسرائيل.
هذا الكلام صدر بعد إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما في النصف الثاني من عام 2011 عن التزام بلاده استراتيجية «المحور الآسيوي»، التي في ظلها تركز الولايات المتحدة على التحديات والتهديدات التي تمثلها الصين بمؤشرات نموها المتصاعدة، التي ترشحها لأن تصبح القوة الاقتصادية العظمى في العالم بحلول عام 2017 (الاقتصاد الصيني ينمو بنسبة تتراوح بين 7 و10% سنويا في حين ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة تقل عن 3٪ سنويا).
في خلفية الكلام يكمن أيضا تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في نهاية عام 2012، الذي توقع اقتراب الولايات المتحدة من بلوغ الاكتفاء الذاتي النفطي في عام 2030. وذلك الاكتفاء يمهد لتراجع أهمية الشرق الأوسط في سلم أولويات الاستراتيجية الأمريكية. إلا أن فكرة استغناء الولايات المتحدة عن نفط الشرق الأوسط والتركيز على المحور الآسيوي ليست محسومة تماما في التفكير الأمريكىي. حتى إن «فورين بوليسي» تحدثت عن «ذبولها»، بعدما تبين أن التكلفة الباهظة للنفط غير التقليدي قد تقوض فرص إحلاله محل نفط الخليج، يؤيد ذلك أن وزارة الدفاع الأمركيية تبنت استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط أعادته إلى بؤرة الاهتمام إلى جانب المحور الآسيوي. تجلى ذلك في الإعلان عن إقامة مشروع قاعدة «درون» (الطائرات من دون طيار) الفخمة في صحراء النيجر إلى جانب إنشاء سلسلة قواعد عسكرية استخباراتية أمريكية في جيبوتي وجزر سيشيل وإثيوبيا وكينيا وأوغندا وموريتانيا وبوركينا فاسو.
هذا الاتجاه الأمريكي الأخير صوب تعزيز الاحتياطات الأمنية في المنطقة يبدو تحسبا لاحتمالات انطلاق شرارات العنف والتطرف في الشرق الأوسط وفي مصر بوجه أخص. على الأقل فذلك ما عبرت عنه مقالة نشرتها نيويورك تايمز في 6/1/2014 لاثنين من الخبراء الأمريكيين البارزين، هما: دانيال بنجامين مسؤول مكافحة الإرهاب السابق في الخارجية الأمريكية. وستيفين سيمون مدير مركز أبحاث الشرق الأوسط السابق بمجلس الأمن القومى الأمريكي. وهما يذكران أن الحرب المعلنة في مصر ضد الإخوان الذين نبذوا العنف منذ سبعينيات القرن الماضي تنذر بتجدد العنف في المنطقة وانتشاره في أقطارها، الأمر الذي من شأنه أن يستهدف المصالح الغربية والأمريكية ويقوض أمن إسرائيل.
(3)
في تحرير العلاقات المصرية الأمريكية التي تنسج من حولها العديد من الأساطير والأوهام، سأعرض خلاصة لشهادات لثلاثة من الخبراء المصريين الذين ضاع صوتهم وسط المزايدات والهرج السائد في الساحة الإعلامية المصرية، الثلاثة هم السفير إيهاب وهبة مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأمريكية، والدكتورة منار الشوربجي أستاذة العلوم السياسية المتخصصة في الشأن الأمريكي، والسيد محمد المنشاوي مراسل جريدة الشروق في واشنطن. في شهاداتهم أوردوا المعلومات التالية:
< في الاستراتيجية الأمريكية هناك خطان أحمران يحكمان علاقات واشنطن بالقاهرة. أولهما التعاون العسكري الذي يعد حجر الأساس للتصورات الأمنية الأمريكية في علاقاتها بأحد أهم أقاليم العالم. وفي ظل التعاون تتمتع الولايات المتحدة بوضع خاص على مستويات ثلاثة، هي: المرور في قناة السويس ــ استخدام المجال الجوي المصري ــ التعاون الاستخباري. والمعونات التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر هي بمثابة إسهام من جانبها في استقرار أوضاعها بما يسمح بالحفاظ على استمرار المصالح سابقة الذكر. الخط الأحمر الثاني الذي تحدث عنه الرئيس أوباما صراحة يتمثل التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل. وفي حديثه عن هذه المسألة قال إن أي اهتزاز لمعاهدة السلام يضع أمن إسرائيل بل أمن الولايات المتحدة على المحك.
< من هذه الزاوية يعد التعاون والتسهيلات العسكرية ومعاهدة السلام من الأصول التي لا تحتمل الاختلاف أو الاجتهاد في علاقات البلدين في ظل موازين القوة الراهنة، وكل ما عدا ذلك يعد فروعا قابلة الاختلاف والاجتهاد بما في ذلك من يحكم مصر أو السياسات الداخلية التي يتبعها الطرف الحاكم. بكلام آخر فإن استحقاقات الأصول في علاقات البلدين تعد من التكاليف الضرورية، أما ما عدا ذلك فهي أمور تحتمل التناصح فضلا عنها تظل من الأمور التحسينية إذا استخدمنا لغة الأصوليين.
< في الأمور الفرعية والتحسينية تلتزم الولايات المتحدة بقوانينها وحساباتها السياسية ويهمها استقرار الأوضاع في مصر، بصرف النظر عمن يحكمها، وليس ذلك حبا في سواد عيون المصريين بطبيعة الحال، ولكن لأنها تعتبر أن ذلك الاستقرار يؤمن مصالحها المتمثلة في التعاون العسكري وأمن إسرائيل.
< ليس صحيحا أن الإدارة الأمريكية انحازت للدكتور محمد مرسي أو تعاطفت مع حكم الإخوان. وكل ما قيل في هذا الصدد هو مجرد خيالات من صنع أصحابها (العبارة للزميل محمد المنشاوي في مقال له بتاريخ 1/7/2013). بل إن الإدارة الأمريكية لم تبدِ أي ترحيب بفكرة اجتماع الدكتور مرسي مع الرئيس الأمريكي، الذي لم يحرص على لقائه حين زار نيويورك في سبتمبر 2012 لإلقاء كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمرة الوحيدة التي كال فيها أوباما المديح للدكتور مرسي كانت بعد نجاح الأخير في تحقيق وقف إطلاق النار بعد الاعتداء الإسرائيلي على غزة في شهر نوفمبر عام 2012، فيما عدا ذلك فإن الإدارة الأمريكية دأبت على دعوة الرئيس المصري إلى تحقيق التوافق مع مختلف القوى والتيارات السياسية الأخرى، هذا في الوقت الذي ظل فيه الكونجرس أكثر المؤسسات الأمريكية عداء للإخوان ونظامهم.
< إقدام واشنطن على تقليص المساعدات أو تأجيل تسليم الطائرات للجيش المصري لم يكن موقفا مناهضا لنظام الثالث من يوليو بقدر ما كان تطبيقا للقانون الأمريكي الذي يقضي بحظر تقديم المساعدات لأي دولة تتم الإطاحة برأسها المنتخب من خلال الانقلاب العسكري، وقد جاملت واشنطن النظام الجديد حين ترددت في اعتباره انقلابا عسكريا. وانتظرت ثلاثة أشهر، لكي تنفذ قانونها الخاص بقطع المعونة. ثم سعت لتعديل القانون من خلال الكونجرس للاستمرار في إرسال المساعدات للدول الحليفة. وهذا ما حدث مع دول أخرى مثل باكستان وشيلي وهندوراس. بالتالي فليس صحيحا أن الإدارة الأمريكية ناصبت مصر العداء حين أوقفت المساعدات ولا هي عادت إلى رشدها حين استأنفتها، لأن لها في النهاية مصالح عليا تريد أن تستمر في الحفاظ عليها. وفي مقابل ذلك فهي ستظل تدعم من يحكم مصر، أيا كانت هويته طالما أنه لم يمس تلك المصالح (د. منار الشوربجي ــ المصري اليوم 23/1/2014).
(4)
أدري أن ثمة خلافات بين مصر والولايات المتحدة في الوقت الراهن، لكنها تظل في حدود الأمور التحسينية والفروع وليس الأصول المتمثلة في جوهر التحالف الاستراتيجي. إلا أنه يحلو للبعض من المتحمسين والمهرجين السياسيين أن يصوروا الأمر بحسبانه تحديا من جانب مصر للإدارة الأمريكية يستعيدون به في الأذهان نموذج المرحلة الناصرية ورمزها التاريخي. وهم في ذلك ينسون أن معركة عبدالناصر انصبت على الأصول وليس الفروع. حيث كان رافضا للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة من الأساس، وهو ما تورطت فيه مصر في عهد السادات ثم مبارك ولا يزال يكبل مصر إلى الآن. ولا ننسى أن ضم مصر إلى الدول الداخلة ضمن القيادة المركزية الأمريكية تم في عام 1983، بعد معاهدة السلام مع إسرائيل وأثناء حكم السادات.
إن ما بين القاهرة وواشنطن الآن ليس معركة حقيقية، وإنما هو مجرد خلاف في الفروع يتم في إطار التحالف الاستراتيجي بين البلدين، والادعاء بغير ذلك يعد ترويجا لأسطورة تخدع الجماهير وتدغدغ مشاعرها. وبالتالي فإن الحديث عن شخص عبدالناصر وتجربته في الوقت الراهن يعد بمثابة كذبة كبرى. لأن ذلك الحديث لا يجوز طالما ظلت مصر في داخل ذلك التحالف المشؤوم، الذي لن تستطيع مصر أن تتحلل منه إلا إذا كانت تملك شجاعة تجاوز الخطوط الحمراء. وتلك جولة لها شروط عدة لا أرى أيا منها متوفرا في الوقت الراهن إلا على ألسنة المزايدين وأغاني المطربين والمنشدين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8739
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2976
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2838
| 30 أكتوبر 2026