رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتفل الشرق اليوم بالعدد 10000 في مسيرة امتدت 28 عاماً، حفلت بتحقيق العديد من المكاسب، وانتقلت خلالها من مجرد صحيفة لا يتجاوز عدد صفحاتها 24 صفحة، إلى دار إعلامية متكاملة، إحدى أذرعها جريدة الشرق، التي بات متوسط عدد صفحاتها اليومية 84 صفحة، إضافة إلى ملاحق يومية، وأخرى أسبوعية، وإصدارات متعددة في كل مجال، وقبل هذا وذاك، كان التركيز بالدرجة الأولى، على المحتوى من حيث المهنية والمصداقية وأمانة الكلمة والتفاعل البناء مع المجتمع، أفراداً ومؤسسات.
لقد اختطت الشرق خلال مسيرتها خطاً واضحاً، وخلقت هويتها المستمدة من ديننا وقيمنا وأخلاقياتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وخصوصية مجتمعنا، وسعت خلال هذه السنوات إلى ترسيخ ذلك من خلال رسالتها بالكلمة والصورة، والانتصار لقضايا الوطن والمواطن، والدفاع عن ذلك بكل مهنية وموضوعية وشفافية، وبحرية مسؤولة، وكان لها السبق في قيادة مبادرات نوعية على أكثر من صعيد، اجتماعياً وتوعوياً وإنسانياً وخيرياً.
اليوم، ونحن نحتفل بالعدد 10000 لا نتحدث عن صحيفة تطبع في اليوم التالي لكي تقرأها شريحة من القراء، بل أصبحنا جزءاً من مؤسسات المجتمع الفاعلة والمتفاعلة، وتحولت تلك الصحيفة «الورقية» التي صدرت في الأول من سبتمبر عام 1987 إلى دار الشرق، التي تضم أذرعاً اعلامية.. صحيفة باللغة الإنجليزية.. وبوابة إلكترونية باتت المصدر الإخباري الأسرع محلياً.. وإدارة للنشر الإلكتروني، تقدم خدمات في الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي ليس فقط لمؤسسات وشركات الدار، بل هي لمختلف الجهات الراغبة في الدخول إلى عالم الإعلام الجديد.. وإدارة للإصدارات الخاصة وأخرى للإصدارات الأجنبية.. ومجمعاً لأحدث آلات ومكائن الطباعة لا تكتفي بطباعة مطبوعات الدار، بل هي اليوم تطبع نحو 13 صحيفة أجنبية توزع في قطر.. ومركزاً فنياً مجهزاً بأحدث وسائل تجهيزات الطباعة.. وشركة للتوصيل تقوم بتوزيع أكثر من 450 مطبوعة، ما بين يومية وأسبوعية وشهرية ودورية.. إضافة إلى أدوار وخدمات تقدمها الدار للمؤسسات والوزارات والأفراد.. وإدارة مختصة بتنظيم المؤتمرات والمعارض، تتولى الإشراف وتنظيم وإدارة العديد من المؤتمرات والمعارض الكبرى التي تقام في قطر.. وإدارة مختصة بكل ما يتعلق بتجهيزات المؤتمرات والمعارض.. وإدارة مختصة بالإعلانات...
إضافة إلى ذلك، فإن الفعاليات التي تحرص الشرق على تنظيمها انطلاقاً من مسؤوليتها المجتمعية باتت متعددة، وتهدف لخدمة المجتمع، وتتوافق مع رؤية قطر 2030، الساعية لتكامل الأدوار بين مختلف قطاعات المجتمع، من أجل نهضة شاملة، تقود الدولة ومؤسساتها وقطاعات المجتمع إلى مصاف الدول المتقدمة، فالإعلام شريك أساسي في بناء المجتمعات، وهو ما تستشعره الشرق بكل أجهزتها وإداراتها وشركاتها، وتضع كل ذلك في خدمة دولتنا الفتية بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، وقضايا مجتمعنا.
ومن بين الفعاليات السنوية التي تقوم دار الشرق بتنظيمها، وتحرص على إقامتها بشكل سنوي، مؤتمر المسؤولية الاجتماعية، الذي يتيح الفرصة أمام القطاعات المختلفة لطرح جهودها على هذا الصعيد، ومساهماتها في خدمة المجتمع، مع توثيق تلك الجهود والممارسات في إصدار خاص، والأمر نفسه مع مؤتمر سنوي تقيمه الدار وهو مؤتمر حقوق العمال، الذي يقام في الأول من شهر مايو متزامناً مع الاحتفال العالمي، الذي يجمع وزارات ومؤسسات الدولة مع مختصين، والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وممثلين لمنظمات دولية، والذي يمثل منصة لتعزيز وحماية حقوق العمال، والتكامل بين جميع الأطراف، مع إصدار كتاب يوثق كل تلك الجهود الحكومية من تشريعات وقوانين وأنظمة تخدم قطاع العمل والعمال.
ومواكبة للإعلام الجديد، فإن دار الشرق تقيم سنوياً كذلك ملتقى المغردين، الذي بات واحداً من أبرز الفعاليات على خريطة الفعاليات الإعلامية والثقافية العربية، ويشارك فيه نخبة من المختصين والإعلاميين وشخصيات بارزة محلياً وعربياً.
كل هذا التوسع الكبير الذي تشهده الشرق لم يكن ليحدث إلا بتوفيق من الله عز وجل أولاً، ثم بجهود ودعم سعادة الشيخ ثاني بن عبدالله آل ثاني رئيس مجلس إدارة دار الشرق، وسعادة الشيخ الدكتور خالد بن ثاني بن عبدالله آل ثاني نائب رئيس مجلس الإدارة العضو المنتدب، وأعضاء مجلس الإدارة، ومتابعة الأستاذ عبداللطيف بن عبدالله آل محمود الرئيس التنفيذي، والجهاز التنفيذي والإداري، وكل المنتسبين لهذه الدار، فالجميع يشعر بأنه أسرة واحدة، ويعمل بروح الفريق الواحد، وهو أمر في غاية الأهمية لنجاح أي مؤسسة أو شركة.
نحن اليوم أمام منظومة إعلامية متكاملة، تسهم بفاعلية في خدمة قضايا المجتمع، وتعمل جاهدة لبناء جسور، وخلق شراكات مع مختلف الأطراف، بهدف المشاركة الإيجابية في كل ما من شأنه خدمة المجتمع، وهي مسؤولية مشتركة بين الجميع.
إن جهودنا وبتوجيهات من رئيس مجلس الإدارة لن تتوقف، فعجلة التطوير والبحث عن كل جديد في عالم الإعلام مستمرة في دار الشرق، فنحن نؤمن بأن مجرد التوقف في مرحلة ما، فإن ذلك يعني التراجع، كون عالم اليوم، وما يشهده من تطور في جميع المجالات يفرض على المؤسسات مواكبة ذلك، وهو ما يجعلنا أمام تحدٍ يومي في عالم الإعلام في كل جوانبه، المهنية والتقنية، ويفرض علينا مواكبة ذلك لحظة بلحظة.
من أجل ذلك فإننا اليوم نعلن عن «مولود» جديد في عالم المطبوعات المتخصصة، وهو مجلة «أعناب»، التي ستكون رافداً مهماً للإعلام المطبوع، ليس فقط على الساحة المحلية، بل هي تخاطب القارئ العربي من المحيط إلى المحيط، فمن خلال هذه المجلة الشهرية المتخصصة في مجال الثقافة وما يدور في هذا الفلك المهم، وما تشكله الساحة الثقافية، فإننا سنعمل جاهدين على أن تكون هذه المجلة نوعية في الطرح والمضمون، وتقديم كل ما هو جديد، ونعتقد أن الساحة الثقافية والرأي العام بحاجة إلى مطبوعة تلبي تطلعات شريحة واسعة.
وحتى تكتمل منظومة الإعلام التي تعمل دار الشرق على تأسيسها، فإننا بصدد الإعلان عن تأسيس مركز الشرق للدراسات واستطلاع الرأي والتدريب، وهو قطاع مهم بحاجة إلى تغطية، وهناك حاجة ماسة لإيلاء هذا الجانب أهمية، لذلك سعت دار الشرق إلى إنشاء هذا المركز الذي نتطلع إلى أن يلعب أدواراً إيجابية في خدمة قضايا المجتمع، من خلال تقديم دراسات واستطلاع رأي حيال مختلف القضايا التي تتطلب ذلك، سواء من خلال النشر أو تقديم مشورات لجهات ترغب في ذلك.
وضمن «أجندة» الدار العديد من المشاريع التي تصب في خدمة مجتمعنا وقضاياه المختلفة، والتي نسعى أن تكون رافداً لدعم كل الأطراف الراغبة في ذلك.
لكن كل هذه النجاحات ما كان لها أن ترى النور، لولا فضل من الله وتوفيقه، ثم العلاقة الحميمية والتواصل الدائم بين الشرق والمجتمع، بقطاعاته وأفراده، الذين يشكلون المرآة التي نرى من خلالها أنفسنا، لكي نصحح مسيرتنا إذا ما أخطأنا في مكان، ونعزز حضورنا إذا ما وفقنا في مكان آخر، فمجتمعنا وقراؤنا هم الرصيد الحقيقي الذي نستند إليه في هذه المسيرة، فالشرق الجريدة والدار منهم وإليهم.
إننا نعتز بهذا الرصيد الكبير من العلاقات، ونؤكد أن الشرق ستظل تدافع عن قضايا الوطن والمواطن بكل أمانة وإخلاص، انطلاقاً من رسالتها ودورها في المجتمع، وقلوبنا قبل أبوابنا وصفحاتنا مفتوحة للجميع أفرادا ومؤسسات، من أجل خدمة قضايا مجتمعنا، فنحن جميعاً في مركب واحد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
4203
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1947
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1668
| 10 فبراير 2026