رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

111

رائد حمزة مقداد

أبي.. سامح تقصيرنا

02 يوليو 2026 , 10:45م

حقُّ الأب ليس مرحلةً تنتهي حين نكبر، ولا واجبًا مؤقتًا يسقط مع مرور السنين. حقُّه يبدأ مع أول نبضةٍ في قلوبنا، يوم حملنا بين ذراعيه صغارًا لا نعرف من الدنيا شيئًا، ولا ينتهي إلا حين يُوارَى الثرى وتبقى صورته في أعماقنا وجعًا وحنينًا لا يهدأ. يا أبي… كنا صغارًا فكنتَ لنا العالم كله. كنتَ اليد التي تمسكنا إذا تعثرنا، والصوت الذي يطمئننا إذا خفنا، والظل الذي يحمينا من شمس الحياة القاسية. كنتَ تسهر لننام، وتجوع لنشبع، وتتعب لنرتاح. كنا نراك قويًا فلا نفهم أن القوة كانت تُستنزف منك كل يوم لأجلنا. كبرنا… وكبرت معنا همومك. لكننا – ويا للحسرة – لم نكبر بما يكفي لنفهم تعبك. أخذتنا الدنيا، وألهتنا أنفسنا، وصرنا نظن أن حقك انتهى حين اشتدت أعوادنا. نسينا أن حاجتك إلينا لم تكن يومًا مالًا ولا خدمة، بل كلمةً حانية، نظرة تقدير، جلسة قرب، حضنًا يردّ إليك بعض ما منحتنا. حقُّ الأب علينا أن لا نرفع أصواتنا فوق صوته، ولا نكسر خاطره بكلمة، ولا نُشعره أنه أصبح زائدًا عن الحاجة. حقه أن نراه كما كان: عمود البيت، وأساسه، وسوره الحامي. حتى لو انحنى ظهره، وحتى لو ضعفت خطاه، وحتى لو ارتجفت يداه… يبقى هو الجبل الذي احتمينا به يومًا. كم يؤلم أن يجلس الأب في زاوية البيت صامتًا، وكأن وجوده أصبح تفصيلًا عابرًا. كم تحرق القلب تلك اللحظة التي ينادي فيها فلا يُجاب فورًا، أو يتحدث فلا يُصغى إليه كما كان يُصغى له. أهذه مكافأة السنين؟ أهذا جزاء العطاء الذي لم يعرف حدودًا؟ حقُّ الأب علينا أن نكون عكازه إذا وهن، وعينه إذا ضعف بصره، وأذنه إذا ثقل سمعه، وكتفه إذا مال به التعب. أن نمشي إلى جانبه لا أمامه، وأن نحتضنه لا أن نتركه يصارع الشيخوخة وحده. حقه أن نُشعره أنه ما زال مهمًا، ما زال سندًا، ما زال قلب البيت النابض. يا أبي… إن قصّرنا فسامحنا. إن جفوناك يومًا بغير قصد فاغفر لنا. إن شغلتنا الدنيا عنك فوالله ما نسينا فضلك، لكننا تأخرنا في ردّ الجميل. وكم نخاف أن يسبقنا العمر، أو يختطفك الموت، فنقف على قبرك نبكي ونقول: ليتنا أعطيناه أكثر، ليتنا بقينا بقربه أطول، ليتنا قلنا له كم نحبه. حقُّ الأب لا يسقط بضعفه، بل يزداد. لا يقلّ بشيخوخته، بل يتعاظم. من صغرنا إلى مماتنا، نحن مدينون له بدعوةٍ صادقة، وبرٍّ لا ينقطع، ورحمةٍ تليق برحمته بنا. فلا تجعلوا آباءكم يذبلون في صمت، ولا تتركوهم فريسة جفاءٍ أو حرمان. اقتربوا منهم، قَبِّلوا جباههم، أمسكوا أيديهم، قولوا لهم إنكم تحبونهم. فدمعة الأب التي يخفيها في عينيه خوفًا علينا، أثقل عند الله من كل تقصيرنا. الأب… حقه في أعناقنا ما حيينا. فإما أن نؤديه حبًا ووفاءً، أو نحمله حسرةً وندمًا حتى نلقاه. وفي الختام… يا أبي، لك من قلوبنا حبٌ لا يحدّه زمان، وامتنانٌ لا تكفيه الكلمات، ورحمةٌ ندعو الله أن يكسوك بها كما كسوت طفولتنا أمانًا وحنانًا. نسأل الله أن يجزيك عنا خير الجزاء، وأن يمد في عمرك بالصحة والسكينة، وأن يجعل برّنا بك نورًا لك في دنياك وآخرتك. سنبقى إلى جوارك، نحيطك بدعائنا، ونغمر أيامك بلطفنا، ونردّ لك بعض جميلك، وفاءً وصدقًا ورحمةً لا تنقطع.

مساحة إعلانية