رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل يدرك العرب ونحن على أعتاب سنة 2013 أن الوضع الأمريكي الاقتصادي الداخلي مهدد بهزة عنيفة سوف يفقد فيها مليون مواطن أمريكي شغلهم وبأن الجدل قائم اليوم في أروقة القرار الأمريكي حول احتمال نشوب حرب نووية إقليمية (في الشرق الأوسط وبين الكوريتين) وبأن الاتحاد الأوروبي مهدد بسن سياسات مالية مناقضة لدساتير الدول الأعضاء بإسناد آلاف المليارات من اليوروات لليونان ولإسبانيا وللبرتغال ولإيطاليا، ومهدد إما بفتح الحدود في وجوه الملايين من فقراء أوروبا الشرقية سابقا أو بغلقها، وفي كلا الحالتين فإن القارة المرفهة سابقا ستمر بمرحلة فوضى وانعدام أمن ولعل البناء الوحدوي الأوروبي سوف يبلغ شفا الهاوية بانتهاء العملة الموحدة والتراجع عن ميثاق (ماستريخت) وهو ما سينعكس سلبا على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض أي علينا نحن العرب، ثم هل يدرك العرب أن الرئيس بوتين أعطى الأولوية هذه السنة لمضاعفة ميزانية الدفاع وتخصيص مبالغ ضخمة للتوسع النووي وبأن الصين تحولت إلى أول قوة صناعية وتصديرية وأول مستودع للدولار في العالم وبأن برنامجها لغزو الفضاء أصبح ينافس أو يفوق البرنامج الفضائي الأمريكي وبأن كوريا الشمالية أطلقت بنجاح صاروخها محملا بالأقمار العسكرية التجسسية وبأن حلف الناتو وافق على نصب درع صاروخية من الباتريوت على حدود تركيا مقابل سوريا وإيران والعالم العربي! هل يدرك العرب بأن إسرائيل اعتبرت على لسان خبرائها بأن الربيع العربي يصب في صالحها لمجرد أن حماس غادرت سوريا وأن حزب الله معرض للاختفاء من دون الدعم السوري والإيراني وأيضا لأن الرئيس الإسلامي محمد مرسي واصل العلاقات مع الدولة العبرية وأرسل سفيره إلى القدس المحتلة محملا برسالة تقليدية موجهة إلى "الصديق العظيم شيمون بيريز" حسبما تقتضيه نواميس الدبلوماسية وهل يدرك العرب أيضا بأن التحولات الكبرى في الربيع العربي نتجت عنها حالات غير متوقعة من الانفلات الأمني والركود الاقتصادي وانحباس الاستثمار والسياحة وبأن إيران تواجه في أي لحظة هجوما على منشآتها النووية!
هذا هو المشهد الدولي المحيط بالعرب وهو لا يبعث على الاطمئنان والتفاؤل ولذلك أطلقت عليه نعت بحر الظلمات (وهو الاسم الذي أعطاه قدماء الجغرافيين العرب للمحيط الأطلسي) فبالفعل تبحر اليوم سفينة العرب في لجج هذا اليم متلاطم الأمواج دون أن يدرك ربانها (أي نخبتها) حقيقة المخاطر التي تهدد أي سفينة فقدت البوصلة وتلاعبت بها العواصف الهوجاء. وعوض أن نهتم بهذه المخاطر ونقرأ الحالة الإقليمية والدولية بما وهبنا الله من بصيرة وعوض أن نعدل ساعاتنا على توقيت هذا العصر المتشعب العسير وعوض أن نشرع جميعا في الاستجابة الفورية والاستعجالية لمطالب أولئك الشباب العرب الذين قدموا أرواحهم وبذلوا دماءهم من أجل "هاته اللحظة التاريخية" كما قال المواطن التونسي ذات يوم انصرفت أغلبية النخبة إلى إذكاء الصراع من أجل احتلال المواقع القيادية وممارسة حكم الشعب دون الحصول على وفاق واسع ومؤهلات ضرورية وبسرعة تم تعويض الكلمات في الحوار باللكمات وكيل تهم التخوين لبعضهم البعض وألغت هذه النخب التي كانت في المنافي والسجون متسامحة ومتضامنة فضيلة التفكير وتسلحت بأدوات التكفير وفهم بعضهم حرية التعبير فهما مستوردا، فنزلوا برموز الدولة إلى حضيض السخرية والتحقير بينما الإعلام في الدول الغربية الديمقراطية لا يهتك عرضا ولا يمس حميمية ولا يتجاوز حدا حتى لو ابتكر مسرح الدمى وأبدع في الكاريكاتور.
ثم انتقل هذا العنف اللفظي إلى مرحلة الاعتداء على الأنفس والأرواح وحين تضعف الدولة وتتردد مؤسساتها ويتلعثم جهازها الأمني ويتحزب جهازها القضائي فإن اليد العليا والكلمة الفصل تصبح للميليشيات وتصبح المبادرة للعصابات ويصبح الخروج عن القانون رياضة شعبية ولو صدقت هذه الأخبار المخيفة القادمة من تونس ومفادها إحباط مشروع عمليات خطف وتصفية ذات طابع سياسي وإجرامي بنفس أساليب عصابات المافيا والألوية الحمراء! فإننا نجد بلادنا في حالة خطيرة متقدمة من الفتنة لا قدر الله ولا يظنن المواطن التونسي أن هذه الحالات غير مسبوقة أو أن العنف ظاهرة دخيلة تماما على بلادنا كما يدعي البعض عن حسن نية وأن تونس في مأمن مضمون من الهزات العنيفة لأن وطننا المعروف بالوداعة والحكمة عاش في القرن الثامن عشر حربا أهلية دامت ثلاثة عقود بين الباشية والحسينية بدأت عام 1724 بثورة علي باشا على عمه حسين بن علي من أجل العرش وتقاتلت القبائل التونسية على مدى ثلاثين سنة من الفتنة والحقد ويروي المؤرخ ابن أبي الضياف في كتابه القيم (إتحاف أهل الزمان لملوك تونس وعهد الأمان) فظائع تلك الفتنة التي تفوق الوصف في الشراسة والشر والانتقام الوحشي والتمثيل بجثث الضحايا، ثم جاءت مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين فعاش التوانسة فتنة ثانية بين اليوسفية نسبة إلى الزعيم صالح بن يوسف والبورقيبية نسبة إلى الزعيم الحبيب بورقيبة وراحت في هذه العشرية (1954-1962) آلاف أرواح الأبرياء والمناضلين هباء من أجل الزعامة وفتنة الحكم. فتونس لم تكن استثناء مع الأسف في تاريخها البعيد أو القريب من مثيلاتها العربيات ولعلها تقع فيما وقعت فيه بلدان عربية كثيرة من طائفية من صنف جديد أي عوض الانقسام بين سني وشيعي كما العراق أو بين مسلم ومسيحي كما لبنان، سيكون انقسام التوانسة لا قدر الله بين إسلاميين وعلمانيين تحت شعارات فضفاضة وحجج مزورة تدخل بمجتمعنا منعرجا مشحونا بالمخاطر والمزيد من الهزات يكون فيه كل فعل وكل رد فعل مبنيا على العنف والعنف المضاد خارج القانون وخارج الأخلاق بل وخارج التاريخ. فاعتبروا يا أولي الألباب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15102
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1449
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
813
| 10 فبراير 2026