رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس عيبا ان يعيد مجلس التعليم أو على وجه الخصوص "هيئة التعليم ومكتب المدارس المستقلة" مراجعة أوراقه ولا اخالها في المجلس مبرأة من إشكاليات التعليم التي تواجهها المدارس المستقلة والإحباط واليأس الذي وصل له اصحاب التراخيص والمعلمون والطلاب، ولا اظن ان هيئة التعليم أيضا منزهة عن ضرورة تقييم دورها وأدائها من جهة محايدة خارجية اعلى منها خصوصا ونحن نخوض أوج زمن الشفافية والرقابة الادارية باعلان هيئتها في قطر، فضلا عن ضرورة فتح مجلس إدارة التعليم ملفات الهيئة خصوصا انه مرؤوس من قبل اعلى هرم في الدولة لا نعني تلك الملفات التي تزينها نقوش المسؤولين، فقاعدة المثل الشعبي تقول "ما يمدح العروس الا عجافتها" وقد يرصد في التقارير حصاد امثلة للنجاح فقط دون تقارير عامة شاملة ومحايدة علما بانها غالبا ما ترصد فقط التقدم او التأخر المحرز في معايير تعليم الطلاب رغم ان هناك معايير اخرى مغفلة.
بعد مرور اكثر من عقد على نظامها في قطر يجب عدم غض الطرف عن الرأي العام تجاهها بحيث يشمل رأي كل من المعلمين واصحاب التراخيص والطلاب بل واعضاء مجلس الأمناء ايضا ما داموا شركاء في العملية التعليمية قبل تلقي المسؤولين الكبار فقط تقارير الاداريين في الهيئة، مسح رأي شفاف بعيد عن عقدة الخوف والوجل على الرزق من قبل البعض وبعيد عن النفاق ومسح الجوخ لدى البعض الاخر، وبعيد عن التلميع والتضليل لدى الآخرين.
نشكر صاحب السمو الامير، وسمو ولي العهد على زيادة رواتب المعلمين اسوة بغيرهم، كما نجزل الشكر على رفع لائحة رواتب المعلمين داخليا وهذا عامل يسهم في رفع اداء ودافعية المعلم التي كان حقا أول من يستحقها في اصعب وأشقى مهنة. ولكن مع زيادة الرواتب لم يفرح المعلمون ولم نفرح نحن على مستقبل ابنائنا فهناك خلل ما يكتنف سياسة او آلية التطبيق او يعكس سوء تقدير من هيئته المختصة في التعليم.
بعد ان استبشرنا الا ان واقع المدارس في قطر حاليا لا يبشر بالخير، فليس المعيار الوحيد الذي نقيس عليه تطوير التعليم هو رفع المعايير لتجابه المعايير الدولية والحرص على رفع كفاءة المتعلمين فحسب لأننا في ذلك نتعامل فقط مع معيار واحد لا يمكن تحقيق نتائجه الا بتحقق معايير اخرى اهمها المعايير البشرية والمهنية وبيئة العمل المحفزة لا الطاردة والمنفرة التي لم يلتفت لها المجلس سوى فيما يطالب به المعلم أو صاحب الترخيص من شروط يجب ان يحققها لنيل الشرف العظيم والدرجة العليا التي لا تضاهيها درجة في وظيفته المزمعة كمدرس ومربي اجيال او اداري او مدير مدرسة اذا قارنا الفقير المستضعف بغيره من موظفي الادارات الحكومية.
اما التفات هيئة التعليم لبيئة العمل السليمة والأمن الوظيفي للكادر التعليمي والاداري وادارة الافراد والعلاقات المؤسسية الناجحة بينهم فهذا آخر ما تلقي له الهيئة اية اهمية، بل لا نبالغ اذا قلنا ان بيئة العمل من شدة التنفير حفزت الصراع وترقب كل فريق لغيره فتفاقمت المشاكل ولن نقبل ان يكون المتعلم ولا حتى المعلم ضحية فهما وجهان لعملة واحدة..
وسأبدأ من معاناة الطلاب رغم انني متعاطفة جدا مع المعلمين واصحاب التراخيص اولا وقبل كل شيء لإيماني بانهم رسل التربية والتعليم ومربو الاجيال الذين نعول على نتاجهم متى ما سلمت بيئته من اي نوع من انواع التنكيل والتضييق. ولانهم لو فقدوا الامن والامان وفقدوا تقدير الذات فلن يحصد ابناؤنا سوى الحنظل.
يصيح نفر من الطلاب من عدم وجود مدرسين في بعض المدارس وتعدد اطياف المعلمين الذين يمرون عليهم في ذات المقرر في العام الواحد جراء السياسات الجديدة في التعيينات والعقود بل والتفنيشات المفاجئة فلا امن معلمين ولا امن متعلمين؟.
أما اصحاب التراخيص فقد أُخذوا على غرّة يوم أن أجبروا على الاستقالة بذريعة انهم ينتمون الى جهتين مختلفتين وهم تحت ذات القبة "وزارة او مجلس" لعبة مسميات! ولم يعلموا مغبة الامر الا بعد ان خضعوا لاستقالة اجبارية تحت قوة صياغة الرسالة التي وردتهم حتى يتم تسكينهم على الكادر الاداري دون النظر لسنوات خدمتهم السابقة التي تدرجت في السلك الاكاديمي لا غيره من مدرس إلى منسق وصولاً إلى نائب ومن ثم مدير سكن قسرا وقهرا على كادر اداري براتب أساسي أقل من مرؤوسه الموظف الاكاديمي الذي يليه في الدرجة الثالثة وهي ادنى من درجته وبراتب اقل منه في "مكافأة عجيبة له" على سنوات عجاف طويلة لم يعمل فيها سوى مدرس بتفان واخلاص وعندما اراد ان يقطف الثمرة اصبح اداريا بالاكراه فلا نال عنب اليمن ولا بلح الشام في حسنات الزمنين باختلافهما!!!!
بينما تم تسكين جميع موظفي المدارس من القدامى المعارين آليا دون اجبارهم على الاستقالة؟ اننا نعجب كيف تتم الاستقالة من والى ذات المظلة بذريعة الانتماء الى جهتين مختلفتين؟ افيدونا ايها الناس! هل عملية الاحلال من وزارة الى مجلس لذات التربية والتعليم هي لجسمين مختلفين وتحت رئيسين مختلفين؟ ولماذا طلب من البعض ان يستقيل وترك الآخرون؟
وهل يعقل أن يحرم صاحب الترخيص من علاوة بدل طبيعة العمل بينما تم اقرارها لجميع كادر المدارس من السلك الاكاديمي؟ هل يعقل أن يكون مجمل راتب صاحب الترخيص 44000 للأعزب و48900 للمتزوج بينما وصلت رواتب الكادر تحته إلى ما يزيد على 56000؟؟!!
ومن ثم ومن وجهة نظر الشركات الإدارية المعروفة دوليا في تقييم طبيعة الوظائف وفي تقييم خبرات وسنوات خدمة الموظف وفقا لها ووفقا لما تقره لوائح الموارد البشرية واللوائح الادارية، هل يُعقل أيضا أن يُسكّن جميع أصحاب التراخيص رغم تفاوت خبراتهم على نفس الراتب الأساسي دون وضع أي اعتبار لتفاوت سنوات خبرتهم وخدمتهم؟ إنه ظلم وظيفي وغبن للجهود والعمر المهني في الخدمة الوطنية.
ثم نشعر اننا في "حَيْصَ بَيْصَ" في ان مكتب المدارس المستقلة يضع معايير وسياسات العمل لاصحاب التراخيص ومن ثم يُترك له وحده تقييمها..
ما دور هيئة التقييم في المجلس اذاً تجاه تقييم سياسات العمل ومعاييره؟ كيف تكون مكاتب هيئة التعليم وبشكل خاص مكتب المدارس المستقلة هو الخصم والحكم في آن واحد؟ دون تقييم من جهة محايدة؟ أم هو صراع الاقارب بين هيئتين هما التعليم والتقييم كصراع حرب البسوس بين قبيلتي بكر وتغلب في جاهلية اخرى اعنف؟ هل هناك تعارض في الادوار ام هو صراع يطول داخل اروقة المجلس افضى الى هذه الفوضى غير الخلاقة التي تنتظر احد احلاف القبيلة ورجالاتها ليصلح الحال كما في حرب داحس والغبراء.
ولماذا توكل مهمة تقييم اداء المدير والمرخص ايضا لادارة التعليم فقط ولماذا يكون معيار قياسه واحدا فقط هو مخرجات الطلاب ونتائجهم ونحن نعلم ان كل مدرسة تختلف عن غيرها سواء في تركتها او سمعتها او ادائها او في عدد ملتحقيها او حتى مستوى من هبّ ودبّ من طلابها سلفا او في موقعها السكني أو تشتت مبانيها او تعددها او حتى جنسيات ملتحقيها ولغاتهم وثقافاتهم او حتى في نوع المخرج باختلاف المرحلة الدراسية؟ دون مراعاة لاثر ذلك كله على التقييم ودون حسبان قيمة المعايير الاخرى الادارية والمالية والفنية والمهنية والتعليمية والثقافية والانشطة اللاصفية وبيئة العمل وعلاقات وادارة الافراد وبث روح الفريق؟،هذا حين توكل هذه المهمة لهيئة التعليم الا انه لا يتم تقييمها من قبل مكاتب هيئة التقييم إلا مرة واحدة فقط كل ثلاث سنوات! فلماذا لا يُوازَى تقييم المرخص بتقييم العملية التعليمية الذي يقاس كل عام اولا باول من قبل هيئة التقييم؟ مع اعطائه مؤشرات القياس من قوة وضعف للتطوير عاما بعد عام؟
هناك نقاط ضعف كثيرة مهنية وملاحظات حقوقية لا يسعها مقال واحد نتمنى ان يتسع لها صدر هيئة التعليم واننا هنا في طرحها نرفع القضية امام سمو رئيس المجلس ونناشد مجلس الادارة التحرك قبل ان تأكل المدارس الاخضر واليابس وتقضي على البقية الباقية من رمق حفظ هيبة التعليم في قطر، خصوصا أن معظم ابنائنا وابنائكم ايها المسؤولون لا ينتمون الى طبقة التعليم الحكومي، فهل يعكس هذا انحسار ثقتنا بمسيرة تعليم تعشمنا بها خيرا؟ وهل يعكس ايضا في مفارقة عجيبة ضعف إيمانكم بما عضضتم عليه النواجذ وتشبثتم بكرسيه ودافعتم عنه بحرارة؟
للحديث بقيّة
كاتبة وإعلامية قطرية Twitter: @medad_alqalam medad_alqalam @ yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4872
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026