رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو تعبير الاغتراب داخل الوطن هو التعبير الدقيق لوصف حالة التباين بين ما يجري وبين حالة الأمل التي تجلت بشائرها في وقائع الثورة العربية المعاصرة في تونس ومصر، ولم ينجح ما تبعها من وقائع دامية أو تداع يبعث على الريبة وتمييز من جديد بين معنى الثورة ومعنى الدماء التي قد تودي باحتياج الشعب إلى التغيير وهدفه لتحقيق حياة كريمة إلى أبواب جديدة للانشطار والتجزئة والتفتيت للمكونات الاجتماعية وللأقطار العربية ذاتها، لم ينجح هذا في حصار جذوة الشباب الجديد والذي تجاوز القديم بمكوناته السلوكية ومفاهيم الهزيمة والانصياع التي يمكنها أن تكون قد استحوذت على أغلب القديم.
وقد يكون تعبير اغتراب اللغة، بمعنى أنه الاعتقاد بأن نطق الكلمة يعادل التجربة، هو مرافق وباعث على الإحساس بالاغتراب داخل الوطن.
ما زالت تجربة الإشراف على انتخابات نقابة المهندسين والتي تستحوذ من يومي 18 ساعة غير زمن الانتقال، أيضاً تنتقل بي بين مواقف وألوان من البشر كما لو أننا اقتطعنا شريحة رأسية داخل المجتمع وندرس فيها ما يجري في المجتمع بأثره، مازالت هذه "المهمة ـ التجربة" تطرح كل يوم تأكيدا أن الحراسة على النقابات المهنية كانت لازمة ومتوافقة ومماثلة في الأثر كما كانت الحراسة على الوطن ككل، ولم يكن الفساد وسرطنة المجتمع وانهيار الأداء والانتماء وتغيير السلوك إلى الأدنى بأمر يحدث في قطاع ولا يتم في قطاع دون الآخر، ولكنه كان منهج تعامل مع المجتمع ككل وأسلوب حكم عجز عن التواصل مع الشعب فاتخذ من الإفساد وتغليب المصالح الخاصة سبيلا لخلق طبقة معاونة وعازلة بينه وبين المجتمع.
الغريب أن الفترة الانتقالية داخل نقابة المهندسين تماثل الفترة الانتقالية داخل الوطن، بذات البدايات وذات الأداءات، وهو ما يعني غياب الرؤية والقبول بأداءات لا تبني التغيير على أسس راسخة، مما يعني الاغتراب أيضاً لمن تولوا الأمر عن حقائق ومفاهيم مبرر وجودهم في إدارة الفترة الانتقالية، وكأن لعنة "البشري" بما أطلقوا عليه الصناديق تطارد كل مطلب للتغيير أينما وجد، وصار الثأر من ميراث النهب هو الثقب الأسود الذي يستنفذ القدرات والعقل والتصور، وكأن صورة التحكم أو محاولته تنتقل أيضاً إلى الشريحة المهنية، وتماثل وجود الفلول أن قبلنا بهذا اللفظ تعبيرا عن أركان النظام السابق بين قوي الشعب، كأنهم تعبيرا آخر عن قديم معاد لا يريد أن يستسلم بل يحاول استعادة سيطرته على الواقع الجديد، والغريب أن الانشطار كما نال السياسيون في المجتمع، فقد نالهم أيضا داخل النقابات وأسقطوا من ذاكرتهم علاقة جمعت بينهم وهم يخوضون معركة إنهاء الحراسة على نقابتهم وصار التمايز والانفصال هو السمة الغالبة والدافعة إلى التناحر.
وتبدو الأجهزة الوظيفية داخل هذه المنشآت مماثلة لجهاز الدولة البيروقراطي، لا يرقى إلى مستوى ما يتولاه من مسؤوليات، قدرة وأداء، ولا هو بقابل لتغيير أنماط السلوك إلى الأفضل، فيصبح هو المشكلة التي تستنفذ جهد الأداء بآلياته، وعدم الوعي بضرورة تغييره بما يتوافق والمهام الملقاة علية، والتي يمثل تحقيقها الأساس لإجراء التغيير.
كلما اكتشفنا أن تجاوزا قد جرى بالإهمال أو بعدم التكليف به خلال فترة الحراسة تجاه الإجراءات النمطية للعملية الانتخابية، ردد الكل سواء كانوا من الفلول أو من الشباب المتطوع للأداء، قول: لم يكن الحارس يقصد إجراء الانتخابات ولكن الدعوة إلى فتح باب الترشيح الانتخابات كانت "مناورة" لا تعني دلالة عن يقين بوجوب نقل السلطة إلى مجلس منتخب للنقابة، وصار الأداء بذات الأدوات البشرية والآليات المتاحة نوع من ترقيع ثوب ملئ بالثقوب، وهي ذات الحالة داخل الوطن بأسره.
وبديلا عن مهمة ومسؤوليات إجرائية وفق القانون واللوائح فقط، صارت المهمة إبحار في بحر الرمال المتحركة، إبحارا هو في ذاته مغامرة، حددوا لها زمنا قاطعا وصموا الأذان عن احتياجاتها من وقت وترتيب وقرارات، وانغمسوا في روايات وأداء يحدث من الضجيج ويحمل من الأسماء غير ما ينجز من مهام.
يصطدم الأمل بالواقع الذي يحول دون تحققه بالعجز عن وضع تصور أساسي للمهام، الأمر الذي أدى إلى تضخم المسؤولية، ودفع بالأداء إلى البحث في التفاصيل الدقيقة، بل وترميمها لعبور بحر الرمال المتحركة.
هكذا ساد الاغتراب مناحي الوطن كيانا ومؤسسات، وصارت المسؤولية تتجاوز حد تحقيق أهداف لها بريقها، إلى مسؤولية أخرى تحول دون الغرق في أوهام بحر الرمال المتحركة.
قد يدعي البعض أن هذه الرؤية جاءت ابنة ثقافة الشك ونظرية المؤامرة، ولكن عندما نري أن هذه الرؤية للأحداث يجري تداولها بين شباب دون الثلاثين، ندرك أننا أمام زهور تتفتح تقبل بالتحدي تدركه بالوعي والقدرة على سبر أغوار التصرفات والإجراءات وحتى الكلام الذي يحمل من الهدف الشكل وليس الموضوع والمعني، وغير أنها تقبل بالتحدي، لتحقيق الهدف بأداء أكثر واحتشاد أكبر، كما ونوعا، بينما ينغمس الجيل السابق عليهم في مجرد المهام الانتخابية دون ربطها ببناء أسس متينة تضمن تحقيق مهمة الانتخابات في صورتها الأمثل، وينقسم الجيل السابق بين ساع إلى المنصب، وبين ساع إلى إيقاف العملية الانتخابية بأحكام قضائية، رفاق الأمس فقدوا قدرة الحوار والتفاهم، فمارسوا أداء الخصومة التي أدت إلى تجميد النقابة 16 عاما خارج نطاق خدمة المهندسين أصحاب الحق الأصيل فيها، وخارج مهمتها الوطنية في كونها الاستشاري الأول للدولة في مشروعاتها المهدرة بأيد فسدت ومازالت فاسدة.
الموقف داخل الوطن تجاوز الاحتكام إلى القضاء إلى الاقتتال بين القضاة والمحامين، وبلغ الأمر أن طلقات من الرصاص انطلقت بديلا لحوار العقل، وكأننا بصدد هدم المعبد علي رؤؤسنا، وكأن كل منا قد بلغت به نزواته حد إهدار قيمته الذاتية وقيمة الوطن الذي يحتاج جهدا متصلا ومترابطا، سعيا إلى انتصار لوهم تملكه أن هناك فرصة لقنص الوطن والفرصة المتاحة لإحداث التغيير، حتى التف على جثة الوطن ينهشها وينافس باقي الوحوش المفترسة ليس كما يحلوا للبعض أن يسميه اقتسام التورتة بل أقرب إلى التحول لنهش جسد ملقى في عرض الطريق كما تصور الأفلام مشهد آكلي اللحوم يرقصون حول جسد مقيد لينتهوا به طعاما لهم.
أن تشهد مصر وقائع البلطجة أمر قد نقبل به، ولكن أن نجد صراعا بين جناحي العدالة وبالرصاص بديلا للكلمة فهذا دلالة غياب الوعي وعدم إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع، وأولهم القضاء الذي يتحمل مسؤولية الفصل بين الثورة والنظام السابق، ويتحمل نفر من المحامين مسؤولية التعبير عن إرادة الثورة في مواجهة محامي القتلة الذين يدعون أنهم يحاولون تحقيق العدالة.
مركب يثقبونه بأعصاب باردة، وليسوا ممن أتاهم الله علما من لدنه.
لم يعد هناك وقت للحديث عما يحدث في الانتخابات النيابية، ولكن من الواضح للعيان أنها السبيل لاستعادة النظام السابق لسلطته، عبر استخدام منحرف لكلمة الديمقراطية، وقعت في براثنه كافة الأطراف، وصار الجميع يضربون بمجاديفهم للإبحار عكس رياح التغيير التي دفع الشعب ثمنها دماء أبنائه.
عكس هذا الثقب الأسود الذي صنعه التباطؤ والتآمر معا، وكانت آلياته نخب وأحزاب وجماعات، عكس ذلك تبرز وبهدوء شمس الحق متمثلة في ذلك اليقين الذي يجمع شبابا يملك جسارة الإصرار على صنع مستقبل جديد، يملك رؤية، يدير مهامه، يتحاور ولا يميز بينه جنس ولا دين، يحمل الهوية المصرية الخالدة ولديه قدرة التعبير عنها، بل إنه لا يحده طاغوت ولا يخاف الموت ويقبلها شهادة في سبيل وطنه.
هذا الجيل يحتاج أن يجد بيئة تستطيع أن تسمع له، دون كبر ولا إحساس بالتمايز عنه، يحتاج من الجميع أن يرتقي إلى مستوى يقينه ووعيه وأمله، لأنه معهم يستطيع أن يختصر الزمن، وبدونهم سيصل إلى هدفه مهما طال به الزمن، فالأولى بنا أن نكون معه في ذات المركب لنتجاوز الطوفان، ولبناء دولة عصرية شابة قادرة أن تواجه التحديات المحيطة والتي تقترب منا كما حبل الوريد، وصارت إرادة الوطنية المصرية مطالبة بالتصالح مع النفس لتستطيع مواجهة التحديات الخارجية.
واقع مرير كما الحنضل، وأمل مشرق يواجهه، ومسؤوليات ملقاة على الطريق تبحث رجالها، فهل آن لنا أن نبلغ بالثورة سن الرشد، ندركها وننجز مهامها، ونبتعد بها عن لعبة القتل والإفساد؟
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
12789
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6603
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5298
| 13 سبتمبر 2026