رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مباركة سيناء تلك الأراضي الشاسعة الممتدة في الجزء الشرقي من المحروسة مباركة بتاريخها ونضالاتها ودورها في وأد الغزوات وإجهاض الراغبين في احتلال الوطن كله من بوابتها.
مباركة بطورها الذي احتوى البقعة المقدسة التي كلم فيها الله سبحانه وتعالى نبيه موسى ومنحه فيها ألواح التوراة الحقيقية.
مباركة بأشجار زيتونها التي طرزها القرآن الكريم في إحدى سوره القصيرة.
تشغلنا الآن سيناء بمفردات واقعها المر بعد أن هبط عليها الوجع منذ أن وقع الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني في العام 1979فغرقت في متاهة الغياب عن الوطن والنأي عن سيطرة قواته المسلحة بعد أن جعلت أجزاء واسعة منها مجردة من السلاح وخضعت لقوات ما يسمى بحفظ السلام .
وتعامل الرئيس الذي تلاه -حسني مبارك - مع سيناء بحسبانها منتجعا سياحيا وترك أهاليها نهبا للضياع والجوع والفقر والتهميش مما ساعد على خلق مناطق تطرف وتخوم غضب قابل للانفجار وهو ما جرى غير مرة خلال العقد الأخير .
وتكابد سيناء الآن وجعا أو بالأحرى سلسلة من الأوجاع بعضها بفعل الكيان القريب منها والذي يضعها دوما في بؤرة إستراتيجيته العدوانية والتوسعية التي لم يتخل عنها يوما واحدا أو حتى ساعة واحدة رغم اتفاقية السلام التي وقع عليها مع السادات وكثيرا ما اخترقها وكسرها ولم يتمكن النظام السابق من كبح جموعه بل تركه يرتع في برها وصحرائها وحدودها في حين أن بعضها الآخر ناجم عن الغياب الرسمي سواء عسكريا أو اقتصاديا أو اجتماعيا فانفرط العقد وتفككت الأواصر وكادت سيناء تصبح إمارة مستقلة وفق أشواق نفر من المتطرفين الذين استغلوا هذا الغياب فسيطروا على الواقع وباتوا هم القوة القادرة على التحرك والتمدد وفرض سياسة الأمر الواقع .
ووفقا لما يقوله بعض المحللين فإن الأوضاع في سيناء تزداد يوماً بعد يوم اشتعالا سواء على الحدود مع الكيان الصهيوني أو داخل حدود شبه الجزيرة الممتدة على مساحة توازي سدس مساحة مصر، وهو ما يعلي من سقف غموض مصير تلك البقعة التي دأب المصريون على مدار تاريخ بلادهم الضارب بجذوره في أعماق التاريخ على وصفها ب"الغالية" من أرضهم، فالتحرش الصهيوني بسيناء تزداد مظاهره من جانب قوات الكيان، في ضوء تصريحات فجة لقيادات سياسية ودينية من داخل الكيان تتحدث عن خطورة الأوضاع داخل سيناء، ويدعو بعضها صراحة إلى إعادة احتلالها .
في الوقت نفسه لا تسلم سيناء من أذى يأتي على أيدي قلة تحمل الجنسية المصرية في بطاقات هويتها، وتسير بأفكار متطرفة في عقولها تدفعها إلى الصدام مع الدولة المصرية، ممثلة في قوات الجيش والشرطة على أراضي شبه الجزيرة لتعطي مزيداً من الذرائع للعدو الصهيوني للحديث عن "الأوضاع الخطرة" و "البؤرة القاعدية" - نسبة إلى تنظيم القاعدة - من داخل الحدود المصرية حتى تعالت أصوات تتحدث عن تدويل المعالجة الأمنية في سيناء وتحويل الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما رفضته الدولة المصرية على لسان وزير خارجيتها، محمد كامل عمرو الذي أكد في تصريحات أخيرة أن أمن سيناء شأن مصري خالص، ولا دخل لمجلس الأمن أو غيره من المنظمات الدولية به.
وتكشف التقارير المسربة من داخل الكيان عن مخطط صهيوني لتوطين آلاف الأسر الفلسطينية في سيناء واعتبارها وطناً بديلاً للفلسطينيين، وهو ما أكدت عناصر قبلية بسيناء ظهور بوادر لبدء تنفيذه على أرض الواقع .
بينما شكل الحادث الأخير على الحدود بين مصر والكيان الذي أسفر عن مقتل جندي صهيوني وإصابة آخر في اشتباكات مع مجموعة جهادية، قيل إنها جاءت من سيناء واستهدفت التسلل إلى داخل " الكيان" لتنفيذ عمليات كبرى فرصة لأن تتحدث دوائر صهيونية وصحف غربية عن أن القاهرة تفتقد إلى قدرة السيطرة على الفوضى المتزايدة في المنطقة، ونقلت هذه الصحف عن مسؤولين بالكيان قولهم إن هذا الحادث ينضم إلى سلسلة الحوادث العنيفة على امتداد الحدود و "يعتبر تحذيراً جديداً للقاهرة التي لاتزال قبضتها الأمنية في شبه الجزيرة ضعيفة"، فيما طالبت صحف عبرية سلطات بلادها بتعزيز وتكثيف التواجد المخابراتي في سيناء وجمع المعلومات عن "المنظمات الإرهابية" على أرضها.
ولعل ارتفاع بعض الأصوات من داخل الكيان الصهيوني للمطالبة بتوجيه ضربة لسيناء ينبئ بأنه لم ولن يتخلى عن حلمه في ضم شبه الجزيرة المصرية إلى مشروعه الاستعماري الاستيطاني، وهو ما جسدت بوضوح كلمات الحاخام "الإسرائيلي" المتطرف شموئيل شموئيلي رئيس حركة "حماة إسرائيل" المتطرفة لتعطي الدليل الواضح والدامغ، وتكشف بجلاء عن تلك النوايا، حيث دعا تل أبيب إلى ضرب مصر واحتلال سيناء لإخافة إيران، واصفاً مصر بأنها أكبر تهديد لليهود و "إسرائيل"، معتبراً في تصريحات نشرتها وسائل إعلام صهيونية أن احتلال شبه جزيرة سيناء سيقدم درساً رادعاً لإيران التي تتحدى "إسرائيل" وتثير مخاوفها، مضيفاً "حان وقت العمل في سيناء لأنها لنا نحن شعب اليهود، فلابد من استعادة سيناء الآن لردع كل من إيران وسوريا وحزب الله، وتحقيق السلام في "إسرائيل""، مطالباً الجيش "الإسرائيلي" بالقيام بعمل عسكري على الفور في سيناء، وإزالة الخطر الكامن فيها وفي غزة والمعابر، الذي وصفه بأنه أخطر تهديد لسكان الجنوب والوسط، مؤكداً أنه وفقاً لتقارير استخباراتية، فإن سيناء هي المسؤولة عن نشر المنظمات السلفية الإرهابية في قطاع غزة وإطلاق صواريخ غراد على "إسرائيل".
ولعلنا لا ننسى في هذا السياق تصريحا لرئيس الأركان الصهيوني قبل شهور الذي أكد فيه أن "إسرائيل" تستطيع أن تعيد مصر إلى الوضع الذي كانت عليه في 1967.
وكل هذه المعطيات تدفع القوى الوطنية والثورية في مصر إلى المطالبة بتعديل اتفاقية كامب ديفيد التي تجمع على أنها كانت منذ توقيعها مجحفة بالحقوق المصرية،خاصة في ما يتعلق بأعداد وتسليح القوات المصرية عند الحدود وتعزيز الوجود العسكري والأمني على أراضي شبه الجزيرة.
وإذا كانت قوات الجيش المصري قد قامت بالعملية نسر للقضاء على مجموعات المسلحين من الجماعات المتطرفة قد تمكنت من تحقيق نجاحات نسبية خاصة على صعيد تفعيل الحضور المصري العسكري في مناطق كان ممنوعا عليه دخولها وهو ما دفع حكومة نيتانياهو إلى المطالبة بسحب الدبابات المصرية من هذه المناطق فذلك يؤكد قدرة النظام الجديد في المحروسة على المناورة مستفيدا من أجواء إقليمية ودولية رافضة للتمدد المتطرف في سيناء وهو ما ينبغي الاستمرار فيه دون خضوع لابتزازات الكيان المدعومة من واشنطن بشكل أو بآخر ولكني أخشى من الغلو في استخدام القوة المسلحة مما قد يؤدي إلى الإضرار بالمواطنين من سكان المنطقة الذين بدأوا بالفعل في التعبير عن بعض الغضب لممارسات لا يرضون عنها رغم محاولات استرضاء شيوخ القبائل أصحاب السطوة والنفوذ. وهو ما يجعلني أعيد التأكيد على ما يقوله دوما الخبراء الإستراتيجيون من أنه لا ينبغي التعامل مع أزمات سيناء وفق المنظور الأمني فحسب وإنما من الضرورة بمكان اللجوء إلى خيارات التنمية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي والتي كانت غائبة أو مغيبة خلال العقود الأربعة الأخيرة ربما بفعل فاعل أو استجابة لضغوط الكيان لتبقى المنطقة عرضة للنهب في أي وقت يريده .
ولاشك أن محاولة إضفاء البعد الطائفي على الأزمات المشتعلة في سيناء يدفع الأمور نحو المزيد من التفاقم خاصة بعد ما تردد من إجبار الجماعات المتطرفة عائلات أو عائلة مسيحية على الفرار من رفح لاعتبارات دينية وهو ما شكل رفضا قاطعا سواء من رئيس الدولة الدكتور محمد مرسي الذي أصدر تعليماته لمحافظ شمال سيناء بمعالجة فورية للمسألة أو على المستوى الشعبي حيث احتشدت قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني في مدينة العريش معلنة احتجاجها على المحاولة والتي يبدو أنها ليست على نطاق واسع.
السطر الأخير:
كوني لي بحرا زاخرا بالأسرار
كوني قلما بهجة روحا
مدنا مطرزة بالأقمار
غيما يسكب عطر الأمطار
كوني وطنا للقلب المتعب
عشبا للجوع
قمحا يورق سنابل العشق
يرسم واحة وجد وفيض أنهار
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3225
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1242
| 01 أكتوبر 2026