رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحت أعيننا ترسم الآن خرائط جديدة للشرق الأوسط، المرئي منها يتبنى سيناريو الفوضى.
(1)
سنحتاج إلى وقت لكي نعرف ما إذا كانت هناك علاقة بين الحاصل في العالم العربي الآن وبين السيناريوهات التي سمعنا بها من قبل. (الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الفوضى الخلاقة). وليس بمقدورنا أن نتبين دور قوى الخارج فيما يجري. إلا أن ما يبدو لنا الآن أن إرهاصات الفوضى الحاصلة هي صناعة محلية في الغالب، صحيح أن تفكيك العراق ــ مثلا ــ تم بأيدٍ أمريكية منذ بدء الاحتلال عام 2003، حين تعامل الأمريكيون مع البلد ليس باعتباره وطنا للعراقيين ولكن بحسبانه مكانا تساكنت فيه الطوائف الثلاث السنة والشيعة والأكراد وآخرون، إلا أن أهل البلد حين أداروها فإنهم كرسوا التمزق وأقاموا الأسوار عالية بين الفئات الثلاث. وتحول الوطن إلى ساحة للقتال يشكل الموت عنوانا لها والقتل طقسا يوميا يمارسه الجميع بغير كلل أو ملل. حتى صرنا بإزاء حالة قصوى للفوضى، لا يقتل فيه المواطنون بغير حساب فحسب، ولكن يقتل فيه الوطن أيضا.
في عدد 20/6 من جريدة «الشرق الأوسط» جاء فيه أن 200 ألف متطوع يتجمعون لقتال داعش، وأن الوقف السني في الجنوب أعلن عن تسجيل 5 آلاف متطوع من شباب أهل السنة وأن ناطقا باسم ثورة عشائر العراق تتهيأ لدخول بغداد من محورين لإسقاط حكومة المالكي، في العدد ذاته أن مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان أعلن أنه سيجلب كل قوات البشمركة للحفاظ على كركوك والدفاع عنها، وأن آلاف العوائل المسيحية في سهل نينوي نزحت إلى أربيل (الإقليم الكردي). ومن التعليقات المثيرة للانتباه ما كتبه الصحفي السعودي عبدالرحمن الراشد محذرا من أن داعش أصبحت الآن على حدود السعودية وتركيا والأردن، بعدما عبرت من العراق إلى سوريا، وأزالت الحدود بين البلدين وأقامت دولة نسبتها إلى الخلافة الإسلامية، وهي القرائن التي فصلت فيها مجلة تايم الأمريكية وعرضتها على 8 صفحات في عدد 20/6، الذي كان عنوان غلافه من كلمتين هما: «نهاية العراق». والكلمتان استعارة لعنوان كتاب صدر في عام 2006 للسياسي والدبلوماسي الأمريكي بيتر جاليبيرت، وقد تبنى فيه فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دول سنية وشيعية وكردية. وهي الفكرة التي كانت متداولة في أوساط الخارجية الأمريكية.
ـ2ـ
الحاصل في العراق يعد نموذجا للفوضى التي نتحدث عنها، إذ الجديد فيه بعد احتلاله وتدميره أمران أولهما الزحف المفاجئ والتقدم المباغت لجماعة «داعش» وتحولها إلى لاعب رئيسي في الساحة السياسية، من حيث إنها بدت في جانب منها تعبيرا عن انتفاضة أهل السنة، وهو ما استنفر المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني، فدعا إلى ما سماه «الجهاد الكفائي» وهو ما أعطى دفعة قوية لفكرة الحرب الطائفية. الأمر الثاني تمثل في الجهر بالدعوة إلى استقلال كردستان (الذي هو واقع من الناحية العملية والتلويح بورقة تقنين الوضع وإضفاء الصفة الرسمية عليه بإتمام الانفصال وهو ما شجعته إسرائيل ودافع عنه في العلن رئيس وزرائها ووزير خارجيته. ما حدث في العراق يعد هزيمة من الوزن الثقيل للسياسة الأمريكية. أسوأ من تلك التي منيت بها في أفغانستان التي بقيت فيها الدولة رغم كل ما جرى، لكن الدولة في العراق لم ينفرط عقدها فحسب، ولكنها صارت بابا لحرب طائفية تأتي على ما تبقى من استقرار في المنطقة. ذلك أن إعلان دولة سنية في العراق لا يفتح الباب لاندثار الدولة العراقية واستبدالها بحريق طائفي كبير فحسب، وإنما يمثل أيضا تمددا في الأراضي السورية وتهديدا بطرق أبواب الأردن والسعودية وقلقا في الكويت والبحرين، وإخلالا بالتوازنات الحاصلة في لبنان. ناهيك عن أنه يمثل ضربة للمشروع الإيراني وإفشالا لسياستها وتطلعاتها في الإقليم. وليس معروفا تأثير تلك الخطوة على الوضع الداخلي في سوريا، وإن كان من شأنه أن يقوى ساعد المجموعات الإسلامية التي تقاتل هناك، وأغلب الظن أنه سوف يفتح جبهة اشتباك إضافية مع ثوار الجيش السوري الحر. بما قد يخفف الضغط على نظام الأسد بصورة أو أخرى.
أما انفصال الإقليم الكردي، فالتداعيات المترتبة عليه لا تقل جسامة ولا خطرا. من ناحية لأن ضم كركوك والتمترس داخلها والاستعداد للقتال دفاعا عن إلحاقها بالإقليم الكردي يؤجج الصراع المسلح مع بغداد، ليس فقط لأن كركوك أحد معاقل تصدير النفط ولكن أيضا لأن المدينة لم تكن كردية يوما ما، ولكن الأغلبية الكردية لم تتوفر لها إلا بعد تهجير بعض سكانها الأصليين (العرب والتركمان) منها.
من ناحية أخرى فإن انفصال الإقليم وإقامة دولة مستقلة باسم كردستان، يثير العديد من الأسئلة حول موقف الأكراد في الدولة الأخرى المحيطة (العدد الكلي لهم بحدود 30 مليونا).
ومن المفارقات أن قضية الأكراد ليست عراقية في حقيقة الأمر، ولكنها تركية بالأساس حيث النسبة الأكبر منهم (أكثر من 15 مليونا) يقيمون في تركيا، وعددهم في إيران ستة ملايين، أي أنهم أكثر من أكراد العراق البالغ عددهم خمسة ملايين. وإلى جانب هؤلاء وهؤلاء فهناك مليونان من الأكراد في سوريا.
السؤال الأهم هو ما موقف الأكراد في الدول المجاورة؟ وكيف ستكون علاقتهم بالدولة الجديدة؟ وهل يمهد ظهور دولة كردستان لإعادة رسم خرائط المنطقة المحيطة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تقبل تركيا أو إيران بذلك. ذلك أنني أفهم مثلا أن الحكومة التركية على استعداد لدخول حرب تستمر مائة عام للاحتفاظ بالمنطقة الكردية ضمن أراضيها، إذ إن النسبة الأكبر منهم يعيشون في الأناضول، وهي منطقة المياه الوفيرة والزراعة التي تعتمد عليها تركيا.
احتمال إعادة رسم حدود دول الجوار لإقامة كردستان الكبرى ليس واردا في الأجل المنظور لأنه يفتح الباب لحروب في المنطقة لا حدود لها. لكن استقلال كردستان العراق لابد أن يكون له أثره على الأقل في توازنات الإقليم، الأمر الذي يمكن أن يكون له أثره في استمرار النزاعات الحدودية فيها.
ـ3ـ
خارج منطقة الشام تتفاوت مؤشرات الاستقرار والفوضى، فمصر تواجه مرحلة صعبة، جراء معاناتها من الأزمة السياسية والاقتصادية. فالمواجهة بين السلطة الجديدة وبين الإخوان ومعها جماعات الإسلام السياسي من ناحية، وبينها وبين جيل ثورة يناير 2011 لا تزال تلقي بظلالها على أجواء الاستقرار المنشودة، وقد واجهت السلطة الطرف الآخر بالأساليب الأمنية والمحاكمات التي قضت بإعدام أكثر من ألف شخص غير أحكام السجن والغرامة المشددة التي استهدفت شرائح واسعة من الشباب. في الوقت ذاته فإن الأزمة الاقتصادية الضاغطة التي اقترنت بتعثر عجلة الإنتاج بسبب عدم الاستقرار الأمني، من شأنها أن تحدث توترا اجتماعيا سوف يتزايد حيث يتم رفع الأسعار في الفترة المقبلة، نتيجة رفع الدعم وتعالي مؤشرات الغلاء. وحين يحدث ذلك في أجواء الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة فإن انعكاسه على الاستقرار الاجتماعي يظل موضع تساؤل.
نذر الفوضى أكثر وضوحا في اليمن الذي لم تستقر أوضاعه طوال الثلاث السنوات الماضية. فعناصر الثورة المضادة لم تتوقف عن محاولة إجهاض الثورة وتعطيل مسيرتها، ومصادر الاضطراب تتراوح بين دعوات الانفصال في الجنوب وعناصر القاعدة المستمرة في إنهاك الجيش والشرطة، والاشتباك مع الحوثيين في الشمال الذي ينفجر كل حين، والحاصل في السودان منذ انفصال الجنوب الذي لم يحقق له الاستقرار أدخل في طور آخر من القلاقل، وهي التي تراوحت بين أزمة السلطة والمعارضة في الخرطوم وطموحات الانفصال التي تراود البعض في دارفور وشرق السودان والنوبة.
نذر الفوضى لها صداها في المغرب أيضا، إذ بلغت تلك الفوضى ذروتها في ليبيا التي يلوح فيها شبح التقسيم مقترنا بالحزازات والصراعات القبلية، إضافة إلى أنشطة المجموعات المسلحة التي تعد جماعة أنصار الشريعة أبرزها، وليست معروفة نهاية الصراع القائم الآن بين بني غازي التي يتمترس فيها اللواء خليفة حفتر مؤيدا ببعض عناصر الجيش والرموز الموالية، وبين طرابلس حيث السلطة الشرعية ومقر ثوار 17 فبراير، وهو الصراع الذي تتداخل فيه النزاعات القبلية والجهوية مع التجاذبات بين الإسلاميين ومعارضيهم.
الوضع أفضل بصورة نسبية في بقية الدول المغاربية، ولا مفر من الإقرار بأن تونس تعد استثناء بين دول الربيع العربي، من حيث نجاح السلطة التي أفرزتها الثورة في الحفاظ على وتيرة الاستمرار وتجنب رياح الفوضى. ولا نستطيع الادعاء بأن تلك الرياح اختفت تماما، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنها كامنة على الأقل. ذلك أن الصراع لا يزال قائما بين سلطة الثورة وبين غلاة السلفيين من ناحية وبين غلاة العلمانيين الراغبين في إفشال التجربة من ناحية ثانية. صحيح أن الأوضاع ليست مستقرة تماما في المغرب والجزائر وموريتانيا، إلا أننا نكاد نلمس أثرا لرياح الفوضى في محيطها.
ـ4ـ
إذا جاز لنا أن نعلق على تلك «اللوحة» فإننا نخلص منها إلى ملاحظات عدة في مقدمتها ما يلي:
< إن دور القوى الغربية في تحريك عوامل الفوضى ليس واضحا وليس مقطوعا به، رغم وجوده في الخلفيات والجذور (العراق مثلا). وإذا كان كثيرون يتحدثون عن تراجع الدور الأمريكي بشكل عام، إلا أن ذلك لا يعني أنها خرجت من المنطقة لأن حضورها مستمر، ولكنه يعني أن واشنطون وجدت أن تفاعلات العالم العربي لا تتعارض مع مصالحها في نهاية المطاف.
< إن ما يجري في العالم العربي قدم أكبر خدمة لإسرائيل في الأجل المنظور، ذلك أن الصراعات العربية لم تؤد إلى تآكل وإضعاف بعض تلك الدول، ولكنه أيضا صرف الانتباه عن الخطر الإسرائيلي ومخططات الاستيطان والتهويد، وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن إسرائيل هي الفائز الأكبر من الصراعات العربية.
< إن الانتكاسات التي واجهت ثورات الربيع العربي أمر مفهوم من زاوية الخبرة التاريخية، ذلك أن الثورات الكبرى استغرقت عشرات السنين قبل أن تتمكن وتستقر على الأرض.
< إن القوى الإقليمية العربية ليست بعيدة عن التفاعلات الحاصلة في دول الربيع العربي، وإنما كان لها دورها المؤثر في مساعي إجهاض الثورات التي نجحت وفي جهود مساندة قوة الثورة المضادة لكل صور الدعم السياسي والمالي والعسكري.
< إن الأطراف التي أسهمت في نذر الفوضى المخيمة (داعش وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس) لم تكن بعيدة عن نفوذ تلك القوى الإقليمية، وإنما كان لها دورها في تكوينها ودعمها في أطوار نشأتها، حتى انقلب السحر على الساحر في نهاية المطاف.
< إن تيارات الغلو والعنف المنسوب إلى الدين خرجت من عباءة الظلم والقهر والاستبداد، الأمر الذي يسلط الضوء على أهمية إفساح المجال لتيارات الوسطية والاعتدال، ويبرز في الوقت ذاته خطورة استهداف تلك التيارات الأخيرة، الأمر الذي يعد إسهاما غير مباشر في إفساح الطريق أمام تيارات الغلو وإطلاق العنان للفوضى.
إن ما يجري الآن في العالم العربي إذا لم ينبهنا ويعيد إلينا الوعي والرشد فمتى يمكن أن نفيق إذن؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2802
| 30 أكتوبر 2026