رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثلاثون سنة من نهب مصر، وسرقة مواردها، وإضعافها بالديون، ثلاثون سنة من الفساد والإفساد، ثلاثون سنة ازداد فيها الفقراء فقراً بينما اثنتان وثلاثون عائلة فقط تمتلك الاقتصاد المصري كله بكل رخائه ونعيمه وبذخه! تركة مثقلة بالأوجاع تركها المخلوع على كتف (د. مرسي) لينوء بحملها الفادح ولتتطور الأمور لنصل إلى يوم عصيب كالذي نحن فيه الآن! ورغم الثلاثين عاماً العجاف بكل نهبها للشعب المغلوب، ألم يسأل المحترمون أنفسهم أي (سوبرمان) يستطيع حل مشاكل مصر في سنة كما يطالبون مرسي وينقلبون عليه؟ ولا حتى فانوس علاء الدين يستطيع بمارده الأسطورة أن يبني ما هُدم في ثلاثين عاماً أو يعمر التركة (الخرابة) بعد ما جرفها المخلوع واستنزف عافيتها وخيرها وكان عادلاً حقاً فلم يستأثر بما في خزانة مصر (الحق ينقال) نشهد أنه وزع مليارات مصر على الأولاد، والمدام، والأقارب، والصحاب، والنسايب، وكدابين الزفة، والمسبحين بحمد رجل السلطة صاحب الضربة الجوية الأولى والتي يقسم البعض بأنها لا ضربة أولى ولا أخيرة كله اختلاق مواقف، المهم طالبوا الرئيس مرسي بما لم يأت به الأولون بل زادوا بتضييق الخناق عليه بافتعال الأزمات، والوقفات وحرق المنشآت، وبث سياسة الترويع لتخويف الناس، يقود كل هذا بلطجية الإعلام المعروفون! أما الأزمات التي تمس عصب الحياة فحدث ولا حرج، أول ما يطالعك وقد تركت مطار القاهرة طوابير لا تنتهي في انتظار شحنة البنزين ولو لم أر بعيني واسمع بأذنيّ لصدقت أبواق الإعلام الظالم، غير معقول أن تكون أكثر من بنزينة حول بيتك بمدينة نصر مثلاً ولا تجد لتراً واحداً لتحرك به سيارتك، سألت لماذا كل هذا الزحام وكان الرد الصاعق أن كل (شيش البترول) في المحيط امتنعت عن استلام حصتها وطبعاً الجماعة أصحاب (الشيش) من الفلول إلا واحدة خاف صاحبها الله فقبل الشحنة لتيسير الحال! طيب لماذا تمتنع المحطات عن استلام حصتها من البترول؟ الجواب ببساطة لتزيد من أزمة الناس، وتربك الشارع، وتعطل المصالح، وتضرب صبر الناس في قلبه، وتشعل نفوس البشر بالحنق، والكره، بل وتدفعهم إلى الاشتباك الدامي بالسلاح الأبيض وبالأعيرة النارية في خناقات لا تنتهي حتى أصيب سائق بطلق ناري بالقدم في مشاجرة مع أحد العاملين بمحطة وقود بمدينة نصر، طبعاً كل هذا في ظل غياب أمني تام و(مقصود) إذن أمر عادي أن يقف آلاف المحتجين على مرسي مع الفلول، فهؤلاء هم الفئة المظلومة المهضومة التي ذاقت الأمرين من وقف الحال، والتعطيل، ولف الكرة الأرضية من أجل البنزين، غير عارفين أن الفلول، وكارهي مصر من أبنائها الفاسدين والحرامية وأذناب النظام المخلوع والإعلام المجرم هم وحدهم وراء كل هذه المشاكل، خاصة بعد مهرجان البراءة للجميع الذي خرج فيه من السجون من تفرغ لضرب مصر وأمنها بفلوس الشعب المنهوبة، لقد نجحوا فعلاً مع الإعلام (القابض) بلاوي في افتراس وعي الناس، وتدجينهم ضد الرئيس، مستغلين حالة الإعياء، والتعب، والاكتئاب التي أصابت الناس من كثرة الغم، لقد أفسدوا الحياة بسمومهم، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر وقدر لمصر الخير، واحفظها من كيدهم.
* * *
طبقات فوق الهمس
* أليست مهزلة أن ينضم الثوار إلى عكاشة وأذياله، وأليست مهزلة أن يتعانق الفلول مع الثوار وجبهة إغراق مصر ليتصدروا المشهد السياسي، أليست مهزلة المهازل أن يرحبوا جميعا بصور مبارك لترفرف في التحرير بعدما شتمه بعضهم ونعته بأقبح النعوت؟ وأليست مصيبة أن نعجز عن التفريق بين الأمين الصادق الوطني وبين المتآمر الكذاب الفاسد؟
* الفُجر في الخصومة السياسية وخيانة الوطن دفع الكارهين حتى لأنفسهم لاستثمار حالة الارتباك السياسي والاقتصادي لدفع مصر إلى الهاوية، فحلمهم الوحيد عودة النظام الدكتاتوري للمخلوع الذي لا يستحق إلا التعليق على باب زويله. معذورون، منابع السرقة جففت، والسبوبة انتهت، وشفط الملايين خلاص انتهى، والمليارات المسروقة لن تتاح فرصة أخرى لهبش مثلها (صحيح معذورين لو حرقوا البلد)!
* الآن والاحتقان سيد اللحظة لا يهم أبدا لمن ستكون الغلبة المهم مصر فهي الأغلى، المهم دم شباب مصر فهم الأغلى من الصراع، ومن الكرسي، ومن المؤامرة لشد مصر كي تكون نسخة مما يحدث في سوريا والناس تضرب في بعضها البعض، مصر فوق الجميع وللدماء حرمة غائبة للأسف الشديد.
* عشرات الثوار طردوا من التحرير عندما احتجوا على رفع صور مبارك في الميدان الذي قتل فيه (أبوعلاء) إخوانهم من أجل احتفاظه بالكرسي، من يتابع شهادات الشباب يشيب!
* يقولون دائماً ضروري محاربة الفساد، وأقول الأكثر ضرورة محاربة الإعلام الفاسد لأنه أبو كل المفاسد، ومن يقلب المحطات يرى المرتزقة والفاسدين من إعلاميات وإعلاميين كل همهم (المرتب) وإن احترقت مصر، ولن تحرقوا مصر أحرق الله قلوبكم.
* خليط من فلول نظام مبارك، والبلطجية، والإعلاميين المأجورين ببرامجهم المسمومة، والمضطرين الموجوعين بالبطالة الذين ضللهم المضللون، كل هذا الخليط موجود في التحرير تحت عنوان ثوار! آه كلهم ثوار ووطنيين! وممكن يحلفوا!
* ككل مصرية أشعر بالخجل والألم لما وصل إليه حالنا إذ الانفلات لم يعد أمنياً فقط، الانفلات أصبح على كل الصعد وأهمها الانفلات الأخلاقي الذي يوفر له المنفلتون الكبار التغطية الشاملة بوقاحة نادرة!
* سمعت في شطك الجميل.. ما قالت الريح للنخيل، يُسبح الطيرُ أم يُغني.. ويشرح الحب للخميل.. وأغصن تلك أم صبايا شربن من خمره الأصيل.
* كيف حالك وانت تستمع لأنات مصر الموجوعة وليل مصر الحزين يحيطك بكل الأسى والخوف من الآتي بينما النغم يسري؟
تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير
ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم... اقرأ المزيد
63
| 10 أغسطس 2026
المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية
يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل... اقرأ المزيد
57
| 10 أغسطس 2026
تجليّات الحُسن المخبوء !
من أجمل الإدراكات والتجارب التي يستخلص منها الإنسان صفو المعرفة، أن يعي أنه كلما تماثلت نفس المرء للتعافي،... اقرأ المزيد
45
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4881
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1410
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026