رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«في الطريق إلى هناك، أوافيكم بخبر فور اتضاح الصورة.»
ومن مخيم جنين للاجئين كان الخبر الصاعقة فجر الأربعاء 11 مايو ٢٠٢٢ أثناء تغطيتها اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي فكانت هي الخبر حتّى ارتقت... شيرين أبو عاقلة...!!!
السترة الواقية press الخوذة الصحفية تشير بشكل واضح إلى كينونتها رصاصة مصوبة من مكان قوات الاحتلال باتجاه منتج الجزيرة علي السمودي أصابته في كتفه ورصاصة أخرى استهدفت الحقيقة وصاحبتها.
كانت تلك رسالتها الأخيرة من الدنيا، ثم توالت الصواعق تترا...
وكم صحفي كتمت رسالته قبل أن يدكّ منزله على رأسه ورؤوس أهله في حرب غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي دون أدنى إنذار، وهل ينذر المستهدفون في الحروب؟ وهل ينذر البهتان الحقيقة؟ إنّه يباغتها...
وماذا بعد شيرين؟ العديد فقد تتبع وائل الدحدوح عددا من المرّات برصاص مصوب وعدد من الصحفيين قبله وبعده ومن ثم تمّ تتبع عائلته رحم الله من ارتقى منهم في تلك المجازر الظالمة وتم تعمدّ نجله الصحفي أيضا حمزة الدحدوح وصحفي آخر معه في قصف إسرائيلي مباشر على سيارتهم حتى ارتقوا بعد أسابيع من استشهاد أفراد عائلته! ودعنا الكثير بدموع لم تغادرنا إلى يومنا هذا.
ثم ماذا بعد قطع حبل الوريد! بل قبله أيضا؟ قطع الوريد الكهروضوئي أعني الاتصالات والإنترنت وهو بوابة الوصول للعالم الخارجي.
ومن ينقل الحقيقة وما فتئت تقتل أدواتها وتوجّه روايتها؟ وتوأد بناتها وأدواتها؟ وما هي الحقيقة في الصحافة والاعلام وما تعريفها؟ لعلّها أكثر ما يرعب المعتدين لذلك دائما ما تتردد في أروقة الإعلام أن «الحقيقة هي أول ضحايا الحرب» خصوصا أن الحقيقة اليوم لم تعد محتكرة، فالحقيقة لم تعد فقط هي المعلومة بل لم تعد هي الرسالة فحسب، بل باتت هي الأداة والوسيلة ومن يحملها أيضا حقيقة تكشفها منصّات حيّة باتت في يد كلّ صحفي بما أتاحته التطورات الرقمية لذلك فعرقلة الصحفيين واتهامهم واحتجازهم بل قتلهم المباشر والمتعمّد وقصف مكاتب الإعلام وتضليل الحقائق ومنع مراسلي الوكالات الدولية من دخول ميادين الحرب والنزاع وتعتيم غيرها والتضليل الإعلامي وإغلاق بعض المنصات يعد أول وأهم أدوات المعركة قبل الميدان العسكري.
ولا زال العالم في الثالث من مايو من كلّ عام يحتفل بيوم الصحافة العالمي، وتقف منظمات المجتمع المدني والمراكز الصحفية والحقوقيّة بواجبها في تكريم أو قل تأبين أمام هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والشعوب بهدف إبراز دورها في تعزيز وحماية حقوق الصحفيين وحرياتهم العامة والتذكير بإنسانيتهم أمام بطش آلة الحرب والنزاع تحت مظلّة المجتمع الدولي الذي تتحكّم فيه منظمة أمم متحدة أقصد متخاذلة كاذبة ومجلس أمن غاشم غير آمن. وتطالب المنظمات الحقوقية بوضع تعريف دقيق للصحفي في القوانين الدولية ؟ ووضع عقوبات للتهديد المباشر له فما بالنا بجريمة قتله.
إنّ استهداف الصحفيين بالصورة البشعة التي شهدتها غزة ضرب لعين العالم وترك الساحة للإجرام الصهيوني ومن يدعمه للتحكّم في الرواية والحقيقة وشهودها وإمكانية اثباتها. خصوصا في ظل هذا العام الذي يعدّ عاما أسود على الصحافة والأسوأ على الإطلاق في تاريخ البشرية إذ لم يبق خطر مهنة الحقيقة رهنا على تصفية الصحفي نفسه بل على تصفية كل أهله في تتبع متعمّد حتّى وهم نائمون بشكل لم نجد لها مثيلا ولا شبيها ولم تشهده أي حرب سبقت لا الحربان العالميتان ولا فيتنام ولا البوسنة ولا العراق هذا وقد تعرض الصحفيون الفلسطينيون الذين بقوا على قيد الحياة للهجمات الإلكترونية والاعتقالات والاعتداءات والتهديدات والاحتجاز بموجب «الاعتقال الإداري» الذي يعطى الجيش الإسرائيلي فيها نفسه الحق باحتجازهم دون محاكمة أو حد زمني.
وما موقف منظمات الأمم المتّحدة؟ هي وأربابها؟
منظمة الأمم المتحدة تهرف بأن» الحق في الحصول على المعلومات في أوقات النزاع، يعد «حقًا من حقوق البقاء» إذ تعتمد عليه حياة المدنيين، وتثمن دور الصحفيين كمصدر حيوي للمعلومات وكمدافعين عن حقوق الإنسان وشهود على الفظائع”. هذا ونسيت الأمم ان تضيف أنهم مدنيون أيضا. ثمّ ماذا؟ ما فتئت تكرر الشعور ببالغ القلق والتوتر إزاء تواتر أعمال العنف ضد الصحفيين خصوصا في ظل الاستهداف المباشر الذي يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. ثم ماذا؟ إنهم يقولون ما لا يفعلون فيداوون الشعوب بأفيون الكلام وما هو إلا مسكّنات للقلق... وهلّم جرّا.. وعود على بدء... رغم إقرارها بأن « قتل الصحفيين هي جرائم حرب.»
ومثلها اللجان الدولية ومنظمات حقوق الإنسان أو العدل او الجنائية تؤكد: «أنّ الهجمات على وسائل الإعلام والتعمد المباشر لقتل الصحفيين في غزة والقيود المفروضة على الآخرين من الوصول للمعلومة، إلى جانب الانقطاعات الشديدة للإنترنت، تشكل عوائق رئيسية أمام حق الحصول على المعلومات لشعب غزة وكذلك العالم الخارجي».
ثم ماذا ؟ تكرر ذات الدرس المحفوظ... شعارات القلق في المحافل الدولية في كل 3 مايو من أعوام الصحافة غير الحرّة ضاربة القوانين الدولية عرض الحائط.
لذلك لا تتكئوا على أكبر سياسي يردد كلمات حقوقية أو أكبر ديمقراطيات تتشّدق بها فهم أدهى جناة دون أن يتورعوا عن جرائم الحرب التي يرتكبونها ودون أن تحكم فيهم محكمة الجنايات الدولية، فما ينيف على السبعين عاما مضت على صدور القوانين الدولية لحماية الصحفيين في زمن السلم والحرب والنزاعات المسلّحة والتي لا داعي لسردها، فأكفان الحقيقة أوضح دليل على موت الضمير الإنساني العالمي والقانون الدولي الذي لا يحتاج وقفة في يوم الصحافة العالمي ولا حدادا على روحه بل ثورة شعبية عالميّة عارمة في المجال العام الواقعي ميدانيا والمجال العام الافتراضي على كلّ المنصّات الرقميّة لإيقاف شريعة الغاب ومحاسبة الجناة.
فحرب استرجاع الحقيقة المغتصبة لن ينال إلا بارتفاع صوت الحقيقة لا الخنوع احتفالا أو تأبينا بيوم مصنوع هو ذاته من أدوات التخدير الأممي.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
60
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
63
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
90
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4431
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2649
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2295
| 02 يونيو 2026