رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقف المتابعون لعملية "عاصفة الحزم" المتواصلة حتى الآن على طرفي نقيض بشأن التأثيرات المتوقعة لها سواء القريبة منها والبعيدة، ويقع هذا التباين على خلفية نظرتهم السياسية إزاءها.
وفيما يرى المهوّنون من شأن العملية أن تأثيراتها ستكون محدودة وستقتصر في أحسن الأحوال على إجبار جماعة الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وقواته على الجلوس إلى مائدة المفاوضات، يعتقد آخرون أنها ستكون فيما لو بنيت على رؤية واضحة للصراع وخطة استراتيجية للتحرك مقدِّمَة لإحداث تغيير في خارطة توازنات القوى ليس في داخل اليمن وإنما على مستوى الإقليم والمنطقة.
ولعل ما يدعم وجهة النظر الأخيرة ما يلي:
ـ تحرك التحالف العشري الذي تقوده المملكة العربية السعودية جاء مباغتا للجهات المستهدفة من جهة وللدولة الداعمة للحوثيين (إيران) من جهة أخرى، ودون أن يسعى كثيرا وراء أخذ موافقات مسبقة من الهيئات الأممية أو الدول العظمى أو من دول إقليمية، بقدر ما أعلمَ من يريد بالعملية.
ـ العملية حظيت بموافقة الغالبية العظمى من الدول العربية ومن دول إسلامية كثيرة، خصوصا الدول المؤثّرة فيها، كما أنها حظيت بتأييد شعبي عربي واسع.
ـ العملية جاءت بعد صبر طويل على غطرسة الحوثيين وسعيهم للسيطرة على مقدرات دولة رغم أنهم أقلية فيها، وتهديد أمن الدول المجاورة، وصبر مماثل على التمدد الإيراني الصفوي في المنطقة العربية وتبجح مسؤوليهم بالسيطرة على أربع عواصم عربية، ورغبتهم في الوصول لشواطئ المتوسط..
ـ هذا التحرك وإن جاء متأخرا، إلا أنه يمثل نقطة تحول جديدة وتحركا غير مسبوق من الدول الخليجية ضد خصومها في المنطقة سواء من الدول أو من المليشيات المسلحة، حيث إن ما كان سائدا سابقا في الأغلب هو الصمت أو غضّ الطرف أو الاكتفاء بالتصريحات والحلول السياسية وهو ما أدى إلى تمادي الخصوم إلى حدّ لا يطاق.
في تصوري أن هذه العملية ألقت حجرا في الماء العربي الراكد منذ عقود، وأنها يفترض أن تكون بداية لتصحيح جملة أخطاء وقعت خصوصا في العقدين الأخيرين، وأهم هذه الأخطاء هو عدم مقابلة الغطرسة والاستعلاء بالقوة المناسبة والمكافئة له، والسماح للدول الإقليمية والدولية لفرض أجندتها أو التمدد والتغول على حساب الدول العربية دون ردّ عملي عليها.
ولعل أهم نتائج التحرك فيما لو بلغ مداه ما يلي:
ـ تشكيل ضغط معنوي على الجماعات والأذرع التي تأتمر بأمر النظام الإيراني في المنطقة كالمليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان والحدّ من نفوذها وغطرستها. لأن الانتصار على الحوثيين يعني كسر أحد أطراف المثلث أو المربع الموجود، والضغط بصورة غير مباشرة على النظام الإيراني لتقليص طموحاته الإمبراطورية أو العدول عنها.
ـ تشجيع دول أخرى لأخذ زمام المبادرة في تنفيذ حملات وتحالفات مشابهة لوقف تهديد أمنها القومي والإقليمي ونقصد هنا تركيا لمواجهة النظام السوري أو فرض منطقة إنسانية عازلة تحمي السوريين من بطش طيران نظامهم المجرم.
ـ التعويل عليه ليكون نقطة البداية لتشكيل تحالفات استراتيجية جديدة في المنطقة تكون مكافئة للنفوذ العسكري والسياسي الإيراني المتمدد في المنطقة، بحيث يكون ضمن هذه التحالفات السعودية وتركيا ومصر وباكستان..الخ.
ـ إرسال رسالة واضحة للغرب في عدم التمادي بتفاهماته مع النظام الإيراني والتي أطلقت يده أو سكتت عن دوره في سوريا واليمن ولبنان والمنطقة عموما. وذلك على خلفية التفاهم على السلاح النووي أو مواجهة الإرهاب في المنطقة.
ـ إجبار الغرب على تعديل ازدواجية المعايير التي يتبناها إزاء جماعات الإرهاب والتطرف في المنطقة ففي الوقت الذي يعتبر تنظيمات سنية مسلحة إرهابية كالقاعدة وداعش والنصرة، فإنه لا يدخل حزب الله أو تنظيمات إرهابية شيعية كعصائب الحث ومنظمة بدر في هذه القائمة أو يشطب اسم بعضها كحزب الله من هذه القائمة.
ـ مقدمة لمراجعة تضمن تصالح بعض الأنظمة مع الجماعات والأحزاب الإسلامية المعتدلة وتيار الإسلام السياسي الوسطي باعتبارها حاجز الصد الرئيسي في مواجهة فكر التطرف والغلو، والأكثر تنظيما لمواجهة النشاط السياسي والفكري الشيعي، وقد بدأت بعض بوادر هذه المراجعات تحصل بالفعل حتى قبل عملية عاصفة الحزم لدى بعض الدول.
ومع تفاؤلنا بعملية عاصفة الحزم والتطورات الأخيرة المتصلة بها..فإننا ندرك يقينا أن مواجهة المخاطر، ليست مجرد ضربة مؤقتة فقط، أو عملية منعزلة أو فورة وهبّة عابرة فحسب..لذا وجب الحذر وعدم التسرع في التفاؤل المُفرِط، أو إطلاق تقديرات متعجِّلة عن النتائج قبل أن تأخذ المواجهة مداها المطلوب، أو الاستهانة بقدرات الخصوم والأوراق التي يمتلكونها.
ولكي تكون الأمة على مستوى تحديّ المخاطر التي تتهدّدها عليها أن تمتلك تصورا واضحا لمواجهتها، وتضع استراتيجية وخطّة واضحة للمواجهة، وترسم خارطة لها تتضمن ترتيب الأولويات، وتعدّ العدّة الكافية وتحشد الطاقات اللازمة لهذه المواجهة، وتوحِدّ المواقف إزاء هذا التوجّه، وتمتلك التصميم والعزيمة والصبر والنَفَس الطويل عند التنفيذ، والقدرة على تقييم أعمالها بشكل صحيح ودقيق. وهو ما نأمله إن شاء الله.
الشخصيات المُلهِمَة والتجارب الناجحة
في إطار عمل إعلامي توثيقي لتجارب شبابية في العمل التطوعي يجري إعداده حاليا في منطقة الخليج استرعى انتباهي... اقرأ المزيد
2006
| 30 نوفمبر 2016
درس جديد في العربيّة الفصيحة من باكستان
بقدر فرحتي وسعادتي بالجهود الجبارة التي يواصل صديقي الدكتور عارف صديّق من الباكستان بذلها بدأب وإخلاص في خدمة... اقرأ المزيد
992
| 16 نوفمبر 2016
رسالة على أعتاب منعطف مهم
كتب لابنه في مستهل انخراطه بحياته العمليّة: أي بنيّ.. هاأنت اليوم تستشرف مرحلة جديدة من عمرك ..تدخل فيها... اقرأ المزيد
800
| 02 نوفمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026