رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يزال الاقتصاد البحريني يعيش ظروفا استثنائية كنتيجة مباشرة للأحداث السياسية والأمنية التي خاضتها المملكة في بداية العام 2011. وتشير أحدث الإحصاءات المتوافرة إلى تباين أداء الاقتصاد البحريني في الشهور القليلة الماضية مع توقعات بارتفاع نمو الناتج المحلي الإجمالي من جهة وتصاعد حجم الدين العام لمستويات تاريخية من جهة أخرى.
بداية، تشمل التطورات والتي تحمل صبغة إيجابية على الاقتصاد المحلي عودة مسابقة الفورمولا 1 للبحرين حيث من المنتظر أن تقام المسابقة في الفترة ما بين 20 حتى 22 من الشهر الجاري. وكانت البحرين قد خسرت فرصة تنظيم المسابقة في العام 2011 بناء على موقف من الفرق المشاركة بعدم المجيء في إطار جدول معدل بغية إظهار امتعاضها طريقة معالجة السلطات للأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد. تتميز المسابقة بترك لمساتها على العديد من القطاعات الاقتصادية من قبيل الضيافة والطيران وتأجير السيارات فضلا عن الترويج للبلد المستضيف لثالث أشهر مسابقة رياضية في العام بعد الأولمبياد وكرة القدم.
وتضمنت التطورات اللافتة في الآونة الأخيرة إقامة معرض البحرين للطيران وهو الثاني من نوعه في شهر يناير الماضي دونما تأجيل. وربما مهدت هذه الفعالية الطريق أمام عودة مسابقة الفورمولا 1 والتي تشتهر باستقطابها للزوار فضلا عن وضع البلاد محط أنظار العالم في مجال رياضة السيارات لثلاثة أيام متتالية.
حقيقة القول، تطورات من هذا النوع تفسر جانبا من الحديث حول توقع عودة النمو الطبيعي للاقتصاد البحريني، حيث يشير تقرير حديث لبيت الاستثمار العالمي (جلوبل) إلى فرضية تسجيل نمو فعلي قدره 3.6 في المائة في العام 2012. في المقابل، تم تسجيل نمو فعلي محدود قدره 1.5 في المائة في 2011 أي أقل من نسبة النمو السكاني في البلاد ما يعني على حساب مستوى الرفاهية السائدة.
وفيما يخص الأمور السلبية، انخفض مؤشر بورصة البحرين بنحو 20 في المائة في العام 2011 أي الأسوأ بين أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي. حقيقة القول، كان التراجع هو العنوان السائد لجميع أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي في 2011 باستثناء بورصة قطر وذلك تماشيا مع الظروف الاقتصادية الصعبة في دول مجموعة اليورو بالنظر لمعضلة مديونية اليونان وتذبذب قيمة الدولار وتوجه العديد من الدول لحماية مصالحها الاقتصادية بشكل أناني عبر وضع ضوابط على الاستيراد.
وحديثا فقط، حدث تطورا لم يكن بالحسبان جملة وتفصيلا عندما قرر بنك (أركبيتا) العامل في مجال الاستثمارات ومقره البحرين التقدم بطلب الحماية من الدائنين استنادا للفصل الحادي العشر أو قانون الإفلاس في الولايات المتحدة. وتبين بأن البنك غير قادر على تسديد 1.1 مليار دولار من الالتزامات المالية تجاه عدد من الدائنين المحليين والدوليين. وتعني هذه الخطوة بأن البنك يثق في القوانين المعمول بها في الولايات المتحدة أكثر من أي جهة أخرى حتى تلك السائدة في البحرين.
ومن شأن هذه الخطوة النيل من مكانة قطاع الخدمات المالية في البحرين وهو قطاع حيوي من حيث مساهمته في الاقتصاد المحلي، بل يعد بمثابة أهم ميزة تنافسية للاقتصاد البحريني برمته. يحتل القطاع المرتبة الأولى من حيث المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة والثاني بعد القطاع النفطي بالأسعار الجارية. ومرد هذا الأمر هو واقع أسعار النفطـ إذ إن ارتفاعها يزيد من أهمية القطاع النفطي على حساب قطاع الخدمات المالية.
إضافة إلى ذلك، يلاحظ تنامي ظاهرة ارتفاع المديونية العامة وما لها من تداعيات بسبب تعزيز النفقات العامة. فحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، بلغ حجم المديونية العام نحو 8.4 مليار دولار مشكلا ثلث الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية. يزيد هذا الرقم عن نسبة 28 في المائة التي تم تسجيلها في النصف الأول من العام 2011 ما يعد أمرا مقلقا. بالعودة للوراء، شكل الدين العام قرابة 10 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008.
بيد أنه لا يشكل حجم الدين العام أي خطر قياسا بما هو مسموح به ضمن مشروع الاتحاد النقدي الخليجي والذي انطلق بداية العام 2010 بمشاركة أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي وهي السعودية والكويت وقطر والبحرين. من جملة الأمور، يلزم المشروع الدول الأعضاء بعدم ارتفاع الدين العام عن مستوى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
عموما، يعكس تطور رفع المديونية العامة رغبة الجهات العامة بتعزيز النفقات العامة بغية الحفاظ على ديمومة الاقتصاد الوطني فضلا عن تعويض الخسائر المسجلة لدى بعض الجهات الحيوية. والإشارة هنا إلى توجه الحكومة بضخ مبلغ قدره 1.75 مليار دولار في شركة طيران الخليج وهي ناقلة وطنية مملوكة بالكامل لحكومة البحرين.
وقد شكل حجم المعونة صدمة للمتابعين، إذ يعد الرقم كبيرا قياسا بحجم النفقات المقدرة للسنة المالية 2012 وقدرها 8.4 مليار دولار. ويعكس التوجه الرسمي الأهمية الكبيرة التي توليها الحكومة لشركة طيران الخليج لأسباب تشمل ضمان استيفاء حاجة القطاعات الاقتصادية في البحرين مثل الخدمات المالية عبر ربطها بالأسواق الأخرى في المنطقة فضلا عن قدرتها على استقطاب الزوار للبلاد والذين بدورهم يساهمون في تعزيز الدورة الاقتصادية.
الأمل كبير بأن تساهم ظاهرة تعزيز النفقات العامة في تشجيع مستثمري القطاع الخص لاتخاذ خطوات مشابهة الأمر الذي ينصب في خدمة تحقيق الأهداف الاقتصادية للمملكة. وربما يمكن تفهم توجه مستثمري القطاع الخاص لمراجعة قرارات الاستثمار بالنظر للظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي جربتها البحرين خصوصا في العام 2011. وعليه، لم يكن مفاجئا تدخل القطاع العام بل ربما كان هذا هو المتوقع منه بضخ أموال في الاقتصاد المحلي في الظروف الاستثنائية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2529
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026