رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن تهويد القدس وهدم الأقصى وبناء الهيكل استراتيجية بدأت تدخل المرحلة النهائية فبعد كل الممارسات الاحتلالية والتهويدية وتغيير الكثير من معالم المدينة ها هم أعضاء الكنيست -– البرلمان الصهيوني يدخلون بشكل علني وعلى غير ما كان من قبل إلى باحات المسجد الأقصى ليؤدوا طقوسهم التوراتية والتلمودية ثم يدخل بعدهم طلاب المدارس والجامعات ثم هاهم اليوم المستوطنون يدخلون.. قبل فترة زعم اليهود وجود آثار لهم خلافا لكل البحوث العلمية والحفرية التي بدأت منذ الـ67.. وها هم أيضا يستولون على بيوت المقدسيين ويهدمون أحياء كاملة في القدس ويمنعون البناء ويقيمون بدلها أحياء يهودية.. أما عن إهانة رفات وعظام الشهداء الصحابة والمقابر التاريخية وعن الضرائب الباهظة على الناس وعن تردي خدمات الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية وأما عن سحب هويات المقدسيين.. إلى آخر هذه السلسلة غير المتناهية من الاعتداءات اليومية بل اللحظية فحدث ولا حرج..
ونتساءل: ماذا ينتظر شعوبنا وعلماؤنا وأنظمتنا؟ وهل يجوز أن يبقى البعض واهما لاهثا وراء التسوية؟ وإذا استثنينا ما تقوم به قطر في المجامع الدولية ونصرة الشعب الفلسطيني في الحدود الممكنة فأين دولنا العربية وأين أنظمتنا؟ ولم هذا السكوت المريب والتجاهل العجيب للقضية على كل الصعد الرسمية والنخبوية والمؤسسية والثقافية والأهلية؟ أين الذين طالما دافعوا عن علاقاتهم مع العدو بأنهم يخبئونها ليوم كريهة وسداد ثغر، وأنهم إنما يقيمونها وينمونها ليستثمروها عند اللزوم لصالح الشعب الفلسطيني؟ ولماذا لا نراهم يحركون ساكنا لنصرة الأقصى ولا نسمعهم يهددون أو يلمحون مجرد تلميح لإغلاق تلك السفارات التي – للأسف - صارت الجزء الأهم من واقعهم وواقعيتهم السياسية والثقافية ويدافعون عنها وينظرون لها ليل نهار؟ أين إمكانات دولنا الدبلوماسية والتواصلية والمالية بل والعسكرية؟ أين لجنة القدس في الجامعة العربية؟ ولماذا نومها حتى الشخير فيما القدس تضيع كل يوم ومع كل صباح وعشي ونعيق بوم؟
ثم نتساءل أين الثوار الفلسطينيون؟ وأين شعار " يا جبل ما يهزك " وشعار " اللي مش عاجبه يشرب بحر غزة " وشعار : " عالقدس رايحين شهداء بالملايين؟ أين المنظمة والسلطة التي تستطيع أن تدعو لاجتماع طارئ في الجامعة العربية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أين سفاراتها وأين ملحقياتها الثقافية ووزارة خارجيتها؟ وأين أصدقاء العالم الحر فيها؟ وأين علاقاتهم وتأثيرهم على أصدقائهم في مؤتمر هيرتزيليا؟ أين تلفزيون فلسطين.. انظروا إليه إن كان يهتم مجرد اهتمام؟
ثم نتساءل أيضا : أين المنظمات الفلسطينية المقاومة.. وماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن يسمح لهم بردع المستوطنين عن السكنى في القدس والضفة؟ أين الذين صنعوا المجد بأنفسهم وأحرجوا الجميع عام الألفين وما بعده، ولم يستأذنوا أحدا وكانوا دائما الفارق بين القوة والضعف وبين الإحساس بالمسؤولية والتهتك وراء أبواب الاحتلال وتبويس اللحى؟ صحيح أن ظروف المقاومة في الضفة صعبة ولكن الأمر أيسر من العجز وأقل من قرار مركزي، وأعلى من الهمود والركود وأخطر من الملاحقات الأمنية وحتى من تهيئة أجواء المصالحة؟
إنه المسجد القدس.. إنه يضيع.. وإنها القدس وإنها تهود.. وإنها فلسطين.. وإنها تشكو إلى الله تخلي القريب وظلم البعيد.. وإنها الخطوات الأخيرة قبل الفاجعة الماحقة الساحقة التي صارت وراء الباب وتحت الشبّاك..
وللذين لا يزالون يتملكهم الخوف من العدو وقوته وغدره وتلبيساته.. أقول : إنه - العدو - لم يعد يملك الكثير مما كان يمتلكه من أوراق اللعبة ولقد أثبتت حرب لبنان أنه لا يملك منها إلا ما نملّكه نحن إياه بضعفنا وخورنا وفشلنا.. ألم ينسحب من لبنان في جنح الليل خاسئا ذليلا وقد ترك عملاءه عالة يتكففون الناس ويولولون في الوديان والشعاب؟ ألم يفشل في احتلال قرية صغيرة مثل مارون الراس في جنوب لبنان؟ ألم يفشل في مواجهة حماس والمقاومة التي فعلت به الأفاعيل في غزة؟ ألم ينسحب " الجيش الذي كان لا يقهر " يجرجر أذيال الخيبة والعار من غزة التي كان يقول زعماؤه عنها كقيمة استراتيجية بالنسبة لمشروعهم الصهيوني : إنها لا تقل عن تل أبيب؟ فهل يجوز بعد ذلك أن نخادع أنفسنا بالاستمرار في الإحساس بالهزيمة والركون لعقابيلها وتلبكاتها؟
الحقيقة أننا لو أردنا أو بالأحرى لو رغبنا أن ننصر الأقصى وفلسطين – فإن باستطاعتنا الكثير الكثير إعلاميا وسياسيا وديبلوماسيا وقانونيا ودولا وشعوبا ونخبا ومؤسسات رسمية وأهلية وأغنياء وعلماء وكُتَّاب.. ومن ليس يعرف ما عليه من الواجب أن يفعله ؛ فهل يعرف كيف يأكل ويشرب ويتناسل ثم يموت كما تموت الميكروبات والديدان والصراصير والدجاج والبغال؟ وهل سأل أحد نفسه ما قيمة الحياة بعد أن يبول المستوطنون ويقضون حاجاتهم في باحات المسجد الأقصى.. أليست بولتهم قد حطت على رؤسنا وكرامتنا ومشاعرنا قبل أن تحط على زوايا وسجاد المسجد الأقصى؟ وهل أمة ترضى بذلك حتى لو كانت تعبد الأوثان؟
لقد بات واضحا أن مشكلتنا ليست في أننا ضعفاء لا نستطيع، ولا في أن قضيتنا ليست لها الوجاهة الكافية حقوقيا وثقافيا ودينيا وقوميا ووطنيا، ولا في أننا ليس لنا نصير في العالم الحر.. ولكنها في أننا - فقط - لا توجود لدى بعضنا إرادة ولا قناعة حقيقية تجاه القدس وتجاه الحق في إرجاعها وتجاه هويتنا وكرامتنا.. لقد بات واضحا أن بعضنا ولاؤهم خارج الولاء ومواقفهم خارج الانتماء.. لقد بات واضحا أن بعضا من قومنا ليست تعنيهم القضية من قريب ولا من بعيد.. اللهم إلا ما كان لتزيين ذواتهم وإطالة عمر رفاهيتهم.. لقد بات واضحا أن بعضنا منحرف عن الجادة وأقصد الغارقين في البرامج والمشاريع اللاوطنية والمتعاجزين غير المبالين والمنصرفين لتوافه الأحوال وسوافه الأقوال والأفعال، لقد بات واضحا أن بعضنا اضطرب سلم أولوياته فقدم مصالحه على مبادئه وقدم ذاته على دينه وعقيدته..
ولكن تبقى الشعوب هي موضع الرهان الأساس، وفي مقدمتها البرلمانيون والإعلاميون والمثقفون والمربون، ولا يمنع شيء أن تكون كل أيامنا ملتقيات ومؤتمرات وفعاليات مرة باسم القدس ومرة باسم فلسطين وأخرى باسم اللاجئين ورابعة باسم حماية التراث وخامسة باسم محاربة العنصرية وسادسة وسابعة وثامنة ومائة.. وعلى الشعوب أن تتحرك وأن تتحضر ذهنيا ونفسيا ليس للقتال فقط والذي هو غاية الغايات ولكن للدخول بمئات الآلاف وبالملايين عبر كل الحدود إلى فلسطين.. عندها فقط سيعلم يهود ومن وراءهم أن صفحتهم قلبت وأن جولتهم انتهت.. ولن يستطيعوا قتلهم ولا ردهم؟
إنها حراكات الشعوب التي بشرتنا بها مناوشات الحدود في ذكرى النكسة والنكبة الماضيتين وبشرتنا بها انتفاضات الربيع العربي، وسبق أن بشرنا بها اجتياح الغزيين لحدود سيناء يوم كسروا حصار الساقط الجبان حسني.. يومها سئل وزير خارجية العدو – باراك - : ماذا لو أن مئات الآلاف هؤلاء اجتاحوا الحدود من الجهة الأخرى باتجاهكم؟ وأجاب " ذلك يوم لا أحب أن أتخيله "..
وإلى الذين لم يروا فعل الشعوب بعد ولم تؤمن بها واقعيتهم بعد أقول : ما الذي جعل العدو يخضع لإضراب الأسير خضر عدنان عن الطعام ثم يقرر إطلاق سراحه؟ أهو الخوف من خضر عدنان المسكين المريض المهيض؟ أم هو شفقة حلت في قلب العدو عليه؟ لا إنه الخوف مما سيفجره استشهاد هذا البطل من انتفاضة بل من انتفاضات تأكل الأخضر واليابس ويتسع خرقها على الراتق إن قام راتق؟
آخر القول : إن المستوطنين قد أبلغوا السيل الزبا وهم الجبناء الحقراء.. ولسنا ننسى أن 270 ألفا من أكثرهم وحشية وتزمتا قد سجلوا في السفارات الأجنبية للهجرة وأن رحلات هجرتهم القادمة إلى فلسطين قد توقفت حين استحر القتل فيهم مطالع العقد الأخير.... وإن المطلوب كثير ولا يسد فيه أحد عن أحد.. هذا الكثير يجب أن يكون من نوع الحقائق على الأرض كما تفعل قطر إذ تنافح في المجامع العالمية، وإذ تطالب بلجنة تحقيق لتقصي حقائق العدوان على القدس، وإذ تدعم الفلسطينيين بالمال والخبرة، وبالعمل على إنزال مصالحتهم إلى أرض الواقع.. أما أولئك الذين رضوا باللاشيء وبأن يبقوا أذيالا تابعين يتدهنون بالمعاذير فلا أظن أنهم سيموتون - في أحسن الأحوال - إلا تافهين مهما صدروا من الشعارات الطنانة والخطب الرنانة ومهما ظنوا أنهم يخدعون أحدا..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11718
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8685
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026