رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

8548

القرضاوي: للأب ولاية إجبار على ابنه وابنته الصغيرين على الزواج

15 يونيو 2016 , 01:00م
alsharq
الدوحة - الشرق

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة

المؤلف: د. يوسف القرضاوي

الحلقة: الحادية عشرة

الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.

وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).

فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.

وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.

ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".

وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.

وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).

ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35).

* شروط صحة عقد الزواج

شرط الولي:

اشترط جمهور الفقهاء الولي لصحة عقد الزواج، فكما أعطى الإسلام المرأة الحق في قبول من يتقدَّم إليها أو رفضه، فقد جعل لوليها حقًّا أيضًا في إبرام العقد أو الاعتراض عليه ومنعه إن شاء؛ لأن المرأة قد تنخدع لغلبة العاطفة عليها، وتتزوج من ليس لها كُفْئًا، فأشرك وليَّها معها، ليكون الزواج مرضيًّا عند أسرة المرأة، كما هو مرضيٌّ عندها، وبذلك يكون الزواج أكثر أمانًا واستقرارًا وبعدًا عن الاضطرابات والزعازع، كما جاء في الحديث: "لا نكاح إلا بولي"( ).

وأما تزويج المرأة نفسَها بغير إذن وليها، فهو جائز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا تزوجت كُفْئًا( )، حيث لم يصح عندهم حديثٌ في اشتراط الولي( ). ولأن ظاهر القرآن نسب النكاح إلى النساء في غير آية، قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}[البقرة:230]. وقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:232].

ورأيُ الجمهور أن الولي شرط للزواج( )، أخذًا بحديث: "لا نكاح إلا بولي"( ). وغيره من الأحاديث.

والحكمة في هذا أن يتم الزواج بتراضي الأطراف المعنيَّة كلها، وحتى لا تكون المرأة - إذا تزوجت بغير إذن أهلها - تحت رحمة الزوج وتسلُّطه، حين لم يكن لأهلها رأي في زواجها.

وعلى كلِّ حالٍ إذا قضى قاضٍ بصحة هذا الزواج فهو صحيح، ولا يملك أحد نقضه، كما قال ابن قدامة في "المغني"( ).

وسنفصل الحديث في معنى الولاية وأنواعها وترتيب من لهم حق الولاية فيما بعد.

الولاية

هي نوعان ولاية على المال- وهي ليست موضوعنا هنا- وولاية على النفس، وتعني القدرة على إنشاء عقد الزواج، وهي المرتبطة بموضوعنا الذي نتحدث عنه.

أقسام الولاية على النفس:

يقسم الفقهاء الولاية على النفس إلى:

ولاية على النفس قاصرة أو أصلية: وتعني أن الشريعة أعطت الشخص القدرة على تزويج نفسه دون توقف على رضا أحد أو قبوله.

وولاية على النفس متعدية أو نيابية: وتعني أن الشريعة أعطت صاحب هذه الولاية القدرة على تزويج غيره وأن ينوب عنه في حق الزواج، وهي إما ولاية إجبار بمعنى: أن للولي أن يستبد بأمر تزويج من تحت ولايته من غير إذنه، وولاية اختيار أو شركة بمعنى أن الولي إنما يشارك في الرأي، ولا يجوز له أن يجبر من تحت ولايته على الزواج بمن يرضاه، فالأمر متوقف على رضا الطرفين جميعًا.

ما اتفق عليه الفقهاء فيما يخص الولاية في الزواج:

وقد اتفق الفقهاء على عدة أمور تخص موضوع الولاية في الزواج:

1- اتفقوا على ثبوت الولاية القاصرة على النفس للرجل البالغ العاقل، فإذا زوَّج الرجل البالغ العاقل نفسه ممن تحل له بعقد مستوفٍ أركانَه وشروطه فزواجه صحيح لا يملك أحد فسخه أو إبطاله.

2- واتفقوا أن الثيب البالغة العاقلة لا يجبرها أبوها على الزواج بمن لا ترضاه.

3- واتفقوا على أن الأب الكافر لا يكون وليًّا على ابنته المسلمة.

4- واتفقوا أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم، لحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل- ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"( ). ولتزويج النجاشي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة بنت أبي سفيان.

1- الشهود:

واشترط الفقهاء الشهود - على تفصيل بين الفقهاء في ذلك - حتى يخرج الزواج من دائرة السريَّة إلى دائرة الشهرة والإعلان، وأقل عدد يجزئ في ذلك شاهدان ذكران عدلان عند الجمهور، لحديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"( ). وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أنه لا يشترط ذكورة شاهدي النكاح، فينعقد عندهم بحضور رجل وامرأتين( ). وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أن عدالة الشاهِدَين ليست بشرط، فينعقد النكاح بحضور الفاسقين؛ لأن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، واشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبت بالدليل، فمن ادَّعى شرط العدالة فعليه البيان، ولأن الفسق لا يقدح في ولاية الإنكاح بنفسه( ).

وقد اتفقوا على أنه يشترط في الشهود البلوغ والعقل، فلا تصح شهادة طفل أو مجنون، واتفقوا على أنه إذا كان النكاح بين مسلم ومسلمة فيلزم إسلام الشهود، أما إن كان بين مسلم وكتابية فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه إذا تزوج المسلم ذميَّةً بشهادة ذميَّيْن فإنه يجوز، سواء كانا موافقَيْنِ لها في الملة أو مخالفَيْن( ).

2- خُلُوُّ الزوجين من الموانع التي تحرم على كل واحد منهما الزواج من الآخر:

وهذه الموانع هي: المحرمية، بأن يكون أحد الزوجين محرمًا للآخر، سواء كانت المحرمية بسبب القرابة أو الرضاع أو المصاهرة، وسواء في ذلك الحرمة الدائمة أو المؤقتة (أخت الزوجة وعمتها وخالتها)، فإذا طلق الزوج الأخت أو بنت الأخ أو بنت الأخت، حلت الأخت والعمة والخالة.

ومن هذه الموانع: كون الزوج مسلما والزوجة مشركة غير كتابية، أو كون الزوجة مسلمة والزوج غير مسلم.. إلى غير ذلك مما ذكرناه قبل في الخطبة المحرمة، وسنفصله في حديثنا عن المحرمات من النساء.

تزويج الصغير والصغيرة

جماهير الفقهاء على أن للأب ولاية إجبار على ابنه وابنته الصغيرين، فله تزويج الصغير والصغيرة، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك فقال: ((وأجمعوا أن نكاح الأبِ ابنتَه الصغيرةَ البكرَ جائزٌ إذا زوجها من كفء))( ).

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في بيان عِدَد النساء: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[الطلاق:5]. فقد بيَّن الله عدة الصغيرة التي لم تحض، وفي هذا إباحة تزويج الصغيرة، إذ لا تكون العدة إلا من فرقة زواج صحيح، فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها فيعتبر.

وفي الحديث المتفق عليه عن عائشة أن النبي تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا( ). وفي رواية: تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع سنين. وعند مسلم: قالت: " فقدمنا المدينة، فوعكت شهرا، فوفى شعري جميمة، فأتتني أم رومان، وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخت بي فأتيتها، وما أدري ما تريد بي فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه هه، حتى ذهب نفسي، فأدخلتني بيتا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي وأصلحنني، فلم يرعني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه( ).

ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها.

وزوَّج عليٌّ ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما( )، ولم يعترض أحد من الصحابة. فهذا عمل اثنين من المبشرين بالجنة، وإجماع سكوتي من غيرهم من الصحابة.

وخالف في هذا فريق من العلماء فرأوا أنه لا يزوِّج الصغير والصغيرة حتى يبلغا، واستدلوا بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ..}[النساء:6]، فقد نقل الطحاوي في (مختصر خلاف العلماء) عن ابن شبرمة أَن تَزْوِيج الْآبَاء على الصغار لَا يجوز( ).

وقال ابن حزم: قال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة إلا حتى تبلغ وتأذن، ورأى أمر عائشة رضي الله عنها خصوصًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كالموهوبة، ونكاح أكثر من أربع( ).

وعزاه السرخسي في (مبسوطه) إلى ابن شبرمة وأبي بكر الأصم فقال: ((وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوَّج عائشة رضي الله عنها، وهي صغيرة بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، وكانت عنده تسعًا.

لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، ولأن ثبوت الولاية على الصغيرة لحاجة المولى عليه حتى إن فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات، ولا حاجة بهما إلى النكاح؛ لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة، وشرعًا النسل، والصغر ينافيهما، ثم هذا العقد يعقد للعمر، وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمهما ذلك إذ لا ولاية لأحد عليهما بعد البلوغ))( ).

وقد عزاه الكاساني في (البدائع)( ) والعيني في (البناية)( ) إلى عثمان البتي.

وفرَّق ابن حزم بين الصغير الذكر والصغيرة الأنثى، فلم ير للأب ولا لغيره ولاية إجبار على الصغير الذكر، فقال: ((ولا يجوز للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدًا، وأجازه قوم، لا حجة لهم إلا قياسه على الصغيرة.

قال علي: والقياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا القياس قياس آخر مثله، وهو أنهم قد أجمعوا على أن الذكر إذا بلغ لا مدخل لأبيه ولا لغيره في إنكاحه أصلًا، وأنه في ذلك بخلاف الأنثى التي له فيها مدخل: إما بإذن، وإما بإنكاح، وإما بمراعاة الكفء، فكذلك يجب أن يكون حكمهما مختلفين قبل البلوغ)).

مساحة إعلانية