رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات

1351

أكرم كساب لـلشرق": قهر الحكام للشعوب سبب رئيسي للتعصب والتشدد

14 يونيو 2016 , 12:46م
alsharq
أجرى الحوار ـ عبدالحميد قطب

المدير التنفيذي لرابطة علماء أهل السنة د. أكرم كساب لـ "الشرق":

"رمضان" ثورة إسلامية على النفس والظلم والاستبداد

الصوم يقوي عزيمة المسلم لمواجهة كل ما يسيء له أو يحط من قيمته

من كان في مقدوره نصرة المستضعف بتغيير الحال لا يقبل منه الدعاء فقط

المسلم مطالب بنصرة المستضعفين والمشردين بكل ما أوتي من طاقة

الأنظمة الطاغية والمستبدة قدر أمتنا لكنها ليست قدرا يجب الاستسلام له

آفة بعض المتدينين أنهم يمهدون للظلم بفهمهم الخاطئ للدين ويروجون للاستبداد ببلاغهم الكاذب

الإسلام بشعائره وعباداته يرفض الاستبداد والاستعباد لأن الناس جميعا عبيد لله رب العالمين

ديننا لا يربي نعاجا وإنما يربي أسودا تزأر ورجالا تقول للظالم أنت ظالم

التعصب بغير دليل والتشدد في موضع اللين من الأمور التي تهلك الأمم

أكد الدكتور أكرم كساب المدير التنفيذي لرابطة علماء أهل السنة أن رمضان ثورة إسلامية حقيقية على النفس والظلم والاستبداد في آن واحد، لافتا إلى أن الشهر الفضيل يقوي عزيمة المسلم لمواجهة كل ما يسيء له أو يحط من قدره.

وقال كساب في حواره مع "الشرق": إن الصوم الحقيقي يفرض على أصحاب الثروات أن يعيشوا أزمة إخوانهم في شتى بقاع الأرض، حتى يشعر الناس بأن الإسلام دين جماعي لا فردي، موضحا أننا مأمورون بأن نحول بين إخواننا وذل السؤال؛ فكيف بسفك الدماء وهتك الأعراض واحتلال البلدان ومطاردة الشرفاء.

وأضاف أن من كان في مقدوره النصرة بتغيير الحال لا يقبل منه الدعاء فقط، ومن كان في مقدوره النصرة بالمال لا يقبل منه النصرة بالدعاء وفقط، ولكن من عجز عن ذلك فلا أقل من أن يدعو لإخوانه صباح مساء.

وشدد كساب على أن الأنظمة الطاغوتية هي التي تستعبدنا وتقتلنا وتستبيح الدم والمال والعرض والأرض، وهي قدر أمتنا، لكنه قدر ينبغي ان يدفع بالقدر أيضا، فلا يجوز الاستسلام لها.

وأضاف أن تجبر الحكام الظلمة واستبداد الطغاة الفجرة الذين باركت الدول الكبرى استبدادهم، هو الذي أنتج التعصب والتشدد، وكان بيئة صالحة للتكفير والتفجير لا التفكير والتعبير.

وأكد كساب أن الأنظمة المستبدة في عالمنا الإسلامي، أنظمة عميلة وإن ادعت الوطنية، لافتا إلى أنها لن تتقدم بشعوبها خطوة إلى الأمام، فهي مرتع خصب لإنتاج الفراعنة الجدد.

وإلى نص الحوار...

بعض المسلمين يركزون بشكل كبير على الطاعات والعبادات في شهر رمضان بينما يتجاهلون أشياء أخرى.. فهل رمضان شهر عبادات فقط أو شهر جهاد وكفاح ومقاومة للطغيان؟

يخطئ من يتصور أن رمضان شهر دعة وكسل، ويخطئ من يتصور أن رمضان شهر للعبادات والشعائر التعبدية فحسب، وإنما رمضان شهر للجد والعمل، وما العبادات فيه إلا سبيل من سبل التربية على الصبر والتحمل واجتياز الصعاب والتغلب على الشهوات، وإذا كانت مواجهة الطغيان تحتاج إلى قوة وعزيمة فإن شهر رمضان يقوي هذه العزيمة في نفوس الصائمين، ألا ترى هذا الصائم وقد تضور جوعا وبين يديه لذيذ الطعام والشراب، وعف عن شهوته وبين يديه زوجته التي أباحها الله له، إنه يترك كل هذا عن طواعية دون أن يراقبه مراقب، أو يحرسه حارس، أو يتجسس عليه سلطان، والحق أن الصوم الذي يربي في الإنسان قوة الضمير، والذي يجعله ينتصر على نفسه؛ هو هو الفريضة التي تجعله يأبى الظلم بكل أنواعه.

هل تتفق مع من يقول إن رمضان ثورة على كل ما يخالف شرع الله؟

نعم رمضان ثورة.. إن الصوم ثورة على كل قبيح وسيء، ثورة على ما يسيء للمرء أو يحط من قيمته، أو يقلل من رسالته، مهما كان هذا المسيء فردا أو حاكما، فهو: ثورة على الكسل والدعة والنوم؛ "عليكم بهذا السحور؛ فإنه هو الغداء المبارك"، وعن عائشة قالت: كان رسول الله إذا دخلت العشر شد مئزره. ثورة على الشهوة الجامحة؛ "فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم؛ فإن الصوم له وِجاء"، "يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي". ثوة على الماديات التي لا تتعلق إلا بالجسد؛"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". ثورة على الأنانية وحب الذات: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء". ثورة العلاقات الزوجية الفاترة {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]. ثورة على حب الظهور والنفاق: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي". ثورة على الأخلاق السيئة: "‏وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ"، "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه". ثورة على الظلم والطغيان، وما الظلم والطغيان إلا زور وإثم ومن باب أولى على الصائم أن يثور عليه.

الروح الجماعية

كيف نستغل رمضان في شحذ الهمم ونصرة قضايا المسلمين؟

من أهم الميزات التي تتحصل بشهر رمضان وفريضة الصيام؛ الشعور بروح الجماعة، والاهتمام بقضايا الأمة، بل شعائر الإسلام كلها تصنع هذه الروح الجماعية، التي لا تعرف حدودا جغرافية ولا حواجز مصطنعة رضي بها العرب والمسلمون، والسر في ذلك أننا أمة وصفها الله بانها (امة واحدة) أمة لا تقبل بالفردية، لأن الحالة الفردية مهلكة والنجاة في التوحد والعمل الجماعي، وقد روى الترمذي عن عمر: "... عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة.. من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة"، وعند أبي داود عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

ويأتي رمضان ليكون الخطاب فيه للأمة كل الأمة، فالله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، وصوم المرء لا يكون له وحده، وإنما صومه مع الناس كل الناس، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ"، فلا يعتد بصيام أفراد هنا أو هناك، إنما الصوم الحقيقي ما كانت الأمة كلها صائمة، بلا انفراد ولا شذوذ، ومن ثم فلا يمكن أن يحقق الصوم رسالته في عالم المسلمين دون أن يشعر المسلمون بعضهم ببعض، فيعطف الغني على الفقير، ويحنو القوي على الضعيف، ويعين الأثرياء فقراء الأمة في كل مكان، وقد جاء في الأثر: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، وإذا كان ذل السؤال نحن مأمورون بأن نحول بينه وبين إخواننا؛ فكيف بسفك الدماء وهتك الأعراض واحتلال البلدان ومطاردة الشرفاء في العديد من بلداننا، كيف يحقق الصيام تقواه في نفوس الصائمين وهم يأكلون ملء بطونهم ويضحكون ملء أشداقهم، إن الصوم الحقيقي يفرض على أصحاب الثروات أن يعيشوا أزمة إخوانهم بدلا من أن ينفقوها على غانية هنا أو تافه هناك، أولى بهم أن تنفق على البطون الخاوية والأمعاء الخالية والنفوس الحائرة والشخوص الجاهلة؛ لا أن تنفق في ليال حمراء على غانية أو راقصة، وقد جاء في الحديث: "ما يُؤْمِنُ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ طاوٍ إِلَى جَنْبِهِ" رواه ابن أبي شيبة والبزار وصححه الألباني، وفي رواية عند احمد: "أيما أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللهِ تَعَالَى"، بل أزيد فأقول عن الأموال التي تنفق في نوافل العمرات والحجات تذهب في غير طريقها، إذ طريقها الأولى هو إطعام الفقراء وهداية الحيارى، وتعليم الجهال، وإيواء المساكين، وسل أطفال سوريا واليمن وفلسطين والعراق يأتيك الخبر اليقين..

دين جماعى

كيف نحفز الناس على الدعاء للمستضعفين والمشردين والسجناء في هذا الشهر الكريم؟

لا بد أن يشعر الناس أن الإسلام دين جماعي لا فردي، وأنه كما جاء في الصحيح:"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"، وفي الأثر:" مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ»، وهذا يستوجب أن تكون النصرة للمستضعفين والمشردين أينما كانوا بكل ما أوتي الإنسان من طاقة، فمن كان في مقدوره النصرة بتغيير الحال لا يقبل منه الدعاء فقط، ومن كان في مقدوره النصرة بالمال لا يقبل منه النصرة بالدعاء وفقط، ولكن من عجز أن ينصر بالكلمة أو البيان، ولم يكن من ذوي الثراء والمال، فلا أقل من أن يدعو لإخوانه صباح مساء، فهذا جهد المقل، ولا نستقل هذا الدعاء؛ فكم من دعوة ربما لا يلقي لها صاحبها بالا إلا وكان لها أثر في نصرة مظلوم أو دحر عدو.

الأنظمة المستبدة

هل الأنظمة الطاغوتية التي تستعبدنا وتقتلنا وتستبيح الدم والمال والعرض والأرض قدر أمتنا؟

نعم هي قدر أمتنا، لكنه قدر ينبغي أن يدفع بالقدر أيضا، إنها ليست قدرا يجب الاستسلام له، بل نغلبها بقدر الله، وندفعها بقدر الله، شعارنا في هذا ما قاله عمر بن الخطاب لأبي عبيدة حين ضرب الطاعون الشام وعزم عمر على الرحيل فقال أبو عبيدة: أفرار من قَدَر الله، فقال عمر: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة — وكان عمر يكره خلافه — نعم، نَفِر من قَدَر الله إلى قدر الله.

إن عظمة الإسلام في كونه يعلي من قيمة الإنسان، ومن ذلك إعلاؤه من شأن حريته، إذ الإنسان كما قال عمر لعمرو بن العاص (رضي الله عنهما): متى استعبدت الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

إن الإسلام بشعائره وعباداته يرفض الاستبداد والاستعباد، فما الناس جميعا إلا عبيدا لله رب العالمين، ولذلك في الصلاة حين يخطئ الإمام لا يتركه الناس على خطئه، بل لهم رده، ويتعين الرد ويجب إن غيّر معنى الآية القرآنية، والخطيب على المنبر ليس نبيا معصوما، وإنما هو بشر يقوّم إذا أخطأ ويرد عليه إذ جانَبه الصواب.

لكن هناك علماء دين يساندون الطغيان؟

للأسف، فإن آفة بعض المتدينين أنهم يمهدون للظلم بفهمهم الخاطئ للدين، ويروجون للاستبداد ببلاغهم الكاذب عن الله رب العالمين، والحق أن هذا الدين لا يربي نعاجا؛ وإنما يربي أسودا تزأر، ورجالا تقول للظالم أنت ظالم، وتدفع قدر الله بقدر الله، وإلا ذهب ما فيها من خير، وما لها من خيرية، وفي الحديث: "إِذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهَا" رواه أحمد.

ومن ثم جعل الإسلام أفضل الجهاد: "كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ، أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ" رواه أبو داود، وجعل: "سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَام إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ" رواه الحاكم، ومن ثم فرض الله مدافعة الظلم على مراتب لا ينبغي للمسلم أن يعدمها جميعا، وإلا فتش عن إيمانه، روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ".

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم الركون إلى المستبدين الظالمين سببا من أسباب الهلاك، ومن ذلك قوله: "إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَيُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ" رواه أحمد. ويبدو لي أن ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم للداخلين على الحكام الظلمة المصدقين والمعينين لهم؛ فيه أمر بمقاطعة هؤلاء، وهو مقدمة لسحب الثقة، والعصيان المدني إذا احتاج الأمر.

ما الذي يُفرز التشدد والتعصب.. الدين الإسلامي أو الأنظمة المتجبرة المستكبرة التي تقتل شعبها وتجبرهم على استخدام العنف لحماية أنفسهم؟

التعصب.. دعني في البداية أقول بأن التعصب بغير دليل والتشدد في موضع اللين من الأمور المهلكة التي تهلك الأمم، ويستحيل أن نسلم بأن التعصب والتشدد ناتج عن الدين الإسلامي، لا شك أنه على مرّ التاريخ الإسلامي من عرفوا بالتشدد أو التعصب؛ حتى في طائفة العلماء، لكنه تشدد للحق، وتعصب للصواب، لكن الذي يتأمل القرآن وتفسيره، والحديث وشروحه، ويعايش الفقه الإسلامي وآراء علمائه يدرك جيدا كيف شنع الإسلام بالتشدد ولام المتعصبين.

إن من أكبر الداءات التي منيت بها أمتنا في عصور التخلف والانحطاط داء وبيل اسمه "التعصب"؛ هذه الكلمة البغيضة التي جاء الإسلام ليحاربها شكلاً وموضوعا، إن الإسلام يشنع تشنيعا كبيرا بالمستبدين حتى في الرأي، لأن المستبد يرى — بإفراطه أو تفريطه — نفسه صاحب الحق الأوحد، مما يؤدي إلى مصادرة الرأي الآخر.

ماذا عن المسلم الذي يتعصب لرأيه؟

إن المتعصب لرأيه والمستبد له إنسان لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا قوله، ولا يؤمن إلا بشيخه، فولاؤه ليس لأحد إلا لما اعتقده، وغيره باطل مهما كان دليله، ولهذا كانت حملة الإسلام كبرى على هذا الصنف، وما أروع ما نقل عن الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

لكن الذي تبصره العيون ولا تخطئه العقول هو تجبر الحكام الظلمة واستبداد الطغاة الفجرة الذين باركت الدول الكبرى استبدادهم، وهذا هو الذي أنتج التعصب والتشدد، وكلما جنح الحكام الظلمة إلى قهر الشعوب ازداد التعصب والتشدد، بل كانت هذه بيئة صالحة للتكفير والتفجير، لا التفكير والتعبير، إن الطغاة من حكام العرب والمسلمين — وما أكثرهم — يعيشون حالة فردية في الحكم بعد أن قتلوا المؤسسات الشورية، فأصبحت المؤسسات الحكومية التي من اهم أدوارها أن تقوّم الحاكم أصبحت ترى رأي سيدها هو الرأي الأوحد، وقد ينزلون عليه صبغة إلهية، فإذا صدر من سيدها حكم فلا معقب له! وإذا بدا منه أمر، فلا راد لأمره.

والحق أن في ظل هذا الحكم اغتصابـًا لإرادة الأمة، وأي اغتصاب أمرّ من اغتصاب إرادة الأمة وعقولها وحقوقها، إنه منطق فرعون حين قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر:29)، هكذا بكل جرأة {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى}!!

مساحة إعلانية