رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

1404

بيت لاهيا.. أرض طيبة تنتج "الذهب الأحمر" رغم أنف الاحتلال

11 يونيو 2022 , 08:14ص
alsharq
غزة/ حنان مطير

إلى الشمال من قطاع غزة، وتحديدًا في شوارعِ بلدة بيت لاهيا الترابية  تنبعث رائحة الأرض المَرويّة كعطرٍ مُعتّق أدمنَه عاشق، لتطغى على رائحة البارود الذي خلّفه المُحتلّ.

أوائل شهر مارس الجاري الدافئة هدأتِ المنطقةُ من ضجيج الناس، فعزفت العصافيرُ ألحانًها على خيوط الشمس، ورقصت السواقي ناثرةً مياهها على البذور والأشتال برويةٍ وهمس، وتباهت جماعات "أبو قردان" ذات الأعناق المعقوفة للخلف بفرد أجنحتها بجوار نبات "الهِيشِ" قرب أرضٍ منخفضةٍ قليلًا تجمّعت فيها مياه المطر في الأيام السابقة.

اجتزنا الأرض بسلام، بصُحبة الدكتور مكرم الشريف الذي حفظ تفاصيل المكان بدقّة لكثرة ما تعلّق قلبُه بناسها وأرضها التي تشتهر بزراعة التوت الأرضي" الفراولة"، فكان دليلي ومُرشدي، وكلّما مرّ بشارعٍ لوّح إليه أحدُهم على بساطتِه برحابةٍ وبادر في دعوتِه لرَكن سيارته واحتساء فنجان قهوة أو الاستمتاع بطعم ثمرة .

حكاية مَحبة الطبيب الشريف لبلدة بيت لاهيا وناسِها ابتدأت عام 2015 حين اشترى من الحاج اللهواني حسنين خضير 100 شتلة زيتون، ومنذ ذلك الحين توطّدت العلاقة بين الشريف الذي يعود بأصوله لقرية بربرة المهجّرة على أيدي عصابات الهاجاناة الصهيونية عام النكبة 1948 ، وبين عائلة حسنين المتزوج من "3" فلسطينيات أنجبن العديد من الأبناء.

أرض خصبة وقلوب نقية

"الأرض طيبةٌ تلفظ الخبيثين ولا تقبل بين جنباتِها إلا الطيبين".. قالها الشريف في إشارة لطيبة ونقاء قلوب سكان تلك البلدة وقد توقّف أمام أول لَهوانيّ  التقته "الشرق" في مزرعة الفراولة الوفيرة وسط ريف بيت لاهيا الوسيع. 

عبد الرحمن خضير -27 عامًا- هو أحد أبناء الحاج حسنين، مستأجر لثمان دونمات من الأرض التي زرعها بالفراولة، ويعمل لديه في أيام التصدير للضفة الغربية "7" عمال، وفي باقي الأيام "4" من العمال لتكون الأرض مصدر رزقهم.

من بين أولئك العمال محمد معروف -34 عامًا- الأب لابنٍ وحيدٍ أنجبه بعد طول انتظار ودفع لأجل ذلك مبالغ باهظة، يروي "للشرق" :" الأرض هي كل حياتي، لأنها مصدر رزقِي الوحيد".

معروف لم يكن يتوقّع يومًا أن ينتهي به الأمر إلى العمل في المزارع لجلب رزقه فقد درس دبلوم الصيدلة من أجل أن يعمل في ذلك المجال الذي يحبه قبل أن يصطدم بالواقع الصعب للخريجين.

 

 

رزق يسير

يقول:" أمضيت عامين بعد تخرجي أبحث عن عمل في تخصصي أو حتى عن فرصة للعمل على بند البطالة في وكالة الغوث دون أن أحظى بها، حتى قررت العمل في أي عملٍ يُمْكِنني من خلاله أن أوفر مصدر دخل لي ولعائلتي".

ويضيف:" عملت في الطوبار، ومن ثم في المزارع منذ 9 سنوات، حيث حصلت على مجموعة من الدورات التدريبية الزراعية وباتت هذه الأرض متنفسي".

يمضي معروف أيامه مع المزارعين في المزرعة ما بين الري والتعشيب ورش النباتات بالمبيدات الحشرية وتغطيتها بالدفيئات البلاستيكية وتكشيفها حسب الظروف المناسبة، حتى الوصول لمرحلة القطف التي تعد أكثر مراحل العمل بذلًا للمجهود.

 

ويعمل معروف في الأرض من الصباح الباكر حتى الرابعة عصرًا ليحصل على مبلغ يقارب 12 دولار، وهو مبلغ متعارف ومُتَّفق عليه في كل المزارع، لكنه لا يغطي إلا الاحتياجات الأساسية لدى الأسرة وفق ما يقول "للشرق".

الوضع ليس أفضل حالًا عند العامل خليل الحسومي -39 عامًا- الأب لثمان طفلات ولا مفر أمامه  من الديون.

لكن أجمل ما في العمل الروح الجميلة التي يمتلكها العمالُ ومستأجِرُ الأرض خضير – وفق الحسومي- الذي يقول:" معاملته الطيبة تدفعنا لمواصلة العمل بحب وضمير، فنعمل في المزرعة كما لو أنها ملكنا، ونحرص على كل ثمرة كأنها ولد من أولادنا".

 

وعلى تراتيل القرآن الكريم عبر أثير هاتفه يستفتح الشاب  أحمد مسعود -17 عامًا- يومه في مزرعة الفراولة وكذلك البطاطا ليعمل بجدٍ ومهارة "أعمل في المزرعة بالأساس لمساعدة أمي ومنعها من الإحساس بالعوز خاصة في توفير العلاج، فقد أجرت عملية قلب مفتوح وبهي بحادة لعناية خاصة" يحكي "للشرق".

ويقول مبتسمًا:" في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نعيشها وفي كل حين، يكفيني رضاها ليُسهّل الله لي أمور حياتي ويوفقني".

ويشكو المستأجِر للأرض أكرم خضير على مدار عمله في الأرض مدة 12 عامًا، من غلاء تكاليف المواد الخام ومن وقوع المزارعين تحت رحمة ومزاج الاحتلال الاسرائيلي في فتح وإغلاق معبر كرم "أبو سالم" الذي يسيطر عليه.

عراقيل الاحتلال

الاحتلال لم يتوقّف عن قتل أحلام الفلسطيني وغلق منافذ حياته ورزقه، ففي أرض واسعة تقرب من سلك الاحتلال يجلس الشاب محمد خضير برفقة ابن عمه خضر يحتسيان فنجان قهوة -كان لنا نصيب منها فيما بعد- كانا يجلسان مستمتعين بمنظر الطبيعة الهادئ، فلحسن الحظ لم يكن أزيز طائرات الاستطلاع الصهيونية المستبيحة لسماء غزة موجودًا.

"المُزارع شقيّ" يصف محمد "للشرق" ويقصد أن المزارع يعيش في عناء وتعب، ويسرد:" العدوان الأخير الذي شنه الاحتلال على غزة في مايو 2021 دمّر كل ما زرعناه وكبّدنا خسائر فادحة، كنت مستأجرًا للأرض وقد زرعتها بالبطاطا، حيث لم يبق الكثير على حصادها".

 

ويواصل: "20 يومًا لم ترتوِ الأرض بالماء بسبب خطورة الوصول للمنطقة، ناهيك عن تدمير القذائف الصاروخية لشبكة الري بالكامل".

وبالرغم من تدمير كل شيء عاد محمد ليزرع من جديد تلاحقه الكثير من الديون، ليصطدم بواقع آخر، ففي الوقت الذي امتلأت المزارع بالبصل يتم استيراده من مصر ويُباع في السوق بسعر أرخص، في حين أنه متوفّر في القطاع وعلى وشك حصاده -وفق محمد-.

المحطة الأخيرة في بلدة بيت لاهيا كانت في مشتل أبو الوليد حسنين الذي قرّر أن يبني نفسه بنفسه منذ عمر -18- حين اختار العمل في نباتات الزينة، ليُنافس به أكبر أصحاب المشاتل ويتفوق عليهم، وينالني منه بضع شجيراتٍ تذكرني ببيت لاهيا وأهلها الطيبين.

مساحة إعلانية