رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

دين ودنيا

1490

القرضاوي: التلمساني لم يكن يفرّط في حق أو يداهن في باطل

10 يوليو 2015 , 04:41م
alsharq

الكتاب: "في وداع الأعلام"

المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي

الحلقة : الرابعة والعشرون

إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه).

ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة.

إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!.

وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم... وفي حلقة اليوم يتحدث الشيخ القرضاوي عن الأستاذ عمر التلمساني والشيخ عبدالبديع صقر

الأستاذ: عمر التلمساني

المرشد الثالث للإخوان

(1322 – 1406هـ = 1904 – 1986م)

في 13 من شهر رمضان 1406 الموافق 22 مايو 1986، انتقل إلى جوار ربه الأستاذ عمر التلمساني، المرشد الثالث للإخوان المسلمين، وقد صُلي عليه في مسجد عمر مكرم، ودُفن في مقابر مدينة نصر، وشيَّعته جماهير غفيرة تقدر بالألوف، من إخوان مصر وأحبائهم، رغم حرارة جو القاهرة، ومع صيام شهر رمضان. ولم يقدر لي أن أشهد جنازته، فقد كنت في قطر، وإن شاركت بالدعاء له والترحُّم والصلاة عليه، والحديث عنه بما يستحق.

وقد ودعته الجموع بأعين باكية، وقلوب آسية، وألسن داعية.. كلها تبتهل إلى الله عز وجل أن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن الإسلام ودعوته وأمته خير ما يجزي الدعاة الصادقين، والعلماء العاملين.

خصال الخير في الأستاذ عمر:

كان الأستاذ التلمساني رجلًا مُحببًا إلى خلق الله، لما وهبه الله من خصال الخير، وفضائل الإيمان، ومكارم الأخلاق، كان سهلا سمحا باسم الثغر، حييّا متواضعا، لين الجانب، رفيقا رقيقا مع القريب والبعيد، والكبير والصغير، والمسلم وغير المسلم، كأنما اقتبس ذلك من أخلاق النبوة التي أثنى الله على صاحبها بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].

يقول المصريون في مثله: يوضع على الجرح فيبرد! كأنما هو مرهم أو ترياق. ومع هذا لم يكن يفرّط في حق، أو يداهن في باطل؛ بل كان متمسكا بالعروة الوثقى لا انفصام لها، علمًا وعملًا، وإيمانًا وسلوكًا، وغيرة وجهادًا.

في معتقل الطور سنة 1949م:

كان معنا في معتقل الطور سنة 1949، واتفق الإخوان المعتقلون على أن يولوه قيادتهم في المعتقل، بعد استدعاء الأستاذ البهي الخولي للتحقيق معه، امتثالا للحديث النبوي "إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم". ولكنه سرعان ما استُدعي هو الآخر، واختار المعتقلون بعدها الشيخ الغزالي، وهو في ريعان شبابه.

في سجون عبد الناصر:

عمل مع المرشد الأول حسن البنا، ثم عمل مع المرشد الثاني حسن الهضيبي، فلما اصطدمت الثورة بالإخوان، أو اصطدم الإخوان بالثورة، كان عضوًا بمكتب الإرشاد العام للجماعة، فقُدم للمحاكمة مع من قُدِّموا من قيادات الإخوان، وقد حكم عليه بخمسة عشرة سنة سجنًا مع الأشغال الشاقة، هو والعالم الأزهري الكبير الشيخ أحمد شِرِيت رحمهما الله تعالى.

قيادة التلمساني للجماعة في عهد السادات:

وبعد أن قضى مدة سجنه، خرج ليتولى قيادة الجماعة في عهد السادات، بحكمته ورفقه وأناته وحِلمه، وحُسن سياسته، وتأنيه للأمور، في غير عنف ولا إحراج.

وأصدر (مجلة الدعوة) الأسبوعية من جديد، ليرأس تحريرها، ويكتب فيها مقالا أو أكثر كل شهر.

وكان بحلمه وسماحته ورقته يحل كثيرا من المشاكل المعقدة، التي تصعب على الكثيرين أن يحلوها بطريق الشدة والقوة وعرض العضلات.

بين التلمساني والسادات:

وقد اجتمع مرة مع الرئيس السادات ممثلا لدعوة الإخوان، التي اعترف بها واقعا وفعلا، وإن لم يعترف بها رسميا وقانونا، وقد ذكر السادات عنه شيئا، فقال له: ليس لي إلا أن أشكوك إلى الله؛ فإن الإنسان إذا ظلمه شخص عادي، شكاه إلى الحاكم، فإذا ظلمه الحاكم نفسه، لم يكن له إلا أن يشكو إلى الله!

وهنا قال له السادات: لا تشكني إليه، فإني أخافه سبحانه، وأعرف قدره، ولا قِبَل لي به جل جلاله!

قال التلمساني: ولكني أشكوك إلى رب عادل، لا يظلم مثقال ذرة، ولا يخاف أحد عنده ظلما ولا هضما!

قال السادات: ومع ذلك أنا أخافه ولا أدعي العصمة.

زيارة التلمساني لي في قطر:

وقد سعدت بزيارته في قطر، واستقباله في منزلي، أول ما تولى منصبه، وقد التقى بعدد من الإخوان الذين يعملون في قطر، وإن كان منهم من لم يعد له صلة بالتنظيم الإخواني، بل هو من الإخوان بحكم النشأة والولاء، وأذكر من الموجودين: عبد البديع صقر، وعز الدين إبراهيم، وكمال ناجي، وعلي جمّاز، وعبد اللطيف زايد، وآخرين.

وكان الأستاذ عمر الأميري بالدوحة، فالتقى العُمران رحمهما الله.

لقاءاتي المتكررة بالتلمساني:

ولقيته أكثر من مرة في اجتماعات مجلس الشورى العالمي، أيام البحبحة، والسماح لقادة الإخوان بالسفر إلى الخارج، كما التقيته في القاهرة في دار الإخوان بالتوفيقية.

وفي أحفال كبيرة يقيمها الإخوان بمناسبات شتى كالمولد النبوي، والهجرة النبوية، وغيرها، في الساحات الكبرى، في القاهرة والجيزة وبعض عواصم المديريات (المحافظات).

وحين قرر إعادة إصدار (مجلة الدعوة) الشهرية، رأس تحريرها، ودعاني إلى الكتابة فيها، فكتبت فيها عدة مقالات عن شمول الإسلام، وعن الجهاد، وعن شرح بعض الأصول العشرين، كما نشرت فيها كتابي (ثقافة الداعية) على حلقات..

وقد انتشرت الدعوة في عهده في مصر وفي خارج مصر، فقد أثبت الواقع الذي تعيشه الأمة أنه لا خلاص لها إلا بالعودة إلى الإسلام الحقيقي، بتوازنه وتكامله وتسامحه، وأن دعوة الإخوان هي أقرب الدعوات المعروضة في الساحة إلى الإسلام الحق، وإلى المنهج الوسط، الذي لا ينحاز إلى اليمين أو اليسار، ولا إلى الغلو، ولا إلى التفريط.

وكان معتدًّا بقيادة الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة ويسميه (الملهَم الموهوب).

إيثاره السهولة والسماحة:

كما كان يؤثر السهولة والسماحة في كل شيء، ولا يميل إلى التفلسف والتنظير وما إلى ذلك من تعقيدات أهل الفكر، ومُجادلي التيارات المخالفة.

قيل له يوما: لا بدّ لنا من خطة إستراتيجية، تستلهم الماضي، وتعايش الحاضر، وتستشرف المستقبل.

فقال: لا أرى أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى هذا كله. هل يحتاج قولك للناس: اتقوا الله، واعملوا بإسلامكم، إلى إستراتيجية وخطة مستقبلية... الخ؟!

قلت له: يا فضيلة الأستاذ نحن لسنا مجرَّد وعَّاظ نذكر الناس بالله، والدار الآخرة، نحن مع ذلك دعاة إصلاح للأمة، وتجديد الدين، ولنا أهداف كبيرة، نريد الوصول إليها، وهذه الأهداف تحتاج إلى وسائل متنوعة، وإلى مراحل محددة، تسلم كل مرحلة إلى الأخرى، كما علينا أن نحدد المفاهيم التي تلتبس على الناس، ونرد الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام، ونضع المفاهيم العلمية والدعوية والتربوية وغيرها اللازمة للنهوض بالأمة، والسير بالجماعة إلى الطريق الأقوم، والسبيل الأوضح.

وهنا قال: أدعو الله يا شيخ يوسف أن يوفقكم فيما تصبون إليه.

رحم الله الأستاذ التلمساني، وغفر له، وجزاه عن العلم والدعوة والإسلام خير ما يجزي العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

الشيخ عبد البديع صقر

رجل الدعوة والتربية والثقافة

(1334 - 1407هـ = 1915 - 1986م)

في 13 ديسمبر 1986م جاءنا – ونحن في قطر- خبر وفاة أخينا الحبيب الداعية المعروف الأستاذ: عبد البديع صقر رحمه الله، غرقًا في إحدى الترع، وهو عائد في الليل من مدينة بلبيس، من بعد زيارة لها لإلقاء محاضرة، فانحرفت به السيارة وهو يقودها, فسقطت في الترعة, ووافاه الأجل.. ولم يعرف الناس بالحادث إلا بعد وقت، فتعذَّر إسعافه، وكتب الله له الشهادة بموته غريقًا، لا سيما وهو راجع من عمل دعوي في سبيل الله. فنسأل الله أن يكتبه في الشهداء والصالحين, وأن يحشره مع النبيين والصديقين.

من الرعيل الأول:

كان عبد البديع من الرعيل الأول من الإخوان، فقد عرف الدعوة منذ سنة 1936م، وكان قريبًا من الإمام حسن البنا، ويحكي عنه وقائع معلِّمة، ونودار لطيفة، وقد كتب له مقدمة لكتابه (كيف ندعو الناس؟). وقد عمل مدة معاونًا للمركز العام، أي مراقبًا للمبنى وأحواله.

تعرفي على عبد البديع:

عرفت عبد البديع أول ما عرفته وأنا طالب في الثانوي، حين قرأت رسالته اللطيفة (كيف ندعو الناس؟). فهذه الرسالة على وجازتها تتضمن نصائح داعية مجرِّب، قويِّ الملاحظة, خفيفِ الرُّوح، سهل العبارة, لا يميل إلى التعقيد أو التكلُّف، مخلص في دعوته, يدخل كلامه إلى القلوب بيسر, فأحببته قبل أن أعرفه.

في معتقل الطور

ثم قُدِّر لي أن ألتقيه في معتقل الطور، فوجدته كما توقعته, شخصية هادئة متواضعة، تراه دائمًا باسم الثغر، بشوش الوجه، فكِهًا خفيف الدم كما يقول المصريون.

وكان الإخوة الدعاة يعقدون اجتماعات، لتدارس شؤون الدعوة, وكيف يمكن تطويرها والارتقاء بها، منهم: الشيخ الغزالي، والشيخ سيد سابق، وعبد البديع صقر.. وعدد من الإخوان نسيتهم لطول الزمن، وكانوا يدعون بعض الشباب ليحضروا معهم، فحضرت معهم عِدَّة مرات.

إلى قطر:

ثم لم يقدَّر لنا أن نلتقي به بعد ذلك لقاء مباشرًا، إلا في قطر، حيث كانت قطر تريد مديرًا للمعارف التي كانت محدودة في ذلك الوقت, وكان المسؤول عنها الشيخ قاسم درويش فخرو رحمه الله, فطلب من الأستاذ محب الدين الخطيب، الكاتب والمحقِّق الإسلامي المعروف: أن يرشِّح له شابًّا نابهًا، يقوم بتوجيه المعارف في قطر، فرشَّح له الشاب النابه الكاتب الإسلامي المتألّق محمد فتحي عثمان، الذي كان قد تخرج في كلية الآداب قسم التاريخ, من جامعة القاهرة.

ولكن لظروف معينة، اعتذر الأستاذ فتحي عثمان، فرشَّح الإخوان بدله الأستاذ عبد البديع صقر.

وسافر إلى قطر, التي كانت تخطو الخطوات الأولى في سبيل نهضتها، وأظن أنها لم تكن فيها مدرسة إعدادية، فضلًا عن الثانوية، في ذلك الوقت, سنة 1954م.

ولم يكن هناك أي مدرسة للبنات, وكانت الحياة كلها بسيطة، أقرب إلى حياة القرية، أو البادية.

مع حاكم قطر الشيخ علي آل ثاني:

وكان ذلك في عهد الشيخ على بن عبد الله آل ثاني رحمه الله حاكم قطر، وكان رجلًا يحبُّ العلم والأدب، ومجلسه دومًا يضمُّ عددًا من العلماء والأدباء والشعراء، يُقرأ فيه ما تيسَّر من الكتب في هذه المجالات.

كما عُني الشيخ عليٌّ بطبع جملة وافرة من الكتب الشرعية والأدبية النافعة، وخصوصًا في الفقه الحنبلي، وفي التفسير والحديث والأدب والشعر.

وقد انضمَّ عبد البديع إلى مجلس الشيخ علي، وأضحى قريبًا منه، وكان يذهب إلى بعض البلاد ليختار المدرسين منها، وخصوصًا سوريا والأردن وفلسطين، إذ لم يكن يستطيع دخول مصر في عهد عبد الناصر.

ثم انضمَّ إليه عدد من المصريين، الذين نجوا من محنة الإخوان سنة 1954-1956م، التي اشتهرت بما فيها من قسوة وتعذيب، إلى حد سقوط بعض الأفراد شهداء تحت السياط. وكان من هؤلاء الناجين: كمال ناجي، وعز الدين إبراهيم, وعلى شحاتة، وعبد الحليم أبو شقة, وحسن المعايرجي، ومحمد الشافعي، وكلهم عملوا مع عبد البديع في المعارف في سنواته الأولى.

الإشراف على مكتبة حاكم قطر:

ثم تغيَّر الوضع في المعارف، بعد أن أصبح مسؤولًا عنها الشيخ خليفة بن حمد، ولي العهد ونائب الحاكم آنذاك، وأُعفي عبد البديع ومن كان يساعده من المصريين، وكلَّف الشيخ عليٌّ حاكم قطر عبدَ البديع بأن يشرف على مكتباته في القصر وفي خارجه.

وظلَّ كذلك، حتى تنازل الشيخ علي عن منصبه إلى ابنه الشيخ أحمد بن علي، ليكون حاكم قطر. وقد قرَّب الشيخ أحمد عبد البديع منه، وكان مشرفًا على مكتبته الخاصَّة، بجوار المكتبات العامة، وكان يجالسه تقريبًا في كل مساء.

وصولي إلى قطر وتجديد صلتي بعبد البديع:

وقد وصلت إلى قطر، في السنة التالية لتولِّي الشيخ أحمد مقاليد الحكم, وجدَّدت الصلة بعبد البديع، بعد أن انقطعت منذ أيام الطُّور.

وكانت لنا لقاءات، أحيانًا في قصر الحاكم، أو في مكتبته بدعوة منه، أو في بيت عبد البديع, أو في بيتنا، أو في بيت الشيخ عبد المعز عبد الستار, حيث وصلنا معًا إلى الدوحة في سنة واحدة. كما كانت هناك صلة مودة بين أسرتي وأسرته، التي تتكوَّن من زوجته الفاضلة أم إبراهيم, وابنته الداعية الناشطة سناء, وابنيه النجيبين إبراهيم وأحمد.

وكان أخونا الأستاذ عبد البديع صقر قد اقترح عليَّ أنا والشيخ عبد المعز أن نزور الحاكم، فليس لائقًا برجال في منزلة الشيخ عبد المعز والشيخ القرضاوي أن يجيئوا إلى قطر للعمل فيها، ولا يزورون حاكمها. قلت له: أيضًا لا يليق بنا أن نقحم أنفسنا على الرجل، أو نفرض أنفسنا عليه، ولم تأتِ مناسبة معينة لذلك. قال: أنا آخذ لكم موعدًا منه. وأخذ لنا موعدًا لنزوره في مكتبته التي كان يشرف عليها الشيخ عبد البديع. وكان لقاء طيبًا، استقبلنا فيه الرجل استقبالًا حسنًا، ورحّب بنا في بلدنا الثاني، وتحدث معنا حديثًا كله مودة ومحبة. وكان غاية في الدماثة والتواضع وحسن الأدب. ثم دعا بالعشاء فتعشينا معه.

مدير دار الكتب القطرية:

وبعد ذلك ضُمَّت مكتبات حاكم قطر إلى وزارة المعارف (التربية والتعليم بعد ذلك), وأنشئت منها (دار الكتب القطرية)، وعُيِّن عبد البديع أول مدير لها. وقد ظلَّ في منصبه إلى أن غادر قطر سنة 1972م بعد الحركة التصحيحية التي قام بها الشيخ خليفة بن حمد, وَوَلي حكم البلاد بإقرار الأسرة الحاكمة, وتأييد الشعب القطري.

وقد اعتقل بعض أتباع الشيخ أحمد فترة قليلة من الزمن، مثل الأستاذ عبد البديع صقر، ولكنه لم يؤذَ في معتقله، ولم توجه إليه أية إهانة، ثم ما لبث أن أفرج عنه.

وقد اعتقل بعض الشباب التابعين للأستاذ عبد البديع، ولم يكن لهم في العير، ولا النفير، فكلمت قائد الشرطة في ذلك الوقت في شأنهم، فأفرج عنهم فورًا.

وانتقل الأستاذ عبد البديع إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث بقي فيها إلى أن انتقل إلى رحمة الله.

تعاوننا في محنة عام 1965

ومن أهم الفترات التي التقينا فيها وعملنا معًا في قطر: سنة 1965م وما بعدها، حين أصاب الإخوان في مصر ما أصابهم من محنة عاتية, هانت إلى جانبها محنة 1954م على قسوتها.

وكان علينا نحن الإخوان في الخارج- وقد عافانا الله من البلاء - أن نعين أسر الألوف من المسجونين والمعتقلين، الذين فُصلوا من أعمالهم تعسُّفيًّا, وضُيِّق على أهليهم وعيالهم بكل سبيل. وقديمًا قالوا: قطعُ الأعناق، ولا قطع الأرزاق.

وكثيرًا ما كنا نجتمع في بيت عبد البديع: الشيخ عبد المعز, وكمال ناجي, وعز الدين إبراهيم, والفقير إليه تعالى، وبعض الإخوة، نجمع بعض التبرعات لتوصيلها إلى الأسرة المُمْتحنة، ولنتعاون مع الإخوة في بلاد الخليج, فيما يجب عمله، من تكثيف الدعاية المضادة لإعلام عبد الناصر الكاسح, ولا سيما في موسم الحج تلك السنة.

على كلِّ حال, كان عبد البديع رجلًا نشيطًا, يحمل الدعوة فكرة في رأسه, وعقيدة في قلبه، وسلوكًا في حياته. وكان مُحِبًّا لإخوانه، بارًّا بهم.

ندوة إخوانية في إستانبول:

وكنا قد اتفقنا أنا وعدد من الإخوان المصريين خاصة أن نلتقي في مدينة إستانبول؛ لنتدارس بعض القضايا المهمة الخاصة بالدعوة، ونقدم فيها ورقات للبحث والمناقشة. وكان الغالب على هذه القضايا الجانب الفكري وتأصيل المفاهيم، وخصوصا بعد أن دار جدل حام بين الإخوان بعد محنة 1965م داخل السجون وخارجها، وطار رذاذ منه إلى الخارج، وحدث التباس في عدد من القضايا، مثل قضية (الجاهلية)، وقضية (الحاكمية)، وقضية (التكفير).. وغيرها. وقد مرت بالجماعة ثلاث محن كبيرة في تاريخها: محنة عهد الملكية، ومحنتان أكبر منها وأقسى في عهد الثورة، كل محنة أكبر من أختها. ومن حق الجماعة، بل من واجبها، أن تراجع نفسها، وتقوِّم مناهجها على غرار ما تفعل وزارات التربية والجامعات والمؤسسات المختلفة في ضرورة مراجعة فلسفتها ومناهجها وسياساتها كل مدة من الزمن؛ لعلها تجد خللا فتسده، أو نقصًا فتكمله، أو عيبًا فتصلحه، أو خطأ فتصححه، وإن جماعة مضى على تأسيسها أربعون عاما لهي أجدر أن تراجع نفسها، وتقوم مسيرتها، طلبًا للتصحيح والتصويب والتعديل والتكميل والتحسين، والمؤمن دائما ينشد الأمثل والأحسن، كما قال تعالى في وصف المهتدين من أولي الألباب: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 18).

وقد شاركت في هذه الندوة بورقتين؛ إحداهما حول "التقليد والتمذهب في الفقه"، والأخرى حول "التصوف والصوفية"، ومحاولة تحرير موقفنا من هذين الأمرين. وكان المشاركون في هذه الندوة على ما أذكر: د.توفيق الشاوي، والأستاذ هارون المجددي، والأستاذ عبد البديع صقر، والشيخ أحمد العسال، ود.صلاح شاهين، وآخرين لم أعد أذكرهم لطول الزمن.

لطف معشره وفكاهته ونوادره:

وكان لطيفًا في معاشرته، في فكاهاته ونوادره، وكان يزور بعض إخوانه، وبعد فترة قليلة يقول: أعتقد أننا قد شرَّفنا! وينصرف.

وكان بيته مفتوحًا لإخوانه، وكان يدعو بعض الناس إلى الغداء عنده، ثم ينسى أن يخبّر أمَّ إبراهيم (زوجته)، فيعود إلى المنزل ليجد الضيوف داخلين معه، ولم يهيئ أهل المنزل لهم الطعام.

فيقدِّم لهم الموجود، ويعتذر لهم، قائلًا: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف:63].

وكان أحيانًا يؤخِّرهم حتى يصنع لهم ثريدًا، ويقول: الثريد هو الطعام الذي يقبل القسمة على أي عدد!

وكان يقول: على الداعية المسلم أن يفتح اعتمادًا دائمًا لتحمُّل البلاء في سبيل الله!

إنشاؤه (مدارس الإيمان) في الإمارات:

وبعد انتقاله إلى الإمارات، التقيته كثيرًا، ولا سيما في جمعية الإصلاح في دبي، حين أُدعى لإلقاء محاضرة هناك.

وقد أنشأ هناك (مدارس الإيمان) في دبي وفي الشارقة, وقد زرتها، ولمستُ فيها من نشاط وروح إسلامية سارية في جنباتها.

وظلَّ الرجل عاملًا لدينه ودعوته, حتى لقي ربه راضيًا مرضيًّا إن شاء الله. رحمه الله وغفر له، وتقبَّله في الشهداء الصالحين.

اقرأ المزيد

alsharq "كيف أصبحت" يناقش أثر الإحسان على الإنسان

استضافت حلقة اليوم من برنامج كيف أصبحت، الذي يبث عبر أثير إذاعة القرآن الكريم فضيلة الشيخ د. كمال... اقرأ المزيد

5481

| 25 أبريل 2019

alsharq وزارة الأوقاف: "إسلام ويب" ينتج عروضاً مرئية بلغات متعددة

قام موقع إسلام ويب بإدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإنتاج أكثر من 6500 من العروض... اقرأ المزيد

4468

| 25 مارس 2019

alsharq عبدالله النعمة: القرآن الكريم يقوي الإيمان ويحصن العقيدة ويوطد الصلة بالخالق

أكد فضيلة الداعية عبدالله بن محمد النعمة أن كل مسلم مهما كان مقامُهُ وعلا شأنُهُ إلا وهو محتاجٌ... اقرأ المزيد

3160

| 01 ديسمبر 2018

مساحة إعلانية