رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات

2640

هجرة اللبنانيين..كارثة تنذر بانفجار اجتماعي

01 يوليو 2020 , 07:00ص
alsharq
الشعب يتظاهر بسبب الازمة الاقتصادية - ا ف ب
بيروت - أماني جحا

على ما يبدو أنّ الأزمة الاقتصاديّة اللّبنانية تشتدّ، ممّا يُنذِر بأنّ مشاكل اجتماعية حادّة ستبرز في الأشهر المقبلة، وبحسب أحد التقارير البحثية التي نُشرت مؤخرًا، فإنّ عدد المهاجرين الذين تركوا لبنان عام ٢٠١٩ تخطّى الـ٦٢ ألفًا، وهو رقم يُعتبرُ كبيرًا جدًّا، ويُهدّد بكارثة تُنذر بانفجار على المستوى الاجتماعي.

في الوقت الذي اشتهر فيه لبنان على أنّهُ بلد سياحي، اشتُهِر أيضًا بأنّه ذلك البلد الصغير الذي يُصدّر الهجرة إلى كافة دول العالم.

تعود الهجرة في لبنان إلى نهايات القرن التاسع عشر، في الوقت الذي احتدمت فيه الصراعات الطائفيّة في سوريا، وكان لبنان يعتبر جزءًا جغرافيًا منها، فأصبح همّ المواطنين في ذلك الوقت السّعي للبحث عن أمكنةٍ أكثر أمنًا واستقرارًا.

فما هي الأسباب الرئيسيّة التي تدفع المُقيمين في لبنان للهجرة؟ وما هي الآمال التي يسعون لتحقيقها في الغربة؟

من الطبيعي أنّه كلّما اشتدّت الأزمة الاقتصادية، كانت عواقبها وخيمة على المواطنين وكلّما انعكست تراجعًا في القدرة الشرائيّة، نتيجة ارتفاع نسبة البطالة وانخفاض قيمة الرواتب أو زوالها.

فالحل الأسرع للانتقال من هذا الواقع نحو واقعٍ أفضل هو الهجرة، خصوصًا وأنّ اللبناني يتمتّع بمهارات عالية.

ولا بد من طرح سؤال هُنا، إن كان ازدياد حالات الهجرة هو نتيجة للأزمة، فما هي العوائِق التي تحدّ من انتشارها؟

يبلغ عدد المُقيمين اللبنانيين على الأراضي اللبنانية حوالي ٥ ملايين شخص، بينما بلغ عدد الجالية اللّبنانية الموزّعة في كل أصقاع الأرض ما بين ١٢ الى اكثر من ١٨ مليون لبناني، وهو أضعاف عدد سكان لبنان.

وبعد اشتداد الأزمة الاقتصادية اليوم وتوقّع تفاقمها في المرحلة المقبلة، حيث تقف البلاد على شفير الانهيار، يستعدّ العدد الاكبر من اللّبنانيين إلى شدّ الرحال والانطلاق نحو عالمٍ جديد. إلّا انّ هذه الخطوة باتت محفوفة بالمخاطر والصعوبات والتحدّيات التي قد تعرقل أو تصعّب هذا الخيار.

الباحث في "الشركة الدولية للمعلومات" محمد شمس الدّين، وفي حديث له، يَعتبر أنّهُ "وفق الاحصاءات التي قامت بها الشركة الدولية للمعلومات منذ مطلع العام حتى نهاية شهر تشرين الثاني ٢٠١٩، تبيّن أنّ عدد اللبنانيين الذين سافروا ولم يعودوا وصل إلى ٦١،٩٢٤ لبنانيًا مقارنة بـ ٤١،٧٦٦ لبنانيًا خلال الفترة ذاتها من العام ٢٠١٨، أي بزيادة ٢٠،١٥٨ وما نسبته ٤٢ في المائة".

وهي أرقام تصدر بشكل سنوي، وبالتالي لا نعلم إن كانت الارقام ستزداد في السنوات المقبلة، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف العمل في الخارج، التي تزداد صعوبة. وبالتالي فلا شكّ أن السفر بات أمرًا صعبًا، لأنّ الدول ما عادت تستقبل مهاجرين بسهولة. كما أنّ ظروف العمل في الخارج باتت صعبة

.

لذا وبمنطق عقلاني، صحيح أن الكثير من اللّبنانيين الراغبين بالهجرة ينشدون الاستقرار العائليّ الذي لا يتمتعون به في وطنهم، مثل السكن والسيارة، في الوقت الذي فيه الأمور في الخارج لم تعد بالسهولة كالسابق، كذلك الرواتب في الخارج لم تعد مرتفعة بل تدنّت إلى النصف. في الوقت عينه يبدو واضحًا جدًّا، رغبة الشباب اللّبناني أو الطلّاب بالهجرة، خصوصا إذا لم يكونوا قد وفّروا بعد مسكنًا خاصًا بهم او لم يؤسّسوا عائلة. وبالتالي يُمكن التّأكيد على أنّ الرغبة بالهجرة موجودة لدى الجميع، إلّا أنّ الظروف ليست مؤاتية أو لا تساعد.

عند بدء التحرّكات الشعبيّة في ١٧ من تشرين الأوّل الماضي، ظنّ كثيرون من الشبّان اللّبنانيين أنّ الظروف ستتحسن وأن هنالك إمكانية لبناء مستقبلهم في وطنهم، لكن حلمهم لم يدم طويلًا أمام تدهور الوضع الاقتصادي والمالي. وتضاعفت نسبة التضخم بين شهري تشرين الأوّل وتشرين الثاني، وفق تقرير بنك «بلوم للاستثمار»، بالتزامن مع خسارة اللّيرة اللّبنانية نحو ثُلث قيمتها أمام الدولار. وأصبح اللّبنانيون مهدّدون في وظائفهم ولقمة عيشهم، وقد أغلقت العديد من المتاجر والشركات أبوابها، وتلقّت وزارة العمل عشرات طلبات الصرف الجماعي، ممّا يؤدّي حكمًا الى ارتفاع نسبة البطالة.

"ر. ب." تحدّثنا عن عائلتها المكوّنة من ٣ أطفال وزوجها، هذه العائلة التي أصبح عمرها اليوم ١٣ عامًا. "ب." التقت بزوجها بدولة الامارات بعد الحرب التي عايشها لبنان عام ٢٠٠٦، تزوّجا هناك ولكن بعد عدد من السنوات قرر الزوجان العودة إلى لبنان، كي يتلقّى ابناؤهما التحصيل العلمي هنا، وليكون نمط واسلوب الحياة الذي يتلقّاه اطفالهما شبيها بنمط واسلوب حياة اللّبنانيين، وطنهم الأم، كذلك الشعور بالمواطنيّة الذي يرغب الزوجان في ان يشعر به أبناؤهم.

بعد فترة من العودة إلى الوطن والاستقرار هنا، اعتبر الزوجان أنّ ما قاما به يعدّ إنجازًا لهما، خاصةً وأنّ العودة إلى الوطن، حلم كانا يرغبان به، لكنّهما وجدا أن أهم ما ناضلا من اجله، وهو الشعور بالمواطنية، غير موجود ثقافيًا عند اللّبنانيين، بعدها بدأ الوضع ينهار ويتأزم، وهذا ما جعل الزوجين يشعران أنّ ما قاما به يُعدّ جريمةً بحقّ أطفالهما.

تقول "ب." إنّ الأمل بالهجرة للعائلات التي لديها أطفال، تحلم بأن تبني لهم مستقبلًا أصبح هاجسًا، لا بل حاجة يطمح لها الجميع تقريبًا.

تبرر "ب." ما تشعر به من احباط ويأس، على أنّهُ كان من الأفضل لأطفالها الشعور بالانتماء للوطن وهُم في الغربة على الشعور بالغربة وهُم في الوطن، فلا تفاصيل موجعة في هذا الوطن ولا عذابات لهم، تريد لهم حرّية التعبير عن آرائِهم ومعرفة معناها، على أن يتمّ اسكات احدهم بالقوّة، السّلطة أو القانون.

"ب." التي ترفضُ حتّى الافصاح عن اسمها كاملًا، قد أسّست عائلةً بعيدًا عن التعصّب الطائفيّ والمذهبيّ وتحترم الآخر. لكنّها وجدت أنّها تعيش ضمن فدراليات صغيرة غير معلنة عمليًا، وهي تخاف مواجهة مشكلة من نوع عدم دخول أولادها إلى الجامعة، فقط بسبب انتمائهم لطائفة معيّنة مثلًا.

تسعى اليوم "ب." إلى الهجرة وتعتبر أنّ الامر أصبح من أولوياتها، كي تستطيع انقاذ ما تبقّى من حُبّ الوطن في قلبها وقلب العائلة ولكن من الغربة.

أمّا "هيام" وهي من الشابات اللاتي شجّعن على البقاء في لبنان في الفترة الماضية، وشجبت فكرة الهجرة، تخبرنا أنّها اليوم، وعند أقرب فرصة متاحة للسفر وللعمل ستكون من أوّل المسافرين.

لكن ما يمنع "هيام" من السفر اليوم ليس غياب الفرصة وحده، انما الانتماء لعائلة شرقيّة التربية، ترفض فكرة السفر للفتاة دون عائلتها او زوجها، لكنّها أيضًا تتمنى على الشباب اللّبناني المغترب الذي يملك طاقةً وعلومًا، استطاعت دول الخليج والعالم الاستفادة منها، ان يستنزف اليوم قدراته في اعادة بناء الوطن، لأننا ننتمي لوطن يستحق منا التضحية.

يعيش اليوم ثُلث اللّبنانيين تحت خطّ الفقر، بينما يبلغُ معدّل البطالة ٣٠٪ في صفوف الشباب. ويُحذّر البنك الدولي من ارتفاع هذين المعدّلين نتيجة الانهيار الحالي.

مساحة إعلانية