رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• اليوم آخر أيام عام سيخرج من بين ظهرانينا محملاً بدم، ودمع، وألم، ويتم وفقد، وحزن، وفقر، وجوع، وزلازل عنيفة ضربت أرواحنا بوجع، جعلها تتشظى وتتكسر ومازلنا نجهد في جمع الزجاج المكسور وقد جرح أقدامنا! غداً يشرق صباح جديد يقول إننا كبرنا عاماً، فهل أدركنا في خضم ضجيج الناس ولهوهم أن العام المسافر هو بعضنا الذي يمضي منا ونشيعه مبتسمين؟ هل أدركنا أننا نقترب من المحطة التي سينزلنا فيها القطار من بين ركابه لننضم إلى عالم آخر، تاركين الاتساع إلى الضيق، والنور إلى العتمة، والضجة إلى السكون، والكلام إلى الصمت، والركض إلى السُبات، والسراب الكثير إلى الحقيقة الوحيدة؟ هل حاولنا أن ندرك أن ما نحن ذاهبون إليه في آخر محطة مختلف كلياً عما كناه، وعشناه، وأملناه، ورغبناه، وضيعنا ربيع أعمارنا ونحن نخلص الاهتمام لقشوره؟ ما الخواطر التي يمكن أن تداهمك وأنت تلحظ أن العالم يقول (باي باي) لعام طويل عاشه بحلوه ومره؟ ما الخاطر الذي يستوقفنا فنلتفت إليه وقد كان وليداً لموقف مررنا به لنعض أطراف أصابعنا ندماً والروح تقول لنفسها ليته ما كان؟ أي خواطر توجعك الآن وأنت تتذكر؟ كبائر؟ صغائر؟ عقوق؟ اتهام برئ؟ قذف محض؟ زور وبهتان؟ لحظة غضب؟ مال حرام في جوف أطفالك؟ استغلال محتاج؟ فساد ذمة وأكل حقوق؟ كثيرة هي الخواطر التي قد تزورنا خاطفة بوخز مؤلم، كثيرة هي المواقف في جردة حساب نهاية العام، ليس المهم أن نتذكرها محتملين وخزاتها الآنية إلى حين، الأهم عهد مع الروح بالإقلاع عن السواد، كل السواد لينتصر فينا النور على الطين، ليس صعباً اسألوا من جرب.
• * *
• لاحظت كثيرين في بدايات الأعوام يهدون عطراً، ورداً، حلوى، قطعاً ذهبية أو فضية فاخرة! أيكون ذلك لمواساة المهدى إليه عن آلام تجرعها طوال عام منصرم؟ أم أنها هدية تشد الأزر ومعناها (أجمد كده وشد حيلك قدامك سنة بحالها؟) اليوم أخالف كل الهدايا أعلاه لأهدي عزيزي القارئ ما وقعت عليه يدي أمس فوجدت أنه أوفق هدية مع بداية عام جديد، دون تقصد فتحت الكتاب لتطالعني صفحة فيها الحكاية التي تقول (كانت أشد لحظات حياتي مرارة حين طرق "العمدة" باب بيتي فوليت هارباً من الباب الخلفي للدار وكنت قبل اثنتي عشرة سنة أحسب أنني أتربع على قمة العلم فلقد بعت إحدى رواياتي لقاء مبلغ ضخم مكنني من أن أقضى مع عائلتي سنتين متجولين في أوروبا كما يفعل أصحاب الملايين، عرضت عليَّ عروض سخية كي أبقى في هوليود وأتفرغ للتأليف السينمائي لكنني لم أقبل وقفلت عائداً إلى نيويورك، وهناك بدأت متاعبي، فقد خطر لي أن لي مواهب كامنة لم أحاول الاستفادة منها، وخيل إليَّ أنني رجل أعمال بارع قدير دون أن أدري، وحدثني بعض معارفي أن "جاكوب آستور" قد كسب ملايين الدولارات من الاتجار بالأراضي في نيويورك، ومن ثم عولت على أن أكون ثرياً أمثل! وكنت على جهلي مقداماً فخطر لي لكي أبدأ مشروعاتي المالية الضخمة أن أرهن منزلي، ففعلت واشتريت أرض بناء واعتزمت أن احتفظ بها حتى يدب العمران في تلك الأنحاء ويرتفع سعر أراضيها فأبيعها، نعم أنا الذي لم يبع في حياته شبراً من الأرض! وفجأة انقضت الأزمة الاقتصادية كالصاعقة فزعزعتني كما تزعزع العاصفة الهوجاء غصناً طرياً، واجتاحني القلق وحاولت دفعه بكتابة المقالات والقصص الفكاهية للمجلات وعبثاً كانت محاولاتي، لم أستطع أن أبيع شيئاً من مؤلفاتي، فشلت الرواية التي كتبتها في هذه الأثناء، ولم يعد لديَّ ما أستطيع أن أحصل على المال في مقابله سوى الآلة الكاتبة وأغطية ذهبية لبعض أسناني، وثقل عليَّ القلق حتى هزمني النوم، وانتهى الأمر بأن فقدت الأرض الفضاء التي علقت عليها أحلامي، واستولى المصرف الذي رهنت منزلي لديه على المنزل وأوفد (العمدة) ليطردني وعائلتي منه إلى عرض الطريق، استأجرت شقة متواضعة وهناك جلست على إحدى الحقائب أتلفت حولي فرن في أذني قول كثيراً ما رددته أمي على مسمعي "لا تبك على اللبن المراق" ولكن ما أريق في حالتي لم يكن لبناً، بل كان دماً! وبعد ساعة في جلستي تلك قلت لنفسي (ها أنت قد غصت إلى القاع ونجوت، لم يبق إذن إلا أن تطفو على السطح فلم يعد هناك أسفل من القاع، وظللت أفكر في الأشياء التي سلمت من الرهن أو الضياع فرأيت أنني مازلت أملك صحتي وأصدقائي فعولت على أن أبدأ من جديد، ولا أبكي على الماضي، وحولت طاقة النشاط التي كنت أبددها بالقلق إلى العمل المجدي، وإني اليوم لشاكر لله ما ابتلاني به من نوازل فقد أولتني قوة، واحتمالاً، وثقة، وحين يتسلل إليَّ القلق الآن أستطيع أن أقصيه بتذكير نفسي بالوقت الذي غصت فيه إلى القاع ونجوت". هذا ما كتبه "برسي هو ايتنج" مدير شركة "ديل كارنيجي" بنيويورك، أعجبتني حكايته وأسوقها اليوم للموجوعين، المأزومين المصدومين بمفاجآت الحياة إذ دائماً غداً يوم آخر نستطيع فيه أن نبدأ.
• * *
• وقفات تبرق في خاطري
• مع كل عام يرحل وآخر يأتي يتجدد رجائي بتضميد نزف قلب الفلسطيني المتهم أبداً بأنه (إرهابي) إلى أن يثبت العكس الذي لا يريد كثيرون إثباته، مازال عالقاً في خاطري كلامه وهو يقول حصلت على أربع شهادات، كنت أتعلم في خيمة تغص بأقراني، كنت أشق كيس طحين وكالة غوث اللاجئين لأغطي به لحمي صيفاً وشتاء، كثيراً ما عجز عن ستر عورتي، عرفت طعم مرارة الاحتياج في وطن محتل خيره لغيرنا فعوضت نقص المال بالعلم، نحت الفلسطيني في الصخر ليتعلم ويهزم مرارة واقعه وقد سُلب كل شيء حتى حوائط أربعة في الوطن المنهوب، من يقدر حزن الفلسطيني المتهم أينما ذهب؟ هي مصرنا الموجوعة كان المقاوم مادة تلقفتها الصحافة وكذا الفضائيات المسمومة لتشيع أنه مع الزمرة التي يحقق معها في تمثيلية اسمها محاولة اغتيال رئيس نادي القضاة بكل مبالغاتها المضحكة وقد نفى كثيرون حدوث أي اعتداء أصلاً على (الزند) الممثل! من يعرف آلام الفلسطيني؟ من يدري بأحزانه؟ من يدري بأوجاع اغترابه في المنافي؟ من يدري بعذاباته، وملاحقاته، من يدري بكل صور التضييق عليه، مؤلم جداً كل ما يعانيه، ومؤلم جداً أن يستغل الطامعون في السلطة المناوئون لصندوق الانتخابات والدستور وجود فلسطينيين في مصر ليلصقوا بهم تهمة ارتكاب جرائم ثورة الخامس والعشرين دون أن يهتز لهم ضمير، وتستمر المعاناة، ويستمر الفلسطيني ملاحقا وهو المتهم دون تهمة بلاد العُرب ليست أوطانه، إذا ساعده أخ أنكره إخوة، وإذا امتدت له يد بالعون بخلت أياد، ولك الله أينما كنت أيها الغريب الطريد!
• * *
• طبقات فوق الهمس
• هناك كلمات لها ظلال تعيش طويلاً، تصلح لكل وقت، وكل أوان، يقول الرافعي "بعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدواً، وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق، ويرتفع الحسد بموت المحسود، وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه، وتبقى الأعمال تنبه إلى قيمة عاملها، ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه، وينتزع الزمن ليل الميت ونهاره فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله".
• اكتشفت أنني خاصمت العطر عندما ضربوها (بنابالم) الاختلاف والصراع فقتل الشقيق شقيقه، فقدت الصلح مع العطور التي كنت أحبها، أصبحت بذاكرة حافية لا تذكر إلا أن الوطن المجروح هو العطر كله، وأن النيل العظيم على كبره لا يكفي لغسل جراحها الغائرة.
• سيكون جميلاً لو أننا ملكنا (كل عام) القدرة على الحب، والتسامح، والوفاء، والصدق، والاعتذار.
• من يملك القدرة على تنكيس رايات حزنك، ونقلك من سديم العناء إلى الهواء صديق حقيقي.. حقيقي.
• كل عام وقلوبنا تسلم قبل أيدينا
كل عام وعيوننا تحمل هم جموع ليست في مآقينا
• أبرز وصايا العام المسافر: ممنوع الوقوف مع اليأس مهما كان البأس.
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
129
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
168
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
126
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12576
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1998
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1878
| 29 يوليو 2026