رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تختلف رؤية الإنسان لغالبية ما يُحيط به من مشاهد ومواقف وأشياء ساكنة ومتحرّكة تبعا لحالته النفسية والجسدية والفكرية وأحواله المادية والزمانية والمكانية.
ونظرة الشخص المترف الشبعان للحياة والكون تختلف عن رؤية الشخص الفقير الجائع، فالأول يرى أكثرية الأمور وردية وساكنة وممتعة، بينما الثاني يراها مظلمة ومزلزلة ومرهقة.
ومن هنا تختلف، مثلا، لحظات النظر والتأمل بالبحر، حيث يراها المترف الشبعان بأنها لحظات راحة نفسية وعاطفية وإنسانية رقيقة، وهي كذلك، بينما، المعدم الجائع يراها لحظات مليئة بالتوتر والضغوط النفسية، وهو يتمنّى، لحظتها، لو تَمكّن من اصطياد سمكة لسَدّ رمقه، وهكذا تختلف أحوال الناس عند النظر للحقول والبساتين والمتاجر والمخابز وغيرها.
والمحاصرون في غزة، ربما، يحلمون برغيف خبز في ظل الحصار «الإسرائيلي» عليهم، وَيُمنّون النفس بوجبة بسيطة من الأرز أو الشوربة أو غيرهما من الأكلات الزهيدة والمبذولة في أغلب دول العالم الفقيرة.
ومن أفضل أعمال الخير والتعاطف الإنساني على مَرّ العصور هو إطعام الطعام للفقراء والمساكين والأرامل والأيتام وغيرهم من المحتاجين والذين سحقتهم الحروب والكوارث الطبيعية.
ومجاعة غزة بدأ شبحها منذ بداية العام الحالي، وتضييق «إسرائيل» الخناق على أهلها بعد أن فشلت في هزيمتهم عسكريا ونفسيا.
وسبق للأمم المتحدة أن كشفت يوم 12 آذار/ مارس 2025 عن أن «470 ألف شخص سيواجهون المجاعة في غزة».
وأعلنت المنظمة الدولية يوم 22 آب/ أغسطس 2025، ولأول مرّة، حالة «المجاعة رسميًا في غزة»، وطالبت «إسرائيل بتوفير الغذاء والدواء دون إعاقات».
وغزة عُرِفت باسم (غزة هاشم)، وهو جَدّ النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، واسمه «عمرو بن عبد مناف» وسُمّي باسم «هاشم» لأنه كان يُهشِّم الخبز لقومه بمكّة المكرّمة لعمل الثريد، وقد خرج في تجارة إلى الشام وتوفّي في غزة ودفن فيها.
والمفارقة أن غزة «مدينة هاشم» تعاني اليوم من الجوع، وكأن «إسرائيل» تريد الانتقام من كرم الهاشميين ومقاومة الغزيين، وكل ما يتّصل بالعرب والمسلمين من قيم نبيلة وأصيلة.
ونحاول، وبعجالة، تسليط الضوء على أهم المطابخ والتكايا الساعية لتوفير الطعام لأهالي غزة رغم الحرب التي لا تُميّز بين مقاتل ومدني، وصحفي، وإعلامي، ومتطوّع، وطبيب، ومضمّد، ورجل، وامرأة، وطفل، ومسنّ، ومريض.
وأبرزها حاليا مبادرة منظّمة «المطبخ المركزي العالمي» التابع للشيف الاسباني «خوسيه أندريس»، الذي أعلن يوم 21 آب/ أغسطس 2025 أن «المجاعة في غزة حقيقية، ولا يُمكن إنكارها».
وكشف عن أنهم يُخططون لتوفير مليون وجبة يوميًا، وهم يُديرون حاليا 68 مطبخا، ويُقدّمون 200,000 وجبة يوميًا للغزّيين!.
وسبق للمنظمة أن فقدت سبعة من موظفيها في ضربة جوّية «إسرائيلية» مُتعمّدة يوم 1 نيسان/ أبريل الماضي، ومع ذلك عادوا لعملهم الإنساني بعد شهر من الجريمة.
وهنالك أيضا مطابخ «مبرة الخير»، و»غزة الخيري»، و»إغاثة فقراء غزة»، و»الشوربة»، و»الصليب الأحمر»، و»طِبّاخ الغلابة»، وشركة غزة الإنسانية الأمريكية.
وتوجد، كذلك، عشرات التكايا الخيرية، ومنها تَكيّة «فرج الله»، و»غزة»، ومشروع دعم تكايا الطعام، وغيرها العشرات من التكايا والمطابخ الثابتة والمتنقّلة والمبادرات الفردية، الفلسطينية والعربية والأجنبية، التي تُقدّم آلاف وجبات الطعام المجانية يوميا.
وتأكيدا على بشاعة سياساتها لم تراعِ «إسرائيل» المشاريع الإنسانية في غزة، واستهدفت، مع سبق الإصرار والترصّد، 68 مركزا وتَكيّة لتوزيع الطعام، وقتلت (197) متطوّعا في تلك المبادرات وذلك لغاية أيار/ مايو 2025، وقتلت، وبدم بارد، أكثر من 1400 شهيد من منتظري الطعام منذ أيار/ مايو الماضي ولغاية الرابع من الشهر الحالي.
وهكذا لم يَسْلم من الهجمات «الإسرائيلية» حتى المنظمات الإنسانية الساعية لرفد الناس بالطعام والماء والدواء، وكأن «إسرائيل» تضغط على تلك المنظمات لتوقف مساعداتها، ولمشاركتها في حرب الأمعاء الخاوية والتجويع التي تمارسها، ولتستمرّ مظاهر الجوع والعطش والألم والخراب والدماء في غزة!
فعن أيّ إجرام نَتحدّث؟
فهل رأيتم حقدا أكبر وأشدّ وأوسع من حقد حكومة «إسرائيل» على الفلسطينيين؟!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6576
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
999
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
855
| 18 فبراير 2026