رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أوحت إلي الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل على المدنيين والأطفال والأبرياء في قطاع غزة جملة من الخواطر وظلت تجول بفكري حقيقة تاريخية وهي أن ملوك العرب في حرب 1948 كانوا يرسلون المتطوعين والسلاح إلى فلسطين أما جمهوريات اليوم فإما ترسل الدواء والبطاطين والخيام وإما تكتفي بالبيانات (المنددة!) أو تدعو لاجتماع الجامعة العربية أو مجلس الأمن! سبحان مغير العرب من جيل الفداء إلى جيل العزاء!
وتذكرت أن الله سبحانه خلق الفصول الأربعة لتتعاقب من أجل رزق المخلوقات، فالخريف يمهد الأرض للزرع ويسمح بالحرث ويبعث الريح فيه لقاحا ويعقبه الشتاء فيهطل مطر مدرار ينعش الزرع ويخرج السنابل حبلى بالقمح والشعير والرز ثم يأتي الربيع ليكون الخير باعث أمل ورخاء ويعتني المزارع بأرضه سقيا وعلاجا وتشذيبا إلى أن يحل الصيف وهو موسم الحصاد مرفوقا بحمد الله وشكره على نعمائه...وتلك الأيام نداولها بين الناس. ولا تختلف الحياة السياسية عن فصول العام فيرى المؤمن فيها ما سماه سبحانه التدافع، لأن الله خلق الشعوب والقبائل وألهم نفوس الناس فجورها وتقواها وجعل دورات القرى، أي الحضارات مثل دورات الفصول فانظر من حولك شعب فلسطين وهو اليوم يمر بمحنة أخرى تحت قنابل الصهاينة في غزة البطلة لتدرك أنه عاش خريف التهجير والشتات سنة 1947 بإرادة جائرة من دول أوروبية سبق أن ذبحت اليهود وأبادتهم وأراد حكامها بعد دحر النازية أن يكفروا عن ذنوب أوروبا المسيحية فأعطوا ما لا يملكون لمن لا يستحقون وأنشأ الغرب المسيحي كيانا عبريا مزروعا في جسد إسلامي ومسيحي قديم لم يتنكر يوما للطائفة اليهودية ولم يضطهدها، بل حماها كما وقع في التاريخ مرتين، الأولى حين لوحق اليهود والمسلمون معا في الأندلس على أيدي نفس المسيحيين المتطرفين وأحرقوا في محاكم التفتيش والثانية حين أبيد اليهود على أيدي هتلر النازي فوجد الناجون من اليهود خلال المحنتين ملجأهم الأمين لدى المسلمين. كان شتاء أبناء فلسطين قاسيا سنة 1947 و1948 حين حل شعب دخيل مكان شعب أصيل وأتذكر شخصيا أنني حين انتخبت رئيسا لإحدى جلسات المؤتمر الدولي للاتحاد العالمي للبرلمانات في خريف 1982 (نفس خريف العدوان على بيروت وإخراج المناضلين الفلسطينيين منها نحو قبرص ثم نحو تونس) وكان مؤتمرنا منعقدا بمقر البرلمان الإيطالي بروما وكانت الجلسة مخصصة بإلحاح البرلمانيين العرب للنظر في شؤون الشرق الأوسط ألقيت خطابا في كل الوفود المشاركة ومنها الوفد الإسرائيلي ووفد منظمة التحرير بصفة ملاحظ ووفود بريطانيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية وكنت من قبل خطابي توجهت إلى سكرتيرة المؤتمر وأخذت منها السير الذاتية للوفدين الإسرائيلي والفلسطيني (ومن بينهم المناضل خالد الحسن رحمة الله عليه) وبدأت خطابي بالقول للبرلمانيين الحاضرين: " نريدكم أن تفهموا سر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولكي تفهموا هذا السر سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الإسرائيلي؟ شالوم ولد في بروكلين وحاييم ولد في فيانا وديفد ولد في اليمن وإيزاك ولد في ميلانو... كما سأقول لكم أين ولد أعضاء الوفد الفلسطيني، فخالد ولد في حيفا وكمال في الناصرة وناصر في القدس وجمال في نابلس... هذه حقيقة مأساة فلسطين، يهود قادمون من مدن العالم لا علاقة لهم بفلسطين، وفلسطينيون من أرحام أرض فلسطين ولدوا فيها ونشأوا بين زيتونها وكرومها وهجروا منها، فهم اليوم في تونس وعمان وبيروت وباريس ونيويورك سيرجعون بعد المؤتمر إلى مهاجرهم، بينما اليهود الذين جاءوا من أصقاع الأرض واغتصبوا فلسطين سيعودون بعد مؤتمرنا إلى فلسطين. وأقسم لكم اليوم أيها القراء الأعزاء بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذا الخطاب الذي ألهمنيه الله سبحانه لا أزال أتذكر باعتزاز كيف صفق لي وقوفا جل أعضاء الوفد الأمريكي والألماني والفرنسي وكيف صرخ الإسرائيليون غضبا وتنديدا. وأعتقد مع طول التجربة وكثرة التعايش مع الأحداث أن السبب بسيط وهو أن المنطق العقلاني والرؤية التاريخية يستطيعان التأثير على رأي عام عالمي مغشوش عوض استعمال لغة العواطف والحماس والحمية. لذلك آليت في كل مواقفي السياسية والتعبير عن أفكاري ألا أعتمد إلا على العقل والبصيرة التي أمرنا الله أن ندعو بفضلها إلى سبيله تعالى، مع اعتماد قوة الحجة التاريخية وبرهان الحق الساطع. ولهذا السبب أشد على أيدي المناضل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس على تغيير لغة الخطاب المتوجه للرأي العام الغربي والذي بثته بالمباشر القناة الرسمية الفرنسية فرانس 24 يوم الأربعاء 23 يوليو وهي قناة الحكومة الفرنسية، فقد قال خالد بأن حماس لم تستهدف سوى جنود العدو المهاجمين، بينما يقتل الصهاينة مئات الأطفال والنساء والشيوخ ويقصفون المستشفيات وبيوت الله وهو ما سماه مشعل (الانتصار الأخلاقي على جيش تساحال) وهو أيضا ما دعا السيدة (نافي بيلاي) رئيسة مفوضية حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وفي نفس يوم الأربعاء إلى التصريح بقوة ومن على منبر الأمم المتحدة بأن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في العدوان المستمر على المدنيين في قطاع غزة. لعل بعض قرائي الأفاضل يردون عليّ قائلين: وماذا يفيد غزة من هذه التصريحات ما دامت إسرائيل لا تقيم وزنا لا للأمم المتحدة ولا بالطبع لخطب العرب ولا تعتمد سوى على منطق القوة والتفوق منذ.... سبعين عاما؟ هذا صحيح ولكن المقاومة الفلسطينية وخاصة التي اعتمدت على قوة العقيدة نجحت في قلب الموازين التقليدية القديمة والعقيمة أولا بالاعتبار والبصيرة وقراءة أخطاء الماضي في الحراك العسكري والدبلوماسي وثانيا بتطوير تقنيات السلاح الرادع ويكفي أن نذكر فقط إيقاف شركات الطيران الأوروبية والآسيوية وحتى الأمريكية رحلاتها إلى مطارات إسرائيل وما ينجر عن ذلك من خسائر اقتصادية ومالية وسياسية وأمنية لإسرائيل وهو ما حرك لوبيات إسرائيلية لتعود بمراجعة مواقفها، لا محبة في الفلسطينيين، بل خوفا على إسرائيل، قناعة من هذه اللوبيات بأن سياسات التهور ورفض حل الدولتين لو يتواصل ستصبح دولة إسرائيل عبئا ثقيلا على الإدارة الأمريكية الحاضنة لهذه الدولة والضامنة لبقائها وتفوقها ولعلمكم يا قارئي العربي، فإن آلاف اليهود شاركوا في مدن أوروبية وأمريكية في مظاهرات التنديد بالقمع والقتل ومخططات الإبادة الممنهجة التي، كما يقول هؤلاء اليهود، تشكل وصمة عار على جبين الدين اليهودي وتشكل الخطر القادم على أمن الدولة العبرية وعلى السلام العالمي.
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
261
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
174
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
300
| 27 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026