رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو تتأمل معي الآيات التي يتحدث الله عز وجل عن الصيام في سورة البقرة، وقد اقتربنا من الشهر الفضيل، ستجد بعدها مباشرة آية تنهى عن أكل أموال الناس بالباطل. فربما وأنت تقرؤها تشعر كأن الآية أخرجتك إلى سياق آخر غير سياق الصوم.
لكن بشيء من التأمل، ستجد أنه كما دعت آيات الصوم المسلم للامتناع عن الأكل والشرب وغيره في عبادة الصيام، من وقت محدد للإمساك إلى وقت محدد للإفطار، فإن هناك إشارة للمسلم أنه مطالب كذلك دوماً، وليس في وقت محدد كالصوم، بالامتناع عن أكل من نوع آخر، ليس طعاماً ولا شراباً، بل أكل أموال الناس بالباطل.
أكل الأموال نوعان؛ نوع يكون بالحق، وآخر بالباطل. فأما أكل الأموال بالحق، فهو واضح لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات، وأبرز أمثلته الراتب الشهري، تأخذه من بعد أداء عملك بذمة وضمير، أو تكسب أموالاً من تجارة مشروعة، دون غش أو تحايل أو احتكار أو ما شابه من أساليب محرمة في التجارة.
لكن موضوعنا اليوم يدور حول النوع الثاني من أكل الأموال، والذي يكون بالباطل، سواء تم بشكل فردي أو بمعاونة آخرين على شكل قضاة أو محامين أو أصحاب نفوذ وسلطة، أو وسطاء أو غيرهم. فهذا الشخص، أو آكل المال بالباطل أو المال الحرام -إن صح وجاز لنا التعبير- يكون قد أدخل نفسه دائرة لا يُرجى منها خير، لا في دنياه ولا آخرته، وما لم يخرج منها سريعاً، فإنه سيقع في خطر الاستمرار على هذا الفعل أو هذا المسلك، من بعد أن يكون الشيطان قد زين له أعماله أكثر فأكثر حتى يعتاده أو يألفه، ليدخل بعدها مستوى خطيراً لا يرى في عمله المحرم بأساً، لينتقل إلى مستوى أعمق وأعقد حين يبدأ مرحلة الدفاع عن فعله المحرم!
اليوم أينما أدرت وجهك، ترى عمليات متنوعة، وكثير منها منتظمة أيضاً، من عمليات أكل أموال الناس بالباطل أو الحرام، حتى أمست بلا سقف أو حدود، أو لا تبدو أن لها نهاية أو قاعاً. الأمور تزداد سوءاً على كل المستويات والمجالات. آكلو الحرام يزدادون ثراء وجشعاً وقسوة، والمستضعفون أو الضحايا يزداد هوانهم وضعفهم، فيما الأبواب القانونية غالباً تكون موصدة أمامهم، أو لا يجدون إليها سبيلاً، خاصة مع شيوع مقولة ظالمة عند العامة، هي أن القانون لا يحمي المغفلين! فإن كان صحيحاً والقانون لا يحمي المغفلين أو أصحاب النوايا الطيبة والقلوب النظيفة، فمن يحمي إذن؟ ولن ندخل في جدال حول هذا المفهوم، كيلا يضيع منا خيط موضوعنا الرئيسي.
احذر من هذه الأموال
لا شك أن كثيرين وهم يرون عمليات أكل أموال الناس بالباطل، يتساءل أحدهم مندهشاً: كيف لمسلم أن يأكل الرشوة، قليلة كانت أم كثيرة؟ وكيف يأكل مال الغصب عبر الاستيلاء على الأرض دون وجه حق، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحذر: «من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه، خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين». وكيف يأكل مال يتيم، وكيف يأكل ديون الناس حين يقترض منهم وفي نيته عدم الوفاء والسداد؟! وكيف يأكل مالاً كسبه من قمار أو مراهنات أو أثمان بضائع محرمة كالخمر والخنزير وغيرها، حتى لو طابت نفسه وأقنعها بجواز ذلك بشكل من الأشكال؟
ويدخل في هذا الحرام أو المال الباطل -كما قال السعدي في تفسيره: «أكل الأموال المسروقة أو الخيانة في وديعة أو عارية، أو بمعاوضة محرمة كعقود الربا، ويدخل في ذلك أيضاً أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة، أو استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه. ويدخل في ذلك أيضاً الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها، أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه».
قائمة المفلسين يوم القيامة
أن تمتنع عن الأكل والشرب في عبادة الصوم، ثم تأكل أموال الناس بالباطل، فإنما هذا إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض.. بل إن هذا العمل يُدخل آكل الحرام ضمن قائمة المفلسين يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم فطُرحَتْ عليه، ثم طُرح في النار».
أكل المال بالباطل أو الحرام، إنما يحدث تدريجياً وباليسير منه بادئ ذي بدء، ثم يتطور وتتعقد الأمور. يساعد على ذلك التقدم والتعمق في الحرام، انحسار أو تراجع ملحوظ في الإيمان. أي أنها عملية عكسية. كلما زاد الأكل من الحرام، ضعف الإيمان وقسى القلب حتى يبلغ مستوى التحجّر، فلا يتأثر حينذاك بموعظة أو نصيحة، خاصة إن وجد من يكيّف له الأمور ويزينها من الإنس قبل الجن، بشكل قانوني عبر ثغرات لا يعرفها إلا المختصون في القوانين، أو بشكل ديني عبر لَيّ أعناق النصوص الشرعية، لتتوافق وتطلعات آكل الحرام والعياذ بالله.
زبدة الكلام
أكل أموال الناس بالباطل، عمل لا أخلاقي ولا إنساني، قبل أن يكون عملاً محرماً قانوناً وشرعاً. هو انتكاسة في الأخلاق والإنسانية، يصلها الإنسان بسبب حبه الجم للمال، وحب الإكثار منه والولع به إلى درجة الفحش، لا تضبطه روادع وزواجر على شكل قوانين أو أخلاقيات أو إيمانيات. من يكون همه الإكثار من ماله بأي شكل من الأشكال، لابد أن يتفكر لحظات أو يوقفه أحد للتنبيه على أن هذا المال سيكون أحد أربعة أمور سوف يُسأل عنها يوم القيامة، والمالُ تحديداً قد خُصص له سؤالان، كما في الحديث الصحيح: «لا تزولُ قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عُمرِه فيم أفناه؟ وعن علمه ماذا عمِل به؟ وعن ماله من أين اكتسبَه، وفيم أنفقهُ؟ وعن جسمه فيم أبلاهُ؟ بالإضافة إلى أن المال الحرام سيكون سداً منيعاً أمام دعواته بالليل والنهار، والتي ستكون حدودها سقف غرفته لا أكثر.
فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.
سائلين الله ختاماً أن يعيننا على الصيام والقيام وتلاوة القرآن.
وكل عام وأنتم بخير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2742
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1485
| 25 أكتوبر 2026